لماذا يخاطب المعصوم الظلمة بأمير المؤمنين؟
السؤال: نرى في سيرة أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) أنَّهم يخاطبون الحاكم الظالم بلفظ أمير المؤمنين، فما هو السبب في ذلك؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
من جملة ما ابتلي به أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) هو إزاحتهم عن المراتب التي رتَّبهم الله تعالى فيها، والمناصب التي نصَّبهم لها من قِبَل الظلمة والمنافقين، بدءاً بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وانتهاءً بصاحب الأمر (عليه السلام). ولم يكتفِ أولئك الظلمة بذلك وحسب، بل راحوا يُضيِّقون على الأئمَّة (عليهم السلام) بشتَّى أنواع التضييق، حتَّى انتهى الأمر إلى قتلهم (عليهم السلام) وشهادتهم في سبيل الله تعالى، كما هو مفصَّل في سيرتهم الشريفة.
إذا اتَّضح هذا التمهيد، فلنا بعض الوقفات، نذكرها ضمن أمور:
الأمر الأوَّل: أنَّ لقب (أمير المؤمنين) مختصٌّ بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) دون غيره، ولا يحق لأحدٍ أنْ يتلقَّب به حتَّى أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، بل ورد الذمُّ الشديد في حقِّ من لُقِّب بهذا اللقب ورضي بذلك.
1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله رجلٌ عن القائم يسلَّم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: لا، ذاك اسم سمَّى الله به أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يسمَّ به أحدٌ قبله ولا يتسمَّى به بعده إلَّا كافراً. قلتُ: جُعِلتُ فداك، كيف يسلَّم عليه؟ قال: يقولون: السلام عليك يا بقية الله» [الكافي ج1 ص411].
2ـ وروى الكلينيّ بسنده إلى الفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) في خصوص لقب أمير المؤمنين قال: «يا فضيل، لم يتسمَّ بهذا الاسم غير عليّ (عليه السلام) إلَّا مفترٍ كذَّاب إلى يوم البأس» [الكافي ج8 ص288].
3ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى أبي حمزة الثماليّ قال: «سألت أبا جعفر محمَّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، يا ابن رسول الله، لم سمِّي عليٌّ (عليه السلام) أمير المؤمنين، وهو اسم ما سُمِّي به أحد قبله ولا يحل لأحدٍ بعده؟ قال: لأنَّه ميرة العلم، يمتار منه ولا يمتار من أحدٍ غيره» [علل الشرائع ج1 ص160].
4ـ وروى الصدوق أيضاً بسنده إلى ثور بن يزيد، عن مكحول، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيه قوله: «وأمَّا السابعة والستُّون، فإنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أنْ أُدعى بإمرة المؤمنين في حياته وبعد موته، ولم يطلق ذلك لأحدٍ غيري» [الخِصال ص572ـ580].
5ـ وروى الشيخ الطوسيّ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «لما أسري بي إلى السماء، كنتُ من ربي كقاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليَّ ربي ما أوحى، ثمَّ قال: يا محمَّد، اقرأ عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين السلام، فما سمَّيتُ بهذا أحداً قبله، ولا أسمِّي بهذا أحداً بعده» [الأمالي ص 295].
إلى غير ذلك من الروايات الدالَّة على هذا المعنى، كما لا يخفى على المطالِع.
الأمر الثاني: أنَّ خطاب أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) لهؤلاء الظلمة ليس من باب الاعتقاد بهم أو القبول بنهجهم، وإنَّما من باب التقية التي اقتضتها الظروف آنذاك، إذْ إنَّ الحِكمة من تشريع التقية هو ذلك.
1ـ وروى الشيخ الحِمْيريّ عن بكر بن محمَّد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ التقية ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له. فقلتُ له: جعلتُ فداك، أرأيت قول الله (تبارك وتعالى): ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنَّ بِالْإِيمَانِ﴾؟ قال: وهل التقية إلَّا هذا» [قرب الإسناد ص35].
2ـ وروى الشيخ الكلينيّ عن حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «سمعتُ أبي يقول: لا والله، ما على وجه الأرض شيءٌ أحبّ إليَّ من التقية. يا حبيب، إنّه من كانت له تقية رفعه الله. يا حبيب، من لم تكن له تقيةٌ وضعه الله. يا حبيب، إنَّ الناس إنّما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك كان هذا» [الكافي ج2 ص217].
3ـ وروى الكلينيّ أيضاً بسنده إلى معمَّر بن خلَّاد قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القيام للولاة؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له» [الكافي ج2 ص219].
وغيرها من الأخبار الكثيرة في هذا الباب.
قال السيّد صادق الروحانيّ في جواب سؤالٍ وجِّه إليه، هذا نصُّه:
«السؤال:
نلاحظ أنَّ في عددٍ ليس بالقليل من الروايات أنَّ الأئمَّة كانوا ينادون حكَّام عصرهم بأمير المؤمنين، والمعروف أنَّ هذا اللقب خاصٌّ فقط بأمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب ولا يُطلق على أحد غيره أبداً، فما تفسير ذلك؟ أم أنَّ ذلك زيادة من الراوي، أم أنَّهم كانوا ينادون فقط بكلمة أمير ولكنَّ الرواة يزيدون عليها، أم ماذا تحديداً؟
باسمه جلَّت أسماؤه
هذا خاصٌّ من حيث ما نعتقده نحن من صحة اللقب واختصاصه بالإمام عليّ (عليه السلام) من حيث الواقع، أمَّا من حيث تعدَّى هذا اللقب إلى غيره فقد استعمله الحكَّام، وهم كثيرون وكان الأئمَّة (عليهم السلام) ينادون الحكَّام بما سمُّوا به أنفسهم لا بما يعتقدونه هم (عليهم السلام) فيهم من باب اتقاء شرورهم» [الموقع الرسمي].
الأمر الثالث: لعلَّ توصيف الأئمَّة (عليهم السلام) لهؤلاء الظلمة بوصف أمير المؤمنين من باب الكشف عن حالهم واقعاً؛ لأنَّ النصوص بيّنت أنه من لا يتسمَّى بذلك ويرضى به إلَّا كان كافراً أو كاذباً أو جميع ذلك، والله العالم.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك: أنَّ توصيف أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) للحكَّام الظلمة بوصف أمير المؤمنين هو للتقية ودفع الضرر الناشئ منهم.. والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّد وآله الطاهرين
اترك تعليق