هل رجل الدين مجرد باحث وليس عالماً؟
السؤال: رجل الدين يسمّى باحثاً وليس عالماً.. صنّف رجل الدين باحثاً يبحث عن روايةٍ حصلت لينقلها إلى الناس أو ينقل تفسير آية، فلا يجرؤ أنْ يفسّر على مزاجه؛ لأنّ القرآن مفسّر من الله والنبيّ نقل لنا التفسير، يستنبطون الحكم الشرعيّ من الروايات والآيات، فلم يضف شيئاً من عنده، والاختلاف بينهم في التفسير هو اجتهادٌ قد يكونون على خطأ، فهم أناسٌ بسطاءٌ يخطئون.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكلام مبنيٌّ على تصوّرٍ ساذجٍ لطبيعة العلم الدينيّ، وكأنّ الفقيه لا يفعل أكثر من فتح كتاب، والعثور على رواية، ثمّ ينقلها للناس. ولو كان الأمر بهذه البساطة لما احتاج الاجتهاد إلى سنواتٍ طويلةٍ من دراسة اللغة، وأصول الفقه، والحديث، والرجال، والفقه، وقواعد التعارض والجمع بين الأدلّة، وتشخيص العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والمحكم والمتشابه، ومعرفة موارد التقيّة واختلاف الظروف والموضوعات.
ثم إنّ قولك: «هو باحثٌ وليس عالماً» تفريقٌ متهافتٌ من أصله؛ لأنّ العالم لا يكون عالماً إلّا إذا كان باحثاً، فليس بين العلم والبحث تقابل حتى نجعل أحدهما نافياً للآخر، العلم هو النتيجة، والبحث هو الطريق الموصل إليها، فهل الطبيب الذي يراجع الدراسات الطبيّة ويبحث في أسباب المرض يصبح «باحثاً لا عالماً»؟ وهل الفيزيائيّ الذي يختبر النظريّات ويحلّل النتائج يفقد صفة العلم؟ هذا مجرّد لعب بالألفاظ؛ فوصف رجل الدين بأنّه باحثٌ لا ينفي عنه العلم، بل يثبت أنّه يمارس الطريق الذي يُنتج المعرفة، ما دام بحثه قائماً على أدوات العلم ومناهجه.
وقوله: الفقيه لا «يضيف من عنده» إلى الدين، صحيحٌ، لكنّه لا يعني أنّ عمله مجرّد نقل، فبين يديه أحياناً عشرات الروايات: بعضها عامّ وبعضها خاصّ، بعضها مطلقٌ وبعضها مقيّدٌ، بعضها صحيح السند وبعضها ضعيف، وقد يبدو بينها التعارض، وقد يكون موضوع الرواية مختلفاً عن الواقعة الجديدة، ووظيفته أنْ يدرس هذه الأدلّة ويجمع بينها ويحدّد ما هو الحجّة منها، ثمّ يستنبط الحكم، وهذه عمليّةٌ علميّةٌ عقليّةٌ معقّدةٌ، لا عمليّة نسخٍ ولصق.
ولو كان استخراج الحكم مجرّد العثور على رواية، لاستطاع كلّ مَن يملك برنامجاً للبحث في الحديث أنْ يصبح مرجعاً في أسبوع!
بل إنّ أكثر المسائل المعاصرة لم ترد بأسمائها في الروايات أصلاً، والفقيه لا يبحث عن رواية تقول: «حكم هذه المسألة الحديثة كذا»، وإنّما يفهم حقيقتها، ثمّ يرجع إلى الأدلّة والقواعد العامّة ويحدّد الحكم المنطبق عليها، وهذا هو معنى الاستنباط.
وأمّا تفسير القرآن فليس «تفسيراً على المزاج»، ولا يقول أحدٌ من العلماء بذلك، لكنّه أيضاً ليس مجرّد نقل تفسيرٍ جاهزٍ لكلّ آيةٍ عن النبيّ أو الإمام؛ لأنّنا لا نملك روايةً تفسيريّةً تفصيليّةً صحيحةً في كلّ آيةٍ، وكلّ مفردةٍ، وكلّ جهٍة من جهات الدلالة؛ ولذلك يحتاج المفسّر إلى اللغة والسياق والقرائن والآيات الأخرى والروايات المعتبرة، وإلى التمييز بين الظاهر والتأويل وغير ذلك.
والقرآن نفسه لم يجعل أهل المعرفة مجرّد ناقلين، بل قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: 122]، فسمّى العمليّة «تفقّهاً»، أي فهماً عميقاً للدين، لا مجرّد العثور على النصوص، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، فميّز بين مَن يعلم ومَن لا يعلم.
أمّا قوله إنّ اختلاف العلماء دليلٌ على أنّهم «أناسٌ بسطاءٌ يخطئون»، فهو أغرب من أصل الدعوى. فالاختلاف لا يلغي العلم؛ الأطبّاء يختلفون، والقضاة يختلفون، وعلماء اللغة والتاريخ والقانون يختلفون، بل حتى العلماء في العلوم التجريبيّة قد يختلفون في تفسير البيانات والنتائج. فهل يصبح الجميع «ناساً بسطاء» لأنّهم اختلفوا؟
نعم، الفقيه غير المعصوم قد يخطئ، ولا يقول الإماميّة بعصمة الفقهاء، ولكن قابليّة العالم للخطأ شيء، وكونه جاهلاً أو بسيطاً شيءٌ آخر تماماً. العالم هو مَن يمتلك أدوات العلم ومنهج البحث والقدرة المتخصّصة على النظر والاستنباط، وليس مَن يستحيل عليه الخطأ، ولو جعلنا العصمة شرطاً في إطلاق وصف «العالم»، لَمَا بقي في الدنيا عالم في الطب أو الفيزياء أو التاريخ أو أيّ مجالٍ آخر.
كما ينبغي التفريق بين مَن يرتدي لباس الدين وبين العالم الدينيّ؛ فقد يوجد خطيبٌ، أو واعظٌ، أو ناقلٌ لا يمتلك رتبة الاجتهاد، وهذا لا يجعله فقيهاً أو عالماً بالمعنى التخصّصي، أمّا المجتهد الذي أمضى عمره في تحصيل علوم الشريعة واكتسب القدرة على الاستنباط فلا يصحّ اختزاله في صورة «شخص يبحث عن روايةٍ ثمّ ينقلها».
وفي المحصّلة، المشكلة ليست في أن نسمّي رجل الدين «باحثاً»؛ فالبحث وصفٌ محمودٌ، والعالم باحثٌ بطبيعته، الخطأ هو أن يقال: باحثٌ ولذلك ليس عالماً، أو أنْ يختزل الاجتهاد في نقل الروايات. فالفقيه لا يصنع الدين من عنده، لكنّه أيضاً ليس آلة تصويرٍ للكتب؛ وإنّما علمه يقوم على فهم النصوص، ونقد الروايات، والجمع بين الأدلّة، وتشخيص الموضوعات، واستنباط الحكم وفق منهجٍ علميٍّ محدّد. وكونه غير معصوم وقابلاً للخطأ لا يسلب عنه وصف العلم، وإلّا لوجب أن نحذف كلمة «عالم» من جميع علوم البشر.
اترك تعليق