نهي المعصوم عن فعل معصوم آخر

السؤال: في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} كيف يمكن لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو معصوم أن يُنهى عن فعل معصوم آخر، وهو يونس (عليه السلام)؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يستدعي السؤال المذكور عقد الكلام في مقدّمتين ونتيجة:

المقدّمة الأولى: أنواع النهي في الشريعة المقدّسة

لقد ذكر الأعلام أنّ النواهي الصادرة عن الله سبحانه - وعن كلّ مولى حاكم - نوعان:

النوع الأوّل: هو النهي المولويّ، وهو إمّـا تحريميّ أو تنزيهيّ:

فالتحريميّ: هو الذي يكون مفاده الحرمة والمنع الإلزاميّ عن ارتكاب متعلَّق النهيّ، كالنهي عن أكل الربا كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران :130]، ويمتاز هذا النوع من النهي بأنَّ الناهي ينطلق فيه من موقع المولويَّة والسلطنة جاعلاً لنفسه حقّ مَن يجب أن يُطاع في ما يأمر به وينهى عنه، بحيث يترتّب على مخالفته العقوبة.

والتنزيهيّ: هو الذي يكون تعبيراً عن وجود منقصة وحزازة في متعلَّق النهي، فيكون متعلَّقُه مكروهاً عند الناهي. والتعبير عنه بالتنزيهيّ إشارة إلى دلالته على تعلُّق إرادة الشارع المقدّس بتنزُّه وترفّع المكلَّف عن ارتكاب المنهيّ عنه، ومثله سائر المناهي عن المكروهات التي في الشريعة؛ كالنهي عن السلام على المصلّي أثناء صلاته، وكراهة الوضوء بالماء المسخَّن بالشمس ونحو ذلك؛ ولذا يمتاز هذا النحو من النهي بعدم ترتّب عقوبة على ترك طاعته، وإنّما هو موجب لقلّة الثواب فيما لو كان في العبادات كما هو واضح من الأمثلة.

والنوع الثاني: هو النهي الإرشاديّ: وهو النهي المحفوف بقرينةٍ دالّة على كون الناهي ناصحاً ومشفقاً، ويكون هذا النهي منه منبّهاً ومرشداً إلى الحكم العقلي، أو الحكم الشرعيّ الوضعيّ. وبعبارة أخرى فإنّ الناهي هنا لا يتّخذ لنفسه موقف المولى الواجب طاعته، كما لا مبغوضيّة في نفسه للفعل المنهي عنه، وإنّما يقف موقف المرشد الناصح الحريص على سعادة المخاطب، ويُشفق عليه من الوقوع في الشقاء والضرر المترتّب على فعله للمنهي عنه؛ ولذا ففي النهي الإرشادي يُترك اختيار إتيان المنهيّ عنه وعدمه لشخص المخاطب بالنهي والافضل له هو اجتناب ما نُهيَ عنه بالتأكيد. ومثاله نهي الطبيب للمريض عن طعام معيّن، فإنّ الطبيب لا يبغض ذلك الصنف من الطعام، كما أنّه لا يعاقب المريض فيما لو أكل منه، وإنّما فقط يُنبّهه على أنّ مخالفته توجب لحوق الضرر به، أي توجب حصول أثر وضعيّ لا أكثر.

المقدّمة الثانية: في ماهيّة المخالفة التي ارتكبها صاحب الحوت

ذكر علماء التفسير في بيان المخالفة التي ارتكبها يونس (عليه السلام) آراء ثلاثة

الرأي الأوّل: أنّ يونس (عليه السلام) لمّا يئس من قومه تسرّع في تركهم؛ إذ كان الأجدر والأليق به أن يصبر عليهم أكثر فأكثر ولا ييأس منهم، فالمخالفة إذن: هي ترك الصبر في حال رجحانه وأفضليّته لا في حال وجوبه أو استحبابه [ينظر: مجمع البيان ج7 ص273].

الرأي الثاني: أنّه (عليه السلام) تعجّل بالدعاء عليهم، وطلب نزول العذاب الإلهيّ فيهم، فتركهم وخرج وهو لا يرى إلّا أنّهم سيهلكون بكفرهم، فكان الأجدر به أن يرحمهم ويرأف بهم ولا يستعجل بعذابهم. [ينظر: تقريب القرآن إلى الأذهان ج5 ص491]. ولذا جاء في الأثر: «... فأوحى الله إليه: يا يونس لِمَ لَمْ ترحم مائة ألفٍ أو يزيدون وأنت تجزع من ألم ساعة فقال يا رب عفوك عفوك، فردّ الله عليه بدنه ورجع إلى قومه وآمنوا بهآ [تفسير القميّ ج1 ص319].

الرأي الثالث: أنّ مخالفته (عليه السلام) كانت عبارة عن خروجه من بين قومه قبل أن يأذن الله له بالخروج، فكان ينبغي له انتظار الأمر الإلهيّ قبل ذلك، حتّى وإن كان قد يئس من هدايتهم، وعرف استحقاقهم للعذاب والنقمة [ينظر: تفسير التبيان ج8 ص108].

وفي هذا الصدد يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ: (صحيح أنّ التعابير المختلفة للآيات المذكورة تبيّن أنّ ذنباً ما قد صدر من يونس (عليه السلام)..، لكنّ القرائن تشير إلى‏ أنّ هذا العمل المخالِف لم يكن سوى ترك الأولى؛ لأنّ اللَّه تعالى وفي نفس هذه الآيات قد تحدّث عن يونس كنبيٍّ مرسلٍ موضعِ العناية الإلهيّة الخاصّة.. أمّا ما هو ترك الأولى هذا؟ فهناك احتمالات متنوّعة، يمكن لكلّ واحد منها منفرداً فضلاً عن مجموعها، أن يكون دليلاً على ترك الأولى فقط، من جملتها: أنّه تسرّع في ترك قومه إذ كان الأجدر به أن يصبر أكثر، أو أنّه تعجّل بالدعاء عليهم، أو أنّه كان ينبغي عليه انتظار الأمر الإلهي حين خروجه من بين قومه حتّى ولو كان قد يئس من هدايتهم..) [نفحات القرآن ج7 ص115].

ويعلّق الشيخ مغنية على ذمّ الله ليونس فيها بقوله: (وتجدر الإشارة إلى أنّ الذم هنا على ترك الأفضل لا على الذنب؛ لمكان العصمة) [التفسير الكاشف ج7 ص398]، وإذن: فالنهي نهيٌ عن ترك الأَولى.

فالنتيجة: أنّ النهي المذكور في الآية محل البحث هو نهي إرشاديّ موجّه للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن إتيان ما ارتكبه يونس (عليه السلام) من ترك الأولى باستعجاله في الدعاء على قومه وخروجه عنهم وعدم صبره عليهم وليس النهي في الآية محل البحث نهياً عن أمر محرّم أو مكروه حتّى يستتبع ذنباً أو كراهة من الله تعالى. قال شيخ الطائفة الطوسيّ في معنى الآية: (يعني: ولا تكن في استعجال عقابهم مثل يونس حين طلب من الله تقديم عقاب قومه وإهلاكهم، ولا تخرج من بين ظهراني قومك قبل أن يأذن الله لك في ذلك كما فعل يونس) [التبيان ج10 ص90]، ومن طالع سيرته (صلّى الله عليه وآله) علم بوضوح عظيم صبره إزاء ما لقيه من شدّة الأذى في جنب الله تعالى حتّى قال: « ما أُوذي نبيٌّ مثل ما أُوذيت » [الوافي ج2 ص235].

والحمد لله ربّ العالمين.