هل ظهور الأديان مرتبط بالجهل والخرافة؟
السؤال: لماذا لم تظهر اديانٌ جديدةٌ في الزمن الحديث؟ البشر حين اخترعوا الأديّان، اخترعوها قصصاً يستخدمونها لإجابة أسئلةٍ فكّروا بها، ولم يجدوا في زمانهم إجاباتٍ لها، أما الآن في زمننا، فقد انتفى السبب، فاختفت الظاهرة. فآخر دينٍ كبيرٍ ذو حجمٍ عالميٍّ من ناحية حداثة تاريخ الظهور هو إسلام محمّد، لم يظهر دينٌ بمثل هذا الحجم منذ 1400 عامٍ، ولن يظهر، فلم يعد للبشر حاجةٌ إلى الخرافات، فقد ملأوا فراغ الجهل الذي كانوا يعيشون فيه، بالعِلم.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
عند تحليل هذا الإشكال بدقّةٍ يتّضح أنّه ليس دعوىً بسيطةً، بل هو مركّبٌ يتألّف من مقدّمتين تُفضيان إلى نتيجةٍ معيّنةٍ.
المقدّمة الأولى: تفترض أنّ الدين ظاهرةٌ منشؤها جهل الإنسان، وأنّه مجرّد نتاجٍ بشريٍّ أوجده الإنسان لسدّ فراغٍ معرفيٍّ أو للإجابة عن تساؤلاتٍ لم يكن يمتلك أدوات تفسيرها.
والمقدّمة الثانية: تبني على الأولى، فتقرّر أنّ هذا الفراغ المعرفيّ قد تقلّص أو زال في العصور المتأخّرة، حيث أصبحت إجابات كثيرٍ من الأسئلة متاحةً عبر التقدّم العلميّ والمعرفيّ، وبالتالي لم يعد هناك دافعٌ لاختراع أديانٍ جديدةٍ.
ومن هاتين المقدّمتين تُستنتج النتيجة، وهي أنّ عدم ظهور أديانٍ جديدةٍ بعد الإسلام يعود إلى انتفاء الحاجة إليها.
وفي المقدّمتين والنتيجة المترتّبة عليهما إشكالاتٌ وفجواتٌ منطقيّةٌ نذكرها إجمالاً حتّى يتبيّن ضعف الإشكال:
أمّا المقدّمة الأولى، وهي دعوى أنّ الدين ناشئٌ عن جهل الإنسان، فقد تبنّاها عددٌ من فلاسفة الغرب مثل برتراند راسل وديفيد هيوم، وغيرهما، غير أنّ هذه الدعوى، عند الفحص يتبيّن أنّها تعتمد على جملةٍ من المغالطات المنطقيّة وهي:
أوّلاً مغالطة المنشأ: حيث وقع في خلطٍ واضحٍ بين البحث في تاريخ نشوء الفكرة وبين قيمة الفكرة من حيث الصدق والكذب، فحتّى لو سُلّم جدلاً بأنّ بعض تصوّرات الإنسان عن الإله نشأت بدافع الخوف أو الجهل من الظواهر الطبيعيّة، فإنّ هذا لا يستلزم منطقيّاً نفي وجود الإله واختراعه من قبل الناس، فمنشأ الاعتقاد لا يحدّد صدقه.
ولتقريب ذلك: قد يكتشف عالمٌ دواءً فعّالاً نتيجة إلهامٍ أو حلمٍ، مع أنّ الحلم ليس طريقاً علميّاً، لكنّ ذلك لا يبطل القيمة الموضوعيّة للدواء بعد التحقّق من فعاليّته، فالمعيار هو البرهان، لا الخلفيّة النفسيّة.
وثانياً مغالطة المصادرة على المطلوب: حيث يُفترض بطلان الفكرة مسبقاً، ثمّ يُنتقل إلى تفسير لماذا يعتقد بها الناس (كالخوف أو الحاجة النفسيّة أو الجهل)، بدلاً من مناقشة هل هي صحيحةٌ أم لا، فإذا قيل: (الإنسان اخترع الإله لأنّه يحتاج إلى أبٍ)، فهذا يفترض مسبقاً أنّ الإله غير موجودٍ، مع احتمال أنْ تكون هذه الحاجة نفسها ذات منشأٍ واقعيٍّ. وهنا تكون النتيجة متضمَّنةً في المقدّمة، فيقع الاستدلال في دورٍ منطقيٍّ.
وثالثاً مغالطة رجل القشّ: تُختزل ظاهرةٌ معقّدةٌ كالدين في عاملٍ واحدٍ بسيطٍ كـ(الجهل) أو (الخوف)، مع أنّ الدين عبر التاريخ ظاهرةٌ متعدّدةُ الأبعاد: معرفيّةٌ، وأخلاقيّةٌ، وتشريعيّةٌ، وفلسفيّةٌ.
هذا الاختزال يتجاهل حقيقةً أنّ كثيراً من كبار العلماء والفلاسفة لم يكونوا واقعين في (جهلٍ بدائيٍّ)، ومع ذلك انتهوا إلى الإيمان عبر مساراتٍ عقليّةٍ وتأمّليّةٍ، لا عبر سدّ فجوةٍ معرفيّةٍ بسيطةٍ.
أمّا المقدّمة الثانية، وهي القول بأنّ الفراغ المعرفيّ قد تقلّص أو زال في العصور المتأخّرة بفضل التقدّم العلميّ، وأنّ ذلك أدّى إلى انتفاء الحاجة إلى الدين، فهي أيضاً تنطوي على جملةٍ من الاضطرابات المنطقيّة.
أوّلاً: أنّ هذا الطرح يفترض ابتداءً علاقةً عكسيّةً بين المعرفة والجهل، كأنّهما كفّتا ميزانٍ: كلّما زادت إحداهما نقصت الأخرى، غير أنّ التأمّل في طبيعة المعرفة يكشف عكس ذلك تماماً؛ فالمعرفة لا تُنهي المجهول، بل توسّع حدوده.
كلّ اكتشافٍ علميٍّ لا يغلق باب السؤال، بل يفتح أبواباً أوسع وأكثر تعقيداً، فحين كان الإنسان يجهل تفسير الظواهر الطبيعيّة، كانت أسئلته محدودةً وبسيطةً، أمّا اليوم، وبعد التقدّم الهائل في الفيزياء والكونيّات، فقد ظهرت أسئلةٌ أعمق بكثيرٍ: لماذا توجد قوانين أصلاً؟ ما طبيعة الوجود نفسه؟ ما حقيقة ما يُعرف بالمادّة المظلمة التي تشكّل معظم الكون؟ إنّ دائرة المعلوم كلّما اتّسعت، ازداد محيطها تماسّاً مع المجهول، لا العكس.
وثانياً: يفترض هذا التصوّر أنّ الدين والعلم يتناولان نوع الأسئلة نفسها، وكأنّ أحدهما بديلٌ عن الآخر، مع أنّ الفرق بينهما جوهريٌّ؛ فالعلم يبحث في كيفيّة حدوث الأشياء، أمّا الدين فيتعلّق بمعناها وغايتها. لذلك فإنّ التقدّم العلميّ لا يُلغي الحاجة إلى الدين، لأنّ كلّاً منهما يتناول مجالاً مختلفاً.
وثالثاً: يتعامل هذا الطرح مع العلم وكأنّه يقدّم إجاباتٍ نهائيّةً، بينما العلم في حقيقته منهجٌ مفتوحٌ يقوم على التراكم وقابلٌ للتصحيح والمراجعة دائماً، فلا يصحّ اعتباره مصدراً لليقين المطلق أو بديلاً كاملاً عن أيّ منظومةٍ أخرى.
ورابعاً: يفترض أيضاً أنّ الجهل يولّد كثرة التساؤل، وأنّ الإنسان القديم كان أكثر بحثاً بسبب جهله، لكنّ الواقع يظهر أنّ الجهل البسيط غالباً ما يُنهي التساؤل بتفسيراتٍ ساذجةٍ، بينما المعرفة العميقة هي التي تثير الأسئلة وتوسّع دائرة البحث؛ ولذلك فإنّ التقدّم العلميّ زاد من تعقيد الأسئلة بدلاً من أن يُنهيها.
ثمّ حتّى لو سُلّم جدلاً بصحّة المقدّمتين - مع أنّهما قد تبيّن ضعفهما - فإنّ النتيجة نفسها، وهي عدم ظهور دياناتٍ جديدةٍ بعد الإسلام، خاطئةٌ ولا تنتج من هاتين المقدّمتين:
فأوّلاً: أنّ الربط بين عدم ظهور دينٍ جديدٍ وعدم الحاجة إليه ينطوي على تعجّلٍ في الحكم؛ إذ قد يُفسَّر ذلك بعوامل أخرى لا علاقة لها بمسألة الجهل والعلم، كاكتمال الرسالة في الإسلام وإتمام الحجج وعدم الحاجة إلى إرسال الرسل، أو تحوّل بنية المجتمعات الحديثة، وغيرها.
وثانياً: أنّ هذا الاستنتاج يقوم على فرضيّةٍ تاريخيّةٍ غير دقيقةٍ؛ إذ الواقع يشهد بأنّ الظاهرة الدينيّة لم تتوقّف بعد الإسلام، بل استمرّ ظهور حركاتٍ دينيّةٍ ومذاهب جديدةٍ منذ استشهاد الرسول إلى أزمنةٍ متأخّرةٍ - وإن لم تكن كبيرةً -، فمن ذلك: ما يُعرف بالبابيّة والبهائيّة في القرن التاسع عشر، والسيخيّة التي نشأت بعد الإسلام بقرونٍ في شبه القارّة الهنديّة، إلى جانب تيّاراتٍ روحيّةٍ حديثةٍ في القرنين العشرين والحادي والعشرين، بل وحتّى حركاتٍ ذات طابعٍ معاصرٍ مثل السيانتولوجيا التي حاولت توظيف لغة العلم لبناء منظومةٍ اعتقاديّةٍ غيبيّةٍ، وهذا كلّه يكشف أنّ الدعوى القائلة بتوقّف ظهور الأديان لا تنسجم مع المعطيات التاريخيّة.
وعليه، فإنّ هذا الاستدلال في مجموعه، لا ينهض على أساسٍ منطقيٍّ متماسكٍ، بل يعكس محاولةً تفسير ظاهرةٍ دينيّةٍ معقّدةٍ من خلال اختزال الإنسان في بعدٍ معرفيٍّ ضيّقٍ، متجاهلاً أبعاده الوجوديّة والنفسيّة والواقع التاريخيّ أيضاً.
اترك تعليق