مَن هم ﴿آل يَاسِينَ﴾ المذكورون في القرآن الكريم؟
السؤال: ماذا ذكرت تفاسير الفريقين عن المقصود بقول الله سبحانه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ هل هم آل محمد أم غيرهم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من المستحسن قبل الإجابة عن السؤال المذكور إيراد جملة الآيات التي وقعت بينها الآية محلُّ البحث، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافّات: 123-132].
فكما نلاحظ فإنّ الآية محاطةٌ قبلاً وبعداً بآياتٍ تتحدّث عن بني الله (إلياس)، ومع ذلك فإنّ المراد بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ليس إلّا آل محمّد (ص) وهذا ما سيتّضح من خلال بيان الأمور التالية:
الأمر الأوّل: وقوع الآية في سياقٍ أجنبيٍّ عنها:
قبلاً لابدّ وأن يُعلَم اتّفاق علماء الفريقين – السنّة والشيعة – على اشتمال القرآن في أكثر من موضعٍ على وقوع آيةٍ منه ضمن سياق آياتٍ أجنبيّة عنها، فتجد أنّ وحدة ذلك السياق قد انثلمت بها وانفصلت آياته السابقة عن اللاحقة لسببٍ وآخر، بل إنّ الآية الواحدة يمكن أن يكون وسطها في موضوعٍ مغايرٍ للموضوع الذي في صدرها وذيلها. وفي معرض حديثه مع جابر الجعفيّ قال الإمام الباقر (ع): «يا جابر ليس شيءٌ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية يكون أوّلها في شيءٍ، وآخرها في شيءٍ، وهو كلامٌ متّصلٌ متصرّفٌ على وجوه» [المحاسن ج2 ص200]، وفي هذا الصدد حكى شيخنا المفيد إجماع علماء المسلمين على ذلك فقال: (لا خلاف بين الأمّة في أنّ الآية من القرآن قد يأتي أوّلها في شيء، وآخرها في غيره، ووسطها في معنى، وأوّلها في سواه). [الفصول المختارة للمفيد ص53].
ومن جملة الشواهد على ذلك: قوله تعالى حكايةً عن عزيز مصر: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 28–29]، حيث نلاحظ أنّه جعل قوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ فاصلاً معترضاً بين الجملة الأولى وهي: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، والجملة الثانية وهي: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ مع أنّ الجملتين واقعتان في سياقٍ واحدٍ، وخطابٍ واحدٍ منه لزوجته زليخة.
وهنالك العديد من الأمثلة الأخرى منها: وقوع آية التطهير وآية التبليغ في سياقين أجنبيّين عنهما، وكذا الاعتراض الحاصل في الآية الثالثة من سورة المائدة، ونحوها الكثير، وللمزيد ينظر جواب سابق بعنوان: (آية التبليغ ووقوعها في سياقٍ غريبٍ عن مضمونها).
ويرجع السرّ في هذه المسالة إلى كون الآيات والسور القرآنية لم تُجمع كلُّها مرتّبةً بحسب نزولها الزمانيّ، بل نشاهد كثيراً من السور التي نزلت في المدينة فيها آيات مكّيّة أي نزلت في مكّة، كما نلاحظ آيات مَدنيّة بين السور المكّيّة أيضاً. وبناءً على هذه الحقيقة، فلا عجب - إذنْ - من وجود هذا الفاصل الأجنبيّ بين آيات القرآن. [ينظر: تفسير الأمثل ج3 ص601].
وبعبارة أخرى: فإنّ القرآن ليس كتاباً أكاديميّاً يُلتزِم في مواضيعه أسلوبُ التبويب والتقسيم إلى فصولٍ وفقراتٍ معيّنة، بل إنّ آياته نزلت بحسب الحاجات والحوادث والوقائع المختلفة الطارئة، ممّا جعل ترتيبها أيضاً كذلك. [ينظر: المصدر السابق ج4 ص96].
الأمر الثاني: ما جاء في الآية عن أهل البيت (ع) والصحابة:
لقد استفاضت الأخبار عن أئمّة أهل البيت (ع) من طرقنا، وكذا عن الصحابة من طرق العامّة أنّهم كانوا يقرأون الآية الكريمة بلفظ ﴿آلِ يَاسِينَ﴾ بمدّ الهمزة وإضافة (آل) إلى (ياسين) ويفسّرون ذلك بأنّ المراد منهم حصراً هم آل محمّد (ص)، ولا ريب في أنّ أهل البيت أدرى بالذي فيه، وإليك بعضاً من تلكم الأخبار:
1- ما رواه الطبرسيّ من احتجاج أمير المؤمنين (ع) على الزنديق، بقوله: «وكذلك قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى آلْ يَاسِينَ﴾؛ لأنّ الله سمّى به النبيّ (ص)، حيث قال: ﴿يس * وَالقُرآنِ الحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلِينَ﴾، لعلمه بأنّهم يسقطون قول الله: سلام على آل محمّد، كما أسقطوا غيره» [الاحتجاج ج1 ص377].
2- ما رواه فرات بالإسناد إلى سليمان بن قيس العامريّ قال: «سمعت علياً (ع) يقول: رسول الله (ص) ياسين، ونحن آله» [تفسير فرات الكوفيّ ص356].
3- ما رواه الصدوق بسنده عن كادح، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ (ع)، في قوله عزّ وجلّ: ﴿سَلامٌ عَلَى آلْ يَاسِينَ﴾ قال: «ياسين محمّد (ص)، ونحن آل ياسين» [الأمالي ص588].
4- ما رواه الصدوق أيضاً بإسناده إلى الريان بن الصلت في حديث مجلس الرضا (ع) مع المأمون وعلماء السنّة قال: «... قال المأمون: فهل عندك في (الآل) شيءٌ أوضح من هذا في القرآن؟ فقال (ع) نعم، أخبروني عن قول الله: ﴿يس﴾ قال العلماء: ﴿يس﴾ محمّد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لم يَشُكَّ فيه أحد!. قال أبو الحسن (ع): الله أعطى محمّداً وآل محمّد من ذلك فضلاً لا يبلغ أحدٌ كُنهَ وصفه إلّا من عَقِل، وذلك: أنّ الله لم يسلّم على أحدٍ إلّا على الأنبياء (ع)، فقال تبارك وتعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ولم يقل: سلامٌ على آل نوحٍ، ولا على آل موسى، ولا على آل إبراهيم، وقال: ﴿سَلامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾ يعني: آل محمد (ع)» [معاني الأخبار ج1 ص207].
5- ما رواه الطبرانيّ وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾ قال:«نحن آل محمد (ص)» [المعجم الكبير ج11 ص56، تفسير ابن أبي حاتم ج10 ص3225].
6- ما رواه الحاكم الحسكانيّ من عدّة طرق إلى ابن عبّاس في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، قال: «على آل محمّد» [شواهد التنزيل ج2 ص165].
8- ما رواه الصدوق بإسناده عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ قال: «السلام من ربّ العالمين على محمد وآله (ص)، والسلامة لمن تولّاهم في القيامة» [معاني الأخبار ج1 ص122].
9- وما رواه أيضاً بإسناده عن أبي عبد الرحمن السلميّ: «أنّ عمر بن الخطاب كان يقرأ: ﴿سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾، قال أبو عبد الرحمن السلميّ: آل ياسين آل محمد (ع)» [مصدر سابق ص123] .
10- وقال الإمام القرطبيّ: (رُوي عن ابن عباس وابن مسعود (رض)، وغيرهما أنّهم قالوا في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾ [الصافات: 130]: أي: على آل محمد، وقال سعيد بن جبير (رض): هو اسم من أسماء محمد (ص)، ودليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾) [تفسير القرطبيّ ج15 ص4].
الأمر الثالث: فيما جاء عن قرّاء المسلمين:
مع أنّ روايات أهل البيت وقراءتهم (ع) حجّةٌ تكفينا في المقام، ولا يجوز العدول عنها من دون مستندٍ شرعيّ وإلّا كان اجتهاداً في مقابل النصّ، غير أنّه لا بأس بالإشارة إلى كون القراءة المذكورة لم تكن مختصّةً بهم (ع)، بل عليها الكثير من علماء القراءة المسلمين أيضاً.
قال الطبريّ: (وقرأ ذلك عامّةُ قرّاء المدينة: بقطع آل من ياسين، فكان بعضُهم يتأوَّل ذلك بمعنى: سلام على آل مُحمَّدٍ) [تفسير الطبريّ ج21 ص103]. وفي تفسير القرطبيّ قال: (إنَّها قراءة أبي الرجاء الأعرج وشيبة ونافع) [تفسير القرطبيّ ج15 ص118]. وقال الحاكم الحسكانيّ: (﴿سَلامٌ عَلَى آلْ يَاسِينَ﴾ قراءة نافع وابن عامر وورش وشيبة) [شواهد التنزيل ج2 ص165]. وقال الآلوسيّ: (وقرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب، وزيد بن عليٍّ ﴿آلِ يَاسِينَ﴾ بالإضافة، وكُتب في المصحف العثمانيّ منفصلاً ففيه نوع تأييدٍ لهذه القراءة...) [تفسير روح المعاني ج23 ص142].
وفي ذات السياق ذكر أبو علي الفارسيّ (ت377هـ) أنّ حجّة القرّاء الذين قرأوا: ﴿سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾ هي أنّ ﴿آل﴾ في المصحف مفصولة من ﴿يَاسِينَ﴾، ممّا يعني أنّهما مضافٌ ومضافٌ إليه، ولو كانت هذه هي (أل) التي للتعريف للزم فيها أمران: أحدهما: وجوب أن تكون موصولة بمدخولها ولم تنفصل عنه في الخطّ. وثانيهما: أنّ (أل) التي للتعريف لابدّ أن تكون همزتها للوصل لا للقطع. وعليه فلمّا انتفى الأمران معاً كان في ذلك دلالة كافية على أنّها ﴿آل﴾ التي تصغيرها أُهَيل. [ينظر كتابه: الحجّة للقرّاء السبعة ج6 ص60].
الأمر الرابع: ما ذكره بعض علماء السنّة ومفسّريهم:
لقد ذهب غير واحدٍ من كبار علماء القوم إلى أنَّ المقصود باسم ﴿آل يَاسِينَ﴾ هم آل النبيّ محمد (ص)، وقد تقدّم هذا المعنى عن ابن عبّاس وابن مسعود وسعيد بن جبير، ولا يخفى أنّ الثلاثة يُعدّون عند علماء السنّة من أبرز أئمّة التفسير والقراءة من بين جميع الصحابة والتابعين، وإلى ذلك ذهب آخرون، فمنهم مثلاً:
1- ما في تفسير مقاتل بن سليمان البلخيّ (ت150هـ) قال: (قال الفرّاء عن حيّان الكلبيّ: ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ يعني به النبيَّ (ص)، فإذا قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: 130]، فالمعنى: سلامٌ على آل محمد (ص)) [تفسير مقاتل ج3 ص618].
2- وأخرج ابن أبي حاتم الرازيّ (ت327هـ) عن الحسن البصريّ في قوله الله: ﴿يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم﴾ قال: (يقسم الله بما يشاء) ثمّ نزع بهذه الآية ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ كأنّه يرى أنّه سلّم على رسوله) [تفسير ابن أبي حاتم ج10 ص3188] ومعنى قوله : (نزع بهذه الآية) يعني استدلّ بها ودعا إلى الاحتجاج بها في ذلك.
3- وروى الصدوق بإسناده عن السدّيّ عن أبي مالك في قوله عزّ وجلّ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلِ يَاسِينَ﴾ قال: «ياسين اسم محمد (ص)») [الأمالي ص558].
أقول: أبو مالكٍ هذا هو غزوان الغفاريّ الكوفيّ (ت 91–100هـ) تابعيّ، من أكابر علماء التفسير عند السنّة، وأبرز رواة الحديث، روى عنه أبو داود والترمذيّ والنسائيّ، ووثّقه ابن معين وابن حبّان. [ينظر عن ترجمته: تهذيب الكمال ج23 ص101، موسوعة التفسير بالمأثور ج1 ص369].
4- وقال الإمام أبو القاسم السهيليّ (ت581هـ): (قوله: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾؛ قال بعض المتكلمين في معاني القرآن: آل ياسين: آل محمد (ص)، ونزع إلى قول مَن مَالَ في تفسير ﴿يَاسِينَ﴾ يا محمد) [التعريف والإعلام ص111].
5- وقال الزرنديّ الحنفيّ (ت750هـ): (قال الأمام فخر الدين محمد بن عمر الرازيّ: جعل الله تعالى أهل بيت النبيّ (ص) مساوين له في خمسة أشياء: أحدهما: المحبّة ، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقال لأهل بيته: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، والثانية: تحريم الصدقة، قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): «لا تحلُّ الصدقة لمحمد ولا لآل محمد إنّما هي أوساخ الناس». والثالثة: الطهارة، قال الله: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ أي: يا طاهر، وقال: لأهل بيته ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، والرابعة: في السلام قال: السلام عليكم أيها النبيّ ، وقال: لأهل بيته . ﴿سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾، والخامسة: في الصلاة على النبيّ (ص) وعلى الآل في التشهّد) ونقله عن الرازيّ أيضاً المنّاويّ وابن آدم الأثيوبيّ [ينظر: نظم درر السمطين ص239، تفسير فيض القدير ج2 ص174، شرح صحيح مسلم للأثيوبيّ ج38 ص590].
6- وقال الشوكانيّ (ت1250هـ): (ومنه قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: على آل محمد) [تفسير فتح القدير ج4 ص395]. إلى غير ذلك من تصريحات لهم.
الأمر الخامس: مشكلة التعصّب الأعمى:
لا يخفى عليك ما تركه التعصّب الأعمى من تمزيقٍ في جسد الأمّة، وهذا واحدٌ من موارده، فأنت بعد كلّ ما ذكرتُه لك تجد من علماء العامّة ومفسّريهم مَن لا يروق له ذلك كلّه ولا يطيب له ذكر فضيلةٍ لآل محمّد (ص)؛ لذا يسعى جاهداً لإبعاد الآية عنهم، ويُصرُّ على أنّ المراد بها غيرهم!. وعمدة ما يحتجّ به هؤلاء هو ما يُسمّى بحجّية السياق القرآنيّ، حيث زعموا أنّ قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ واقعٌ في سياق آياتٍ قبله وبعده، وهي جميعاً تتحدّث عن نبيّ الله (إلياس) فلابدّ من كون المقصود بقوله تعالى: هو النبيّ وقومه!.
ويرد عليه: أنّ التمسّك في المقام بحجيّة السياق القرآني غير سديدٍ على الإطلاق؛ فإنّ حجيّة السياق في القرآن وغيره إنّما يصار إليها بعد الفراغ من عدم وجود قرينةٍ صارفةٍ عن التمسّك بها كما ثبت ذلك في محلّه من علم الأصول، وقد عرفت ممّا تقدّم وجود عدّة قرائن تصرف الآية عمّا ذكروه، ونحن نلخّصها لك بما يلي:
1- ما أجمع عليه المسلمون كافّة من إمكان الفصل بأجنبيٍّ بين آيات الكتاب العزيز، وذلك كافٍ في زعزعة الحجّية المزعومة.
2- النصوص والاحتجاجات الواردة عن أهل البيت (ع) وعن الصحابة والتابعين أيضاً، فإنّها صريحة في المراد بالآية هم آل محمّد (ص).
3- ما احتجّ به القرّاء الذين قرأوا: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلِ يَاسِينَ﴾ بالفصل على معنى الإضافة، وهو احتجاجٌ متينٌ جدّاً.
4- أنّ سورة الصافّات مسبوقةٌ في الترتيب القرآنيّ بسورة ﴿يس﴾، وقد اشتهر لدى المسلمين جميعاً أنّ ﴿يس﴾ اسم من أسماء النبيّ الأكرم (ص)، وبذلك جاءت الروايات عند مفسّري الفريقين، فقد روى شيخ الطائفة الطوسيّ (قدّه) والسمعانيّ (ت489هـ) والنسفيّ (ت537هـ) جميعاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «سمى الله تعالى النبيّ (ص) في القرآن بسبعة أسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمزّمل، والمدّثّر، وعبد الله» [تفسير التبيان ج8 ص441، تفسير السمعانيّ ج4 ص367، تفسير النسفيّ ج4 ص3]، وقد تقدّم في رواية الرضا (ع) في مجلس المأمون اعتراف علماء العامّة بذلك وأنّه لا يشكُّ أحدٌ فيه فلاحظ، مضافاً إلى الكثير من روايات الصحابة.
هذا غيضٌ من فيض، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
اترك تعليق