فرية صرع النبيّ
السؤال: ذكر العلّامة المجلسيّ أنّه يُنقل عن ابن عبّاس: «كان النبيّ إذا نزل عليه الوحي يُعالج من ذلك شدّةً وألمًا شديدًا وثقلًا، ويتصدّع رأسه، وتفصّد عرقًا، وإصابة الكرب، واربدّ وجهه.» [بحار الأنوار، ج18، ص261]، وهذا يدلّ أنّ محمّدًا ما هو إلّا شخص مُصاب بصرع الفَصّ الصدغيّ، حيث تتوافق معظم أعراض المرض مع الأعراض التي تُصيب محمّدًا، من رعدةٍ وتعرّقٍ واحمرار العينين وهلاوس خياليّة (الوحي).
الجواب:
لقد وُجِّهت إلى شخصيّة النبيّ محمّدٍ (ص) عبر التاريخ اتّهاماتٌ متعدّدةٌ، كان القصد منها النيل من نبوّته والتشكيك في صدق رسالته، ومن هذه الاتهامات ما تبنّاه بعض المستشرقين، وعلى رأسهم تيودور نولدكه [ت1930م]، الذين سعوا إلى تفسير ظاهرة الوحي المحمّديّ تفسيرًا ماديًّا خالصًا، من خلال الادّعاء بأنّ النبيّ كان مُصابًا بنوعٍ من الصرع أو الاضطراب النفسيّ.
ولا يخفى أنّ هذه الفرضيّة لا تستند إلى تحليلٍ علميٍّ موضوعيّ، بل تنبع من خلفيّةٍ أيديولوجيّةٍ رافضةٍ للغيب، تستبعد سلفًا إمكان وقوع الاتصال بعالَمٍ مفارقٍ؛ ولهذا عمدت إلى إقصاء كلّ تفسيرٍ دينيٍّ للوحي، واستبداله بتأويلٍ مرضيٍّ أو نفسيّ، وليس الغرض منه إلّا التشكيك بأصل النبوّة والرسالة والقرآن، بعد أن عجزوا عن تقديم ردٍّ علميٍّ رصينٍ على معجزة الوحي ومضمون القرآن.
وقد استند هؤلاء إلى بعض الروايات التي أكثرها مرويٌّ من طُرق عاميّة، - كهذا الحديث المشار إليه في السؤال الذي مصدره [طبقات ابن سعد ج1 ص155]-، والتي تصف تغيّر حال النبيّ عند نزول الوحي، ففسّروها تفسيرًا قشريًّا على أنّها مظاهر لمرضٍ نفسيٍّ أو نوبات صرع. غير أنّ هذه الشبهة ليست جديدةً في أصلها، بل هي تكرارٌ لما كان مشركو قريش يُردّدونه من اتّهاماتٍ باطلةٍ، حين وصفوا النبيّ تارةً بالسحر، وتارةً بالشاعر، وتارةً بالجنون.
ويمكن الرّدّ على هذا الإشكال الضعيف من عدّة وجوهٍ تُظهر تهافت هذا الادّعاء من حيث العقل، والتاريخ، والطبّ، والدين.
أوّلًا: تفاوت حالات النبيّ (ص) عند تلقّي الوحي:
إنّ النبيّ (ص) كان يتلقّى الوحي بوسائل مختلفةٍ، فتارةً يكون عبر وسيطٍ كجبرئيل (ع)، وأخرى يكون مباشرةً من دون وسيط. والغشية التي كانت تعتري النبيّ (ص) هي في خصوص الوحي المباشر وليس في مُطلق الحالات، ويدلّ على ذلك رواياتٌ مستفيضة، نذكر منها روايتين:
1- روى البرقيّ بسندٍ صحيحٍ عن هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): "وكان رسول الله (ص) إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل يُصيبه تلك السبتة ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عزّ وجلّ" [المحاسن ج2 ص338].
2- وروى الصدوق بسنده عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، قال: «قلت لأبي عبد الله (ع): جُعلت فِداك، الغشية التي كانت تُصيب رسول الله (ص) إذا أُنزل عليه الوحي؟ فقال: ذاك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلّى الله له، قال: ثمّ قال: تلك النبوّة يا زرارة، وأقبل متخشّع» [التوحيد ص115].
ولذا قال الشيخ الصدوق: (وأمّا الغشية التي كانت تأخذ النبيّ (ص) حتّى يثقل ويعرق فإنّ ذلك كان يكون منه عند مخاطبة الله عزّ وجلّ إيّاه، فأمّا جبرئيل فإنّه كان لا يدخل على النبيّ (ص) حتّى يستأذنه إكرامًا له، وكان يقعد بين يديه قعدة العبد) [الاعتقادات ص100].
ثانيًا: تباين حالات الصرع مع الغشية التي كانت تُصيب النبيّ (ص):
إنّ التشبيه بين ما كان يعتري النبيّ محمّدًا (ص) عند نزول الوحي، وبين نوبات مرض الصرع، هو تشبيه باطل من الناحية الطبيّة والعقليّة معًا، إذْ وجّه الحارث بن هشام إلى النبيّ الأكرم (ص) سؤالًا نصّه ما يلي: كيف كان يأتيك الوحي؟ فقال له النبيّ (ص): «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ، فيفصم عنّي، فقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثّل لي الملك رجلًا فيُكلّمني فأعي ما يقول» [مناقب آل أبي طالب ج1 ص41]، وهي حالة يُفهم منها حدوث انفعال روحيّ عميق يترافق مع شعور ثقيل وهيبة، وليس فقدانًا للوعي أو اضطرابًا عصبيًّا.
أمّا الصرع من الناحية الطبيّة فهو اضطراب مزمن في الجهاز العصبيّ، تُسبّبه شحنات كهربائيّة غير طبيعيّة في الدماغ، ويؤدّي غالبًا إلى فقدان الوعي الكامل أو الجزئيّ، وتشنّجات عضليّة لا إراديّة، وتشويش ذهنيّ قبل النوبة أو بعدها، كما أنّ المريض لا يملك خلالها قدرة على التكلّم المُترابط أو التفاعل الواعي مع محيطه، بل يخرج من النوبة في حالة من الذهول والاضطراب.
في حين أنّ النبيّ (ص) لم يفقد وعيه في أيٍّ من حالات الوحي، بل كان يستقبل الوحي بوعيٍ تام، ويسمع الصوت ويُدرك معناه، ثم يُلقي النصّ الذي نزل عليه بأعلى درجات الاتّزان والبلاغة، دون أيّ أثرٍ للتشوّش أو الغياب الذهنيّ. ولم تُنقل عنه أبدًا أعراض التشنّج أو الرغوة أو الصرع الجسديّ كما في النوبات المرضيّة، بل غايته ما نُقل من تعرّقٍ شديدٍ أو شعورٍ بالثقل، وهي أعراضٌ غير مرضيّة، وتتناسب مع حالة الانفعال الروحيّ والرهبة التي تُرافق الاتصال بالعالم الغيبيّ.
فلو كان ما يُصيب النبيّ صرعًا كما يُدّعى، لما كان بوسعه أن يُنتج نصًّا فصيحًا مُعجزًا، وأن يُبلّغه لحظة انتهائه من تلك الحالة، فضلًا عن قدرته على قيادة أُمّةٍ وتأسيس حضارة، ومن كلّ هذا يُظهر بوضوح أن ّتلك الحالات لا تمتّ للصرع بصلة، وأنّ التشبيه بينها وبين المرض العصبيّ هو قياسٌ خاطئ، بل ومُضلّلٌ من جهة التحليل العلميّ والواقعيّ.
ثالثًا: التماسك العقليّ والبلاغيّ والعلميّ في القرآن:
فالقرآن الكريم الذي جاء به النبيّ (ص) هو أوضح شاهدٍ على سلامة مداركه، وسموّ عقله، وصدق تجربته، فقد نزل في ظروفٍ متعدّدة وعلى مدى 23 سنة، ولم يُلاحظ فيه أيّ اضطرابٍ أو تناقضٍ أو تكرارٍ غير مُبرّر، بل يتميّز بانسجامٍ داخليٍّ وإحكامٍ بيانيٍّ خارقٍ لا يُقارن بكلام بشر، وقد أقرّ حتّى خصومه من فصحاء قريش بأنّ له سحرًا خاصًّا في التأثير، كما تحدّى العرب أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ واحدة، فعجزوا رغم بلاغتهم، فهل يُعقل أنْ يصدر كلّ هذا من شخصٍ مضطربٍ أو مُصابٍ بنوباتٍ عصبيّة؟ خصوصًا أنّ في آيات القرآن إشاراتٍ علميّةً متقدّمةً، كحديثه عن أطوار الجنين، وتوسّع الكون، وتكوّن السحاب، وكلّها لم تكن معروفةً في عصر النبيّ (ص)، بل لم تُكتشف إلّا في القرون المتأخّرة. فكيف عَلِم بها؟ وهل يملك المصروع أو المُختلّ ذهنيًّا مثل هذا الإدراك العلميّ الدقيق؟
كذلك تبرز بعض الآيات التي تنبّأت بالمستقبل، مثل انتصار الروم بعد هزيمتهم، وتحقّق ذلك كما وُعد، فهل رأينا يومًا مريضًا نفسيًّا قادرًا على التنبّؤ السياسيّ أو العسكريّ بهذا الشكل الدقيق؟ وإلّا فكيف نُفسّر هذه الإنجازات التي لا يُمكن أنْ تتحقّق إلّا على يد عبقريٍّ حكيم؟ لقد استطاع النبيّ (ص) أن يُغيّر مجتمعًا قبليًّا متعصّبًا، يعبد الأوثان، ويئد البنات، ويحتقر الضعفاء، إلى أمّةٍ تؤمن بالله الواحد، وترفع من شأن المرأة، وتُؤسّس للعدالة والرحمة. فمن ذا الذي رأيناه في التاريخ، من المُصابين بالصرع أو الأمراض الذهنيّة، يُحقّق مثل هذه الثورة الإنسانيّة والفكريّة العميقة؟
وهل يُعقل أنْ يكون قائد هذا التحوّل رجلًا مضطربًا؟ كيف لشخصٍ يُفترض أنّه مريض، أن يمتلك هذه الحنكة في إدارة التغيير ومواجهة المقاومة الاجتماعيّة والسياسيّة؟ إنّه لم يكتفِ بتغيير العقول، بل غيّر النفوس والبُنى الاجتماعيّة من الجذور.
رابعًا: ثقة الناس به ومَن حوله:
لقد لُقّب النبيّ (ص) قبل البعثة بـ (الصادق الأمين)، وكان الناس يأتمنونه على أموالهم، بما في ذلك مَن عارضه بعد الإسلام، فهل يأمن الناس مريضًا على أموالهم؟ وهل تختاره امرأةٌ مثل خديجة – العاقلة النبيلة الثرية – زوجًا وشريكًا للحياة؟ بل كانت أوّل من آمن به ووقفت إلى جانبه بكل إخلاص، وهذا وحده كافٍ لنقض كلّ الشبهات.
وكذا الذين اتبعوه كانوا من خيرة العقول وأعقل الناس، أمثال عليّ بن أبي طالب، وسلمان الفارسيّ، وبلال، والمقداد، وهم شخصيّاتٌ يصعب خداعها أو التأثير عليها بمجرّد وهم أو مرض.
فهل يُعقل أن يلتفّ هؤلاء حول رجلٍ مضطربٍ مُصاب بصرع، خصوصًا أنّ هناك مبدأً عقلائيًّا شهيرًا وهو: (من ثمارهم تُعرفونهم)، إذْ يُستخدم لتمييز صدق الدعوات من زيفها، وثمار دعوة النبيّ محمّد (ص) شاهدةٌ على صدقه: أخلاق، إصلاح، عدالة، علم، بناء حضارة، بينما ثمار المرض والاختلال – إن صدق الزعم – لا يكون إلّا اضطرابًا، ودمارًا، وتناقضًا، وسرعان ما تنكشف زيف الدعوى، لكن دعوته صمدت، وأثمرت، ولا تزال تُؤثّر في عقول وقلوب الملايين حتّى اليوم. والمعروف في المجتمعات الإنسانيّة عمومًا، أنّ مَن يدّعي ما لا يملك يُفتضح أمره سريعًا، كمن يتقمّص مهنة الطبّ دون علم، ثمّ يفشل في أوّل حالةٍ بسيطة، ولكن دعوة النبيّ (ص) ليست كذلك، بل ازدادت قوّةً وتماسكًا، فواجه أقسى أشكال المعارضة، لكنّه ظلّ صامدًا، وهذا من أقوى الأدلّة على صدقه.
خامسًا: التجربة النبويّة ظاهرةٌ متكرّرةٌ في التراث الدينيّ:
ظاهرة التجلي أو التجربة الروحيّة ليست أمرًا فريدًا بالنبيّ محمّد (ص)، بل نجد لها نظائر في الشرائع السماويّة الأخرى، كاليهوديّة والمسيحيّة، فالأنبياء والرسل غالبًا ما مرّوا بتجارب وُصفت بالاختطاف الروحيّ أو الجذب الإلهيّ، حيث يكون الوعي البشريّ في حالة انخطافٍ عن العالم المادّي نحو منبع الوحي، وقد عبّر آباء الكنيسة الأوائل عن ذلك بقولهم: (إنّ النبيّ يدخل في حالة جذب يكون فيها العقل خارج حدوده الطبيعيّة ومتّصلًا بمنطقة الإلهام الإلهيّ والوعي الفائق) [النبوة والأنبياء، الأب متّى المسكين، ص15-17].
وفي سفر دانيال، نقرأ وصف النبيّ دانيال لحالة الوحي التي أصابته:
(فبقيت أنا وحدي، ورأيت هذه الرؤيا العظيمة، ولم تبقَ فيّ قوّة... وسمعت صوت كلامه، ولمّا سمعته كنت مُسَبّخًا على وجهي، ووجهي إلى الأرض، وإذا بيدٍ لمستني وأقامتني مرتجفًا على ركبتيّ وعلى كفّيّ يديّ) [دانيال 10: 7-10].
وفي موضع آخر:
(أنا دانيال ضعُفت ونحلتُ أيّامًا، ثمّ قُمتُ وباشرت أعمال الملك، وكنتُ متحيّرًا من الرؤيا ولا فاهم) [دانيال 8: 27].
هذه النصوص تؤكّد أنّ مظاهر الانفعال الجسديّ والنفسيّ المصاحب للتجربة الروحيّة ليست دليلًا على المرض – كما توهّموا –، بل هي سمةٌ مشتركةٌ بين الأنبياء.
سادسًا: شهادة علماء الغرب ضدّ دعوى الصرع:
كثيرٌ من المستشرقين المُنصفين رفضوا ربط تجربة النبيّ محمّد (ص) بالصرع أو المرض النفسيّ. فالمستشرق مونتغُمري وات [2006م] صرّح بأنّه لا يوجد أيّ دليلٍ على إصابة النبيّ محمّد بالصرع [عوامل انتشار الإسلام ص22]. وأضاف وات: (كان محمّد (ص) رجلًا جاء بأفكارٍ ترتبط بأعمق قضايا الإنسان، وقد آمن به الملايين، وشهدوا بوحدانيّة الله ونبوّته، وتركوا أديانهم السابقة لدينه الذي وجدوه أفضل منها) [عوالم انتشار الإسلام ص300].
كما قال المستشرق ديون بورت: (الزعم المتكرّر بأنّ محمّدًا كان يتأثّر بنوبات صرع، لا يعدو كونه افتراءً أطلقه بعض اليونانيّين بدافع الطعن في شخصيّة رجلٍ جاء بعقيدةٍ جديدةٍ بديعةٍ، أرادوا أنْ يُصوّروه بما يُنفّر منه العالم المسيحيّ) [اعتذار عن التقصير أمام محمّد (ص) والقرآن ص15-16].
أمّا وِليام موير، فقد ردّ على دعوى الصرع ردًّا علميًّا، مؤكّدًا أنّ المريض بالصرع لا يتذكّر ما يحدث له أثناء النوبة؛ لأنّ وعيه يتعطّل بالكامل، والصرع - كما هو معروف طبّيًّا- سببه خللٌ كهربائيٌّ مفاجئٌ في الدماغ يُؤدّي إلى فقدانٍ كاملٍ للوعي والشعور. أمّا النبيّ محمّد (ص) فكان بعد كلّ وحيٍ يتذكّر مضمون الآيات ويُبلّغها بدقّة، بل كان يُعلّمها ويحفظها أصحابه، فكيف يستقيم هذا مع أعراض الصرع؟! ويختم موير بأنّ من يطرح مثل هذه الشبهات لا يعرف شيئًا عن الصرع، ولا عن الوحي، بل سؤاله يكشف عن تعصّبٍ أو خلل في فهم، [يُنظر: دراسة نقديّة لرأي وِليام موير في الوحي].
على أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ أصحاب هذه الشبهة ارتكبوا بعض المغالطات في هذا التحليل:
من أبرزها مغالطة السببيّة الزائفة، وهي أن يُعزى مجرّد وجود أعراضٍ جسديّةٍ مرافقةٍ للوحي – كالتعرّق أو الثقل أو الارتجاف – إلى وجود علّةٍ مرضيّةٍ عصبيّةٍ كصرع الفصّ الصدغيّ، دون أيّ إثباتٍ علميٍّ أو سريريٍّ يربط بينهما. فليست كلّ حالةٍ غير اعتياديّةٍ دليلًا على مرض، كما أنّ هذه الظواهر قد تكون ناتجةً عن انفعالٍ روحيٍّ شديد، أو تأثير تواصلٍ مع عالمٍ أعلى يتجاوز المدارك الحسّيّة المعتادة، وهذا ما يتناسب مع طبيعة الوحي كما وصفها النبيّ نفسه.
كذلك نجد مغالطة التشبيه الخاطئ، حين يتمّ تشبيه ما يحصل للنبيّ أثناء نزول الوحي بما يقع لمريض الصرع، مع أنّ الفارق بين الحالتين جوهريّ، لا في السبب فحسب، بل في النتيجة والمظهر أيضًا؛ فالنبيّ يُوحى إليه وهو في وعيه الكامل، يُدرك، يسمع، يعقل، ويحفظ ما نزل عليه، ثمّ يُبلّغه فورًا بلسانٍ فصيحٍ، دون ارتباكٍ أو فقدانٍ للسيطرة، بينما المريض بالصرع يفقد وعيه، ويخرج من نوبته وهو مُشوّشٌ أو غير مُدركٍ لما وقع له، ولا ينتج عن حالته أيّ مضمونٍ عقليٍّ منظّمٍ أو كلامٍ ذي معنى، فضلًا عن أنّه لا يستطيع إعادة بناء الأحداث أو استيعاب ما جرى أثناء النوبة. فالمقارنة بين الحالتين لا تصحّ لا من جهة الطبّ، ولا من جهة المنطق؛ لأنّ ما يحصل للنبيّ حالة وحي، لها بُعد معرفيّ وروحيّ، بينما ما يحصل للمريض حالة اختلال عصبيّ لا معنى له، ولا رسالة فيه، ولا أثر إصلاحيّ أو حضاريّ يترتّب عليه.
وبعد هذا، يتبيّن بوضوح أنّ محاولة تفسير الوحي النبويّ بكونه نوبةً صرعيّة أو حالةً مرضيّة هو زعمٌ ساقطٌ من جهة العقل، مردودٌ من جهة العلم، مدفوعٌ بأحكامٍ أيديولوجيّةٍ مُسبقةٍ لا تستند إلى برهانٍ موضوعيّ. فكلّ الشواهد النفسيّة، واللغويّة، والتاريخيّة، والسلوكيّة، بل وشهادة الأثر والنتيجة، تدلّ على أنّ ما وقع للنبيّ محمّد (ص) لم يكن من قبيل المرض، بل من قبيل الوحي الحقّ. والتجربة النبويّة بما تحمله من وعيٍ عالٍ، وتوازنٍ نفسيّ، ومنهجٍ إصلاحيّ غير مسبوق، لا يمكن اختزالها في أعراضٍ سطحيّةٍ أو تشخيصاتٍ قسريّة، بل تظلّ شاهدًا ناطقًا على حقيقة الاتصال بالغيب، وصدق الرسالة، وعظمة الرسول (ص).
اترك تعليق