هل كان طالب بن أبي طالب مشركاً أم مسلماً؟
السؤال: هل كان طالب بن أبي طالب مشركاً أم مسلماً؟ وإذا كان قد أسلم فعلاً، فما هي الشواهد والأدلَّة على ذلك؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية، لا بأس بالإشارة إلى أنَّ طالب بن أبي طالب هو الابن الأكبر لأبي طالب (عليه السلام)، وهو شقيق أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). وكان طالب بمكَّة، ولم يخرج منها حتَّى وقعت أحداث معركة بدر في السنة الثانية من الهجرة، حيث أجبرت قريش مَن بقي من بني هاشم على الالتحاق بصفوفها لقتال النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فأنشد طالب في ذلك شعراً تمنَّى فيه النصر للنبيّ (صلى الله عليه وآله) والخسران لقريش؛ ولذلك أعرضوا عنه ولم يقبلوا به ضمن صفوفهم.
ومنذ ذلك الحين انقطع ذكره وضاع خبره، ولعلَّ الأيادي الآثمة قد امتدَّت إلى حياته وأسكتت صوته إلى الأبد؛ لما بدا من شعره في هذه الحرب، والله تعالى العالم بحقائق الأمور، وهو المطَّلع على الخبايا والأسرار.
شواهد إسلامه:
1ـ لا يخفى أنَّ من تربَّى في بيت أبي طالب (عليه السلام) وكان تحت رعايته يكون مسلماً لا محالة؛ وذلك لما ثبت عندنا كونه من الأوصياء، وأنَّ نوره يُطفئ أنوار الخلائق يوم القيامة، وأنَّه لو شفِّع في كلِّ مذنبٍ على وجه الأرض لشفَّعه الله تعالى فيهم، وأنَّ من يشك في إسلامه وإيمانه يكون مصيره إلى النار، وأنه ما عبد صنمٌ قطُّ، وكان على دين إبراهيم (عليه السلام).
روى الشيخ الصدوق بالإسناد إلى الأصبغ بن نباتة، قال: «سمعتُ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يقول: والله، ما عبد أبي ولا جدِّي عبد المطَّلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط، قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلُّون إلى البيت، على دين إبراهيم (عليه السلام)، متمسِّكين به» [كمال الدين ص171].
إنَّ وجود طالبٍ في كنف أبيه (عليه السلام) من الشواهد الواضحة على عدم عبادته للأصنام ودخوله في الإسلام.
2ـ وروى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما خرجت قريش إلى بدر وأخرجوا بني عبد المطَّلب معهم خرج طالب بن أبي طالب، فنزل رجَّازهم وهم يرتجزون، ونزل طالب بن أبي طالب يرتجز... إلى قوله (طاب ثراه): وفي روايةٍ أُخرى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه كان أسلم» [الكافي ج8 ص375].
وهي نصٌّ واضحٌ وصريحٌ في تحقق إسلامه.
3ـ وقال أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم الحسنيّ، ونصُّه: (فأمَّا طالب، فدرج ولا عقب له، وله في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) قصائد، منها حيث يقول:
وقد حلَّ مجد بني هاشم * مكان النعائم والزهرة
ومحض بني هاشم أحمد * رسول المليك على فترة) [المصابيح ص196].
فإنَّ قوله: «أحمد رسول المليك» صريحٌ في اعترافه برسالة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) من الله تعالى.
4ـ وقال القاضي النعمان المغربيّ: (وكان طالب أسنَّ ولد أبي طالب وليس له عقب، وهو الذي يقول في رسول الله (صلى الله عليه وآله): وقد حلَّ مجد بني هاشم... وكان قد أسلم، وتخلَّف عن الهجرة، فلما كان يوم بدر أخرج مشركو قريش بني هاشم مكرهين... فلمَّا صاروا ببعض الطريق قيل ذلك عنه، فقالوا: والله ما كان ينبغي لنا أنْ نخرج برجلٍ من بني هاشم؛ لأنَّا نعلم أنَّهم لا يريدون إلَّا أنْ يظفر محمَّد، وحسبكم بقول طالب هذا، فاجتمعوا إليه فردُّوه من الطريق فانصرف إلى مكَّة) [المناقب والمثالب ص139].
وهو نصٌّ صريح في إسلامه أيضاً.
5ـ وقال سُليمان بن خلف الباجيّ الأندلسيّ ـ من علماء العامة ـ في تعليقه على حديث إرث أبي طالب: (قوله: «إنما ورث أبا طالب عقيلٌ وطالبٌ»، يريد أنَّهما انفردا بميراثه دون عليٍّ وجعفر؛ وذلك أنَّ عليّاً وجعفراً تقدَّم إسلامهما قبل موت أبي طالب، وبقي طالبٌ وعقيلٌ على ملَّتهما، فانفردا بميراثه، وإنّما أسلما بعد موته عام الفتح) [المنتقى شرح الموطأ ج6 ص250].
أقول: هذا النصُّ يدلُّ على بقائه إلى عام الفتح في السنة الثامنة من الهجرة، وهو خلاف ما نُقل من انقطاع خبره بعد معركة بدر كما ذكرنا، وإنما أوردناه كشاهدٍ على تحقق إسلامه في تراث العامة، ولغرض نفي الإجماع عندهم على كفره.
6ـ وما رواه ابن شهر آشوب من وصية أبي طالبٍ لابنه طالب بمناصرة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) حدَّ الموت، ووثوقه به، مما يدلُّ على إسلامه وإيمانه، وإلَّا فلا وجه لوصيته بشخصٍ لا يؤمن به، ولا يعتقد بنبوته.
فقال فيها: «أبُني طالب إنَّ شيخك ناصحٌ * فيما يقول مسدِّد لك راتق *
فاضرب بسيفك من أراد مساءةً * حتَّى تكون لدى المنية ذائق *
هذا رجائي فيك بعد منيَّتي * لا زلتُ فيك بكلِّ رشدٍ واثق *
فاعضد قواه يا بُني وكن له * إني بجدِّك لا محالة لاحق»
[مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 62، وينظر: الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص326 الهامش، موسوعة الكلمة ج24 ص186].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ طالب بن أبي طالبٍ كان مسلماً كأبيه، ولم يكن مشركاً بالله تعالى، كما تبيَّن من مجموع الشواهد المذكورة.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق