هل يمكن أن يظهر الله بصورة بشرية؟

السؤال: بعض الطوائف ترى الله يظهر للناس بصورةٍ بشريّةٍ.. ويقولون: الله واجبٌ على نفسه أنْ يعرّف عباده به، وجائزٌ أنْ يظهر قدرته بما يشاء.. هل يمكن عقلاً ذلك..

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

الظاهر أنَّ مقصود السؤال هو: إذا كان الله قادراً على كلّ شيء، وكان من حقّ العباد أنْ يعرفوه، فلماذا لا يجوز أنْ يظهر لهم في صورةٍ بشريّةٍ حتى يعرفوه من خلالها؟

والجواب أنَّ هنا خلطاً بين أمرين مختلفين: إظهار الله لقدرته وآياته، وبين تحوّل ذات الله إلى صورةٍ بشريّةٍ.

فإن كان المقصود أنَّ الله يخلق إنساناً أو صورةً أو ظاهرةً تكون آيةً تدلّ عليه وتكشف عن قدرته، فهذا ممكنٌ عقلاً ولا إشكال فيه. فالأنبياء والمعجزات والكون كلّه آياتٌ تدلّ على الله، وقد يكلّم الله نبيّاً من وراء حجاب أو يجري على يده معجزةً عظيمةً. لكن ما يخلقه الله ليكون دليلاً عليه يبقى مخلوقاً، ولا يتحوّل بذلك إلى الله نفسه.

أمّا إذا كان المراد أن ذات الله نفسها تظهر في صورةِ إنسان، أو تتحوّل إلى جسمٍ بشريٍّ محدود، فهذا مستحيل عقلاً؛ لأنَّ الجسم لا يكون جسماً إلَّا إذا كان له حدٌّ ومقدارٌ، ومكانٌ وأجزاء، ويقبل التغيّر والحركة، بينما الله سبحانه منزّهٌ عن الحدّ والمكان والتركيب والتغيّر. فإذا قيل: إنَّ الله صار جسماً محدوداً، لزم أنْ يكون غير المحدود محدوداً، والغنيّ محتاجاً إلى مكانٍ وأجزاءٍ، وهذا تناقضٌ في أصل الفكرة.

ولا يصحّ الاعتراض بأنَّ «الله قادرٌ على كلّ شيء»؛ لأن القدرة الإلهيّة تتعلّق بالممكنات، لا بالمحال الذاتيّ، فالتناقض ليس شيئاً حتى تتعلّق به القدرة، فلا معنى، مثلاً، لأن يقال: هل يستطيع الله أنْ يجعل الشيء موجوداً ومعدوماً في الوقت نفسه، ومن الجهة نفسها؟ فهذا ليس أمراً ممكناً يعجز الله عنه، بل هو تصوّرٌ متناقضٌ لا حقيقة له.

وكذلك القول بأنَّ الإله المنزّه عن الحدود يصبح في الوقت نفسه جسماً محدوداً.

أمّا القول: إنَّ الله «يجب عليه أنْ يعرّف عباده بنفسه»، فلا يستلزم التجسّد أصلاً؛ فالمعرفة لا تتوقّف على الرؤية الحسّيّة، ولا يشترط لكي نعرف الله أنْ يتحوّل إلى جسمٍ نراه بأعيننا، وإنّما عرّف الله عباده بنفسه من خلال العقل والفطرة، وآيات الكون والوحي والأنبياء. فالإنسان يعرف أشياءً كثيرةً من آثارها من دون أن يراها بذاتها، فكيف يجعل التجسّد شرطاً لمعرفة الله؟

ولهذا أكّد القرآن تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وقال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]. فالله يُعرف بآياته ودلائله، لا بأن يتحوّل إلى واحدٍ من مخلوقاته.

وفي المحصّلة، إذا كان المقصود أنَّ الله يُظهر قدرته وآياته فهذا ممكن، ولكن يبقى كلّ ذلك مخلوقاً وليس هو الله. أمّا إذا كان المقصود أنَّ ذات الله نفسها تتحوّل إلى جسمٍ بشريٍّ أو تحلّ فيه، فهذا مستحيل عقلاً؛ لأنَّه يناقض تنزّه الله عن الجسم والمكان والحدود والتغيّر. والقدرة الإلهيَّة لا تجعل التناقض ممكناً.