هل كانت الوثنية متسامحة حتى جاءت الأديان الإبراهيمية؟

السؤال: في العالم القديم قبل الأديان الإبراهيميّة، كان هناك تسامحٌ دينيٌّ كبيرٌ، فيمكنك الدخول لأيّ مدينةٍ، وتقديم القربان لأيّ إلهٍ تريد، وأبناء هذه المدينة يعرفون أنَّه إذا دخلوا مدينتك سيكون المثل موجوداً، ثم أتت الأديان الإبراهيميّة وأفسدت كلّ شيء.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الادّعاء قائمٌ على أسطورتين في وقتٍ واحد: أسطورة أنَّ العالم الوثنيّ القديم كان عالماً متسامحاً، وأسطورة أنَّ الأديان الإبراهيميّة هي التي أدخلت التعصّب والصراع الدينيّ إلى حياة البشر، وكلا الأمرين لا يحتاج إلى بحثٍ تاريخيٍّ متخصّصٍ حتّى يتبيّن تهافته.

فالمجتمعات القديمة قبل الأديان الإبراهيميّة لم تكن جمعيّاتٍ لحقوق الإنسان وحرّيّة المعتقد، وإنَّما كانت مجتمعاتٍ قبليّةً وإمبراطوريّاتٍ ومدناً لها آلهتها وطقوسها ومقدّساتها، وكان الدين فيها مرتبطاً في كثيرٍ من الأحيان بالمدينة والملك والقبيلة والسلطة، والناس تقاتلوا واضطهد بعضهم بعضاً بسبب الأرض والسلطة والقبيلة والمقدّسات قبل الإسلام والمسيحيّة بآلاف السنين؛ فمن العجيب أنْ نتصوّر فجأةً أنَّ البشريّة كانت تعيش في وئامٍ دينيٍّ كاملٍ ثم جاءت الأديان الإبراهيميّة لتعلّمها الخصومة!

ثم إنَّ السماح بإضافة إلهٍ جديدٍ إلى مجموعة الآلهة الموجودة لا يسمّى بالضرورة «تسامحاً دينيّاً». فالنظام الوثنيّ بطبيعته يستطيع أنْ يقول: إلهك موجودٌ وإلهي موجود، ولنضعهما معاً في المعبد. لكن الاختبار الحقيقيّ للتسامح يبدأ عندما يأتي شخصٌ ويقول: أنا لا أؤمن بآلهتكم ولا أشارك في عبادتها، فهل يبقى مقبولاً حينئذٍ؟ هنا يظهر الفرق بين تعدّد الآلهة وبين حرّيّة الاعتقاد.

فإذا كان المجتمع يؤمن بعشرات الآلهة، فمن السهل عليه أنْ يضيف الإله الواحد والثلاثين، وهذا لا يثبت أنَّه أكثر تسامحاً، وإنَّما يثبت أنَّ بنيته العقديّة تسمح بذلك، أمَّا التوحيد فيقول إنَّ الحقيقة الدينيّة ليست مجموعة آلهةٍ يمكن أن نضيف إليها ما نشاء، وهذا اختلاف في الاعتقاد، لا جريمة ضدّ التسامح.

والأغرب من ذلك أنَّ صاحب الدعوى جعل معيار التسامح هو أنَّك تستطيع «تقديم قربان لأيّ إله تريد». وكأنَّ الحرّيّة الدينيّة لا تتحقّق إلّا حين يعترف الجميع بأنَّ جميع الآلهة صحيحة! فإذا قال المسلم: إنَّ الله واحدٌ ولا يعبد غيره، أصبح متعصّباً، أمَّا الذي يقول لك: أضف إلهك إلى آلهتنا فهو متسامح. بهذا التعريف يصبح التوحيد نفسه جريمة؛ لأنَّ المشكلة ليست في سلوك المتديّن، بل في مجرّد اعتقاده بأنَّ معتقده حقّ.

وهذا خلطٌ واضحٌ بين أمرين: أن تعتقد أنَّ دينك حقّ، وأن تكره الناس أو تعتدي عليهم، فمن حقّ المسلم والمسيحيّ واليهوديّ وغيرهم أن يعتقد كلّ واحدٍ منهم أنَّ ما يؤمن به حقّ، ولا يلزم من ذلك أن يسلب الآخرين إنسانيّتهم أو حقوقهم، ولو كان مجرّد الاعتقاد بوجود حقيقةٍ دينيّةٍ واحدةٍ تعصّباً، لكان كلّ إنسانٍ يعتقد بصحّة فكرة معيّنة متعصّباً، حتى الملحد الذي يعتقد أنَّ الأديان كلّها باطلة.

أمَّا القول إنَّ الأديان الإبراهيميّة «أفسدت كلّ شيء»، فهو شعارٌ لا تفسير؛ الإسلام مثلاً جاء بنصوصٍ صريحةٍ في التعامل مع المختلف: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، و﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، وأمر بالعدل حتى مع من نختلف معهم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. فكيف يتحوّل دينٌ يقرّر أنَّ الكراهية لا تبرّر الظلم إلى أصلٍ لكلّ تعصّبٍ في التاريخ؟

نعم، وقعت حروبٌ وصراعاتٌ باسم الأديان الإبراهيميّة، ولا حاجة إلى إنكار ذلك، لكن وقوع صراعٍ باسم الدين لا يعني أنَّ الدين هو الذي اخترع الصراع، كما أنَّ وقوع الحروب باسم القوميّة لا يعني أنَّ فكرة الوطن هي التي اخترعت القتل، ووقوع الجرائم باسم السياسة لا يعني أنَّ السياسة هي أصل الشرّ.

الإنسان يستطيع أن يوظّف الدين كما يوظّف القبيلة والعرق والوطن والثروة واللغة في صراعاته؛ ولذلك فالسؤال العلميّ ليس: هل ارتكب المتديّنون الجرائم؟ فهذا وقع بلا شكّ، وإنَّما: هل العنف والتعصّب ظاهرةٌ بدأت بعد ظهور الأديان الإبراهيميّة؟ والجواب واضحٌ: لا، الصراع أقدم بكثيرٍ من ذلك.

بل إنَّ تصوير الوثنيّة باعتبار أنَّها بطبيعتها متسامحةٌ يتجاهل أمراً بسيطاً: الوثنيّات القديمة نفسها لم تكن ديناً واحداً ولا منظومةً أخلاقيّةً موحّدةً، كانت هناك شعوبٌ ومدنٌ وإمبراطوريّاتٌ مختلفةٌ، ولكلٍّ منها معتقداتها وطقوسها، فلا معنى لأنْ نجمع آلاف السنين ومئات الحضارات تحت عنوان «التسامح الوثنيّ»، ثم نقابلها دفعةً واحدةً بـ«التعصّب الإبراهيميّ».

والتسامح الحقيقيّ لا يعني أنْ نعتقد أنَّ جميع العقائد صحيحة، وإنَّما أنْ نختلف من دون أنْ نظلم؛ ولذلك يستطيع المسلم أن يقول: أعتقد أنَّ التوحيد حقٌّ، والوثنيّة باطل، ثم يحفظ للوثنيّ حقّه الإنسانيّ ولا يعتدي عليه، كما يستطيع الملحد أنْ يرى الإسلام باطلاً، ولا يكون متسامحاً إلّا إذا احترم حقّ المسلم في الإيمان به.

وفي المحصّلة، لم تكن البشريّة قبل الأديان الإبراهيميّة تعيش في فردوسٍ من التسامح، ولم تأتِ هذه الأديان لتعلّم الناس الكراهية. الذي كان موجوداً في العالم القديم هو تعدّد واسع للآلهة والعبادات، وهذا شيءٌ مختلفٌ تماماً عن مفهوم التسامح وحرّيّة الدين، أمَّا الصراع والقتل والتعصّب فظواهر بشريّةٌ أقدم من اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، ارتبطت بالقبيلة والسلطة والثروة والأرض والدين وغيرها.

ولذلك فإنَّ القول: «كانت الوثنيّة متسامحةً ثم جاءت الأديان الإبراهيميّة فأفسدت كلّ شيء» ليس تاريخاً، بل قصّةٌ أيديولوجيّةٌ لطيفةٌ تصلح لمنشورٍ ساخر، لكنَّها تسقط بمجرّد أن نفرّق بين تعدّد الآلهة والتسامح، وبين الاعتقاد بالحقيقة والاعتداء على المخالف.