هل يصح برهان المحقق الطوسي على بقاء النفس؟
السؤال: يقول المحقق الطوسيّ (رضوان الله عليه): ينبغي أنْ تعلم أنَّ النفس الناطقة بعد انحلال البدن باقيةٌ ولا سبيل للموت إليها، بل لا يجوز عليها العدم بوجهٍ من الوجوه؛ والدليل على هذا المطلوب أنَّ كلَّ موجودٍ باقٍ يجوز عليه الفناء، كان بقاؤه بالفعل وفناؤه بالقوَّة. وحينئذٍ يجب أنْ يكون محلّ البقاء بالفعل غيرَ محلّ الفناء بالقوَّة.. هل هذا الكلام صحيح؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
نسبة أصل هذا الكلام إلى المحقق نصير الدين الطوسيّ صحيحةٌ من حيث المعنى، فقد صرّح في كتبه ببقاء النفس بعد موت البدن [ينظر: رسالة بقاء النفس بعد فناء الجسد ص44ـ45]، وقرّر أنَّ النفس لا تفنى بفناء الجسد. أمّا الصياغة التفصيليَّة لهذا البرهان فهي من البراهين المعروفة في الفلسفة المشائيَّة، وقد استعملها الفلاسفة لإثبات أنَّ النفس المجرَّدة لا يلحقها الفساد كما يلحق الأجسام.
وخلاصة البرهان: أنَّ الشيء الذي يمكن أنْ يفنى يكون فيه استعدادٌ للفناء؛ فالجسم مثلاً مركَّبٌ من مادّةٍ وصورةٍ، وعندما يفسد تزول صورته وتبقى مادّته قابلةً لصورة أخرى. ومن هنا قالوا: إنَّ القابل للفناء لا بد أنْ يكون مركَّباً، بحيث يكون فيه ما هو موجودٌ بالفعل، وفيه ما يقبل الزوال والتغيّر بالقوّة.
ثمَّ قالوا: إنَّ النفس ليست جسماً ولا مادَّةً مركَّبةً، وإنَّما هي جوهرٌ مجرَّدٌ بسيطٌ؛ ولذلك لا يوجد فيها ما يحمل استعداد الفناء كما يوجد في الأجسام، ومن هنا استدلّوا على أنَّها لا تفنى بفناء البدن.
إلّا أنَّ هذا البرهان ليس تامّاً بحيث لا يمكن الاعتراض عليه، بل ناقشه بعض علماء الإمامية أنفسهم؛ فالعلامة الحليّ، وهو من أشهر من شرح كتاب (تجريد الاعتقاد) للمحقق الطوسيّ، نقل هذا الدليل ثم صرّح بأنَّ الحجة ضعيفة؛ لأنَّ القول بأنَّ كلَّ شيءٍ يمكن أن يفنى لا بد أنْ توجد فيه «قوة الفناء» في محلٍّ آخر ليس أمراً بديهياً لا يقبل المناقشة [ينظر: كشف المراد ص169].
فموضع الإشكال هو قولهم: إذا كان الشيء قابلاً للفناء، فلا بدّ أنْ يكون فيه جزءٌ أو محلٌّ يحمل استعداد الفناء.
ويمكن أن يقال: لماذا يجب ذلك؟ ولماذا لا يكون الشيء ممكناً في ذاته، فيوجد بإيجاد الله ويبقى بإبقائه، ويمكن في نفسه أنْ يُعدَم لو لم يشأ الله بقاءه، من دون الحاجة إلى افتراض مادَّةٍ أخرى تحمل قابلية عدمه؟
ولهذا ينبغي التفريق بين أمرين:
الأوّل: أنَّ النفس لا تفنى بموت البدن، وهذا هو أصل المطلب الذي يريد الطوسيّ إثباته، وهو موافقٌ للعقيدة الإسلاميَّة في بقاء الإنسان بعد الموت وانتقاله إلى عالمٍ آخر.
أما الأمر الثاني فهو القول بأنَّ النفس «لا يجوز عليها العدم بوجهٍ من الوجوه». فإن كان المقصود أنَّها لا تنعدم بمجرّد موت الجسد، فهذا صحيح، أمّا إذا كان المقصود أنَّ العدم مستحيلٌ على النفس بذاتها استحالةً مطلقةً، فهذه العبارة تحتاج إلى تصحيح؛ لأنَّ النفس مخلوقةٌ وممكنة الوجود، وليست واجبة الوجود بذاتها.
فالذي يستحيل عليه العدم بذاته هو الله تعالى، أمّا النفس فإنَّها موجودةٌ بإيجاد الله، وتبقى بإبقائه وإرادته، وكونها باقيةً بعد الموت لا يعني أنَّها تملك البقاء من ذاتها، أو أنَّها خرجت عن كونها مخلوقةً محتاجةً إلى الله.
وبذلك لا نحتاج في إثبات المعاد وبقاء النفس إلى القول بأنَّها واجبة البقاء بذاتها، بل يكفي أنَّ الله سبحانه خلق الإنسان لنشأةٍ تستمر بعد الموت، وأنَّ موت البدن ليس نهاية وجوده، وإنّما انتقالٌ من عالمٍ إلى عالم.
وفي المحصّلة، أصل ما يريد المحقّق الطوسيّ إثباته صحيحٌ، وهو أنَّ النفس لا تفنى بفناء البدن، ولكن البرهان الفلسفيّ المذكور ليس برهاناً قاطعاً لا يقبل النقاش، وقد ناقشه العلّامة الحليّ نفسه. كما أنَّ بقاء النفس لا يعني استحالة عدمها بذاتها، وإنما يعني أنَّ الله شاء لها البقاء بعد الموت؛ فالنفس باقيةٌ بإبقاء الله، لا لأنَّها واجبة الوجود أو مستغنيةٌ عنه.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق