هل وصف الجنة في القرآن ذكوري؟

السؤال: إذا كانت الجنّة وعداً بالنعيم لكلّ البشر، لم أغلب أوصافها تركز على الذي يرضي الرجل من ملذّات؟ وغياب وصفٍ واضحٍ لنعيم المرأة ورغباتها يجعل التصور، بالنسبة لي، أقرب لنظرةٍ ذكوريّةٍ بشريّةٍ أكثر من كونه تصوّراً إلهيّاً.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الاعتراض مبنيٌّ على قراءةٍ انتقائيّةٍ لأوصاف الجنّة؛ إذ يلتقط بعض النصوص المتعلّقة بالحور والأزواج، ثمّ يتجاهل النصوص العامّة والصريحة التي جعلت نعيم الجنّة شاملاً للرجل والمرأة، بل جعلت لكلّ إنسانٍ فيها ما يشتهيه ويرغب فيه.

فالقرآن لم يقل: إنّ الجنّة خُلقت لإرضاء الرجال، وإنّما قال بصورةٍ لا تحتمل اللبس: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: 31]، وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71]، وقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]. فهل يوجد بيانٌ أوسع من أنْ يقول الله تعالى: إنّ لكلّ إنسانٍ في الجنّة ما تشتهيه نفسه وما يشاء؟ وهل يحتاج بعد ذلك إلى قائمةٍ منفصلةٍ بعنوان: «رغبات النساء»، وأخرى بعنوان «رغبات الرجال»؟

بل القرآن نصّ على المرأة والرجل معاً في أصل الوعد، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: 124]، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: 40].

والأوضح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72]. فالمرأة مذكورةٌ هنا صراحةً، ووعدها الله بالجنّة والسكن الطيّب والرضوان، كما وعد الرجل تماماً.

ثم إنّ تصوير نعيم الجنّة وكأنّه يدور أساساً على المتعة الجنسيّة غير صحيح. فالقرآن يصف الأمن: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]، ويصف زوال الحزن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34]، ويصف زوال التعب: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ [فاطر: 35]، ويصف الأنهار والثمار والمساكن واللباس والجمال والاجتماع بالأحبّة، ثم يجعل فوق ذلك كلّه ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72].

أمّا الحور والأزواج فهي جزءٌ من منظومةٍ واسعةٍ من النعيم، وليست تعريف الجنّة كلّها، فضلاً عن أنّ القرآن يتحدّث أيضاً عن الأزواج بصورةٍ عامّةٍ، فقال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: 70]، وقال: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: 56].

أمّا غلبة صيغة المذكّر في بعض الآيات فلا تعني أنّ الخطاب للرجال وحدهم؛ فهذا من طبيعة العربيّة، حيث تدخل النساء في كثيرٍ من الخطابات العامّة بصيغة الجمع المذكّر، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾، ولا يفهم أحدٌ أنّ الصلاة والصيام والتقوى خوطب بها الرجال وحدهم، وعندما يكون هناك احتمالٌ للالتباس يصرّح القرآن بالذكر والأنثى كما فعل في آيات الجزاء والجنّة.

بل يمكن قلب الاعتراض على صاحبه: لو أخذ القرآن في تعداد رغبات النساء واحدةً واحدةً، لقال المعترض: إنّ هذا تصوّرٌ بشريٌّ يحصر المرأة في رغباتٍ محدّدةٍ، أمّا القرآن فقد اختار التعبير الأوسع والأعدل: ﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: 31]. أي إنّ النعيم لا يفرض على المرأة ما يفترضه الرجل عنها، بل يعطيها ما هي تشتهيه وتريده.

كما أنّ الجنّة ليست نسخةً محسّنةً من مشكلات الدنيا؛ فالقرآن يقول: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47]، فلا غيرة، ولا ظلم، ولا حرمان، ولا شعور بالنقص؛ لأنّ الله وصف أهل الجنّة بأنّهم في نعيمٍ كاملٍ لا ظلم فيه ولا حزن.

وفي المحصّلة، القرآن نصّ على المؤمنين والمؤمنات، ووعد الذكر والأنثى بالجنّة بلا ظلم، ثم وضع قاعدةً عامّةً حاسمةً: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾. فمن يقرأ بعد ذلك بعض أوصاف النعيم الخاصّة ويقول: أين رغبات المرأة؟ فكأنّه تجاهل الجواب القرآنيّ نفسه: لها في الجنّة ما تشتهيه هي، لا ما يقرّر الرجل أنّها ينبغي أن تشتهيه.