هل يحاسب الله الناس على انتماءاتهم الدينية أم على موقفهم من الحق؟

السؤال: بصفتي لا دينيَّةً وعلمانيَّةً، أرى إشكاليَّةً كبيرةً في فكرة «العدل الإلهيّ» كما تُقدَّم في بعض الخطابات الدينيَّة، كيف يمكن قبول أنّ إنساناً عاش حياته كاملةً بسلامٍ، لم يظلم أحداً، ولم يسرق، ولم يقتل، ولم يعتدِ، بل يساعد الناس ويحترمهم.. ثم يصبح مصيره الجحيم، لمجرَّد أنَّه لم يؤمن بدينٍ معيَّنٍ؟ وفي الوقت نفسه، شخصٌ آخر مؤمنٌ، لكنَّه قد يكون ظالماً أو مؤذياً، ومع ذلك لديه فرصةٌ لدخول الجنَّة بسبب «الإيمان» فقط؟ المشكلة ليست فلسفيَّةً فحسب، بل دينيَّةً أيضاً، حيث تفتقر هذه النقطة إلى الوضوح، ففي القرآن تأكيدٌ قويٌّ على أنَّ الجنَّة مرتبطةٌ بالإسلام فقط، مثل قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. هذه الآية توضِّح أنَّ أيَّ دينٍ آخر غير الإسلام مرفوضٌ، وصاحبه من «الخاسرين». ويُضاف إلى ذلك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [البيِّنة: 6]، ممَّا يعني أنَّ مصير أتباع الديانات الأخرى، حتَّى لو كانوا من «أهل الكتاب»، هو النار وفقاً للنصّ. كما أنَّ الأحاديث تحمل المعنى نفسه، مثل الحديث المعروف: «والذي نفس محمَّدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمَّة، يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلَّا كان من أصحاب النار» [رواه مسلم]. هذه النصوص صريحةٌ: الإيمان هو الشرط الأساس، وليس السلوك أو الأخلاق فقط. هنا يُطرح السؤال: أين العدل في هذه الفكرة؟ كيف يُعاقَب إنسانٌ صالحٌ لمجرَّد قناعته الفكريَّة، بينما آخر قد يكون أقلَّ أخلاقيَّةً، لكن لديه «العقيدة الصحيحة» فينجو؟ من منظورٍ إنسانيٍّ وعقلانيٍّ، يجب أن يرتبط العدل بالأفعال، والنيَّة، وبأثر الإنسان على الآخرين، وليس بالانتماء الدينيّ. فالأخلاق لا تحتاج إلى دينٍ لتوجد، وهناك الكثير من الناس بلا دينٍ ومع ذلك يمتلكون ضميراً عالياً، ويعيشون بسلامٍ ويقدِّمون الخير. الفكرة التي تربط الجنَّة بدينٍ واحدٍ فقط، وتستبعد باقي البشر مهما كانوا أخلاقيّين، تجعل الكثير من الناس يشكِّكون في مفهوم "العدل المطلق". فالعدل الحقيقيّ لا يكون انتقائيّاً، ولا يُبنى على الهويَّة، بل على السلوك والإنسانيَّة.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لقد أجبنا عن عشرات الأسئلة المرتبطة بموضوع العدل الإلهيّ في موقعنا، وبصيغٍ مختلفةٍ، لكنّ هذا السؤال يجمع عدداً من الإشكالات المتكرِّرة؛ ولذا سنجيب عنه بشكلٍ مباشرٍ ومنظَّمٍ، مع تفكيك كلِّ نقطةٍ ذُكرت فيه:

أوَّلاً: الإشكال الجذريّ في هذا السؤال أنَّه يبني الحكم على تصوُّرٍ خاطئٍ، وهو أنَّ العدل الإلهيّ يقوم على مجرَّد «الانتماء الدينيّ» كهويَّةٍ شكليَّةٍ، وهذا غير صحيحٍ؛ لأنَّ الإيمان في الإسلام ليس بطاقة تعريفٍ، ولا انتماءً اجتماعيّاً، بل هو موقفٌ واعٍ من الحقيقة بعد تبيُّنها، فالمعيار ليس: هل سُمِّي الإنسان مسلماً أو غير مسلمٍ؟، بل: هل عرف الحقّ؟ هل قامت عليه الحجَّة بوضوحٍ؟ ثمّ كيف كان موقفه منها، قبولاً وانقياداً، أم إعراضاً وعناداً، أم جهلاً وقصوراً؟

وعليه، فالتقسيم السطحيّ بين «مؤمن» و«غير مؤمن» بوصفه مجرَّد تصنيفٍ ظاهريٍّ هو الذي يولِّد الإشكال؛ لأنَّه يتجاهل أنَّ الحكم الإلهيّ يدور مدار المعرفة، والقدرة، والموقف من الحقّ، لا مجرَّد الانتماء.

وثانياً: سؤال: «كيف يُعاقَب إنسانٌ صالحٌ لمجرَّد أنَّه لم يؤمن؟» لا يكشف عن خللٍ في العدل الإلهيّ، بل عن تجاهلٍ لتفصيلٍ أساسيٍّ في الرؤية الإسلاميَّة. فالإشكال يقوم على التعامل مع كلِّ «غير مؤمن» بوصفه حالةً واحدةً، بينما الإسلام يفرِّق بوضوحٍ بين من قامت عليه الحجَّة ثم أعرض عنها، وبين مَن لم تبلغه الحقيقة، أو بلغته بصورةٍ مشوَّهةٍ، أو لم يكن قادراً على التمييز.

وعليه، فالحكم لا يُبنى على مجرَّد النتيجة الظاهرة (كونه مؤمناً أو غير مؤمنٍ)، بل على مدى العلم، وإمكان المعرفة، وطبيعة الموقف من الحقّ. ومن هنا، فليس كلُّ من لم يؤمن يُحاسَب بنفس الصورة، بل يُعامل كلُّ إنسانٍ بحسب ما وصل إليه وما كان قادراً عليه، وهذا هو الذي ينسجم مع مفهوم العدل.

وعلى هذا، لا يعني قوله تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]، أنَّ كلَّ من لم يُسمَّ مسلماً ظاهراً يُحكم عليه بالهلاك. فالآية تقرِّر أنَّ الحقّ عند الله واحدٌ، وهو الاستسلام له بعد معرفة هذا الحقّ. فمن عرف الحقّ بوضوحٍ ثم رفضه، فهذا هو مورد المؤاخذة. أمَّا مَن لم يصل إليه الحقّ أصلاً، أو وصل إليه مشوَّهاً، أو لم يتمكَّن من التمييز، فليس داخلاً في هذا الحكم بنفس الصورة، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].

وثالثاً: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [البينة: 6]، وكذلك الحديث المذكور، لا يمكن حملهما على عموم كلِّ من وُلد في بيئةٍ غير إسلاميَّةٍ؛ لأنَّ هذا الفهم يصطدم مباشرةً بالأصل الذي قرَّره القرآن نفسه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}. فالنصوص يفسِّر بعضها بعضاً، ولا يمكن أن يُفهم بعضها بمعزلٍ عن هذا الأصل الحاكم.

وعليه، فهذه الآيات والأحاديث تتحدَّث عن حالةٍ محدَّدةٍ: الكفر بعد البيان، والرفض بعد قيام الحجَّة، لا مجرَّد الانتماء إلى دينٍ آخر. فلو كان المعيار هو «الهويَّة الدينيَّة» فقط، لصحَّ الإشكال الذي أشار إليه السائل، ولكان أيضاً نقضاً صريحاً لمبدأ العدل الذي أكَّده القرآن. لكن لمَّا كان المعيار هو الموقف من الحقّ بعد ظهوره، انسجم الحكم مع العدل، وزال الإشكال من أساسه.

ورابعاً: الإشكال في المقارنة بين «شخصٍ صالحٍ غير مؤمنٍ» و«شخصٍ مؤمنٍ ظالمٍ» هو أنَّها مقارنةٌ غير دقيقةٍ؛ لأنَّ الإسلام لا يقول إنَّ «الإيمان وحده يكفي مع الظلم»، بل يقرِّر بوضوحٍ: أنَّ الظلم له حسابه، وأنَّ المؤمن الظالم لا ينجو من العدل الإلهيّ لمجرَّد إيمانه، بل يُحاسَب على ظلمه. كما أنَّ الإيمان الحقيقيّ – في أصله – يفترض أن ينعكس على السلوك، لا أن يكون منفصلاً عنه.

وخامساً: القول بأنَّ «الأخلاق لا تحتاج إلى دينٍ» صحيحٌ جزئيّاً، بمعنى أنَّ الإنسان قد يدرك بعض القيم بفطرته وعقله. لكن هذا لا يلغي أنَّ الدين يقدِّم إطاراً كاملاً للمعنى والغاية والمعيار. فالسؤال ليس: هل يمكن أن يكون الإنسان أخلاقيّاً دون دينٍ؟ بل: على أيِّ أساسٍ تُبنى هذه الأخلاق؟ وهل هي مُلزِمةٌ موضوعيّاً أم مجرَّد اختياراتٍ نسبيَّةٍ؟

وسادساً: فكرة أنَّ «العدل يجب أن يُبنى على السلوك فقط» تتجاهل أنَّ السلوك نفسه مرتبطٌ بالتصوُّر. فالإيمان – في الرؤية الدينيَّة – ليس مجرَّد فكرةٍ، بل هو تحديدٌ لموقف الإنسان من الحقيقة الكبرى: هل يقبلها أم يرفضها؟ وهذا بحدِّ ذاته له قيمةٌ أخلاقيَّةٌ؛ لأنَّه يتعلَّق بالصدق مع الحقيقة أو الإعراض عنها.

وفي المحصِّلة، العدل الإلهيّ لا يقوم على التمييز الاعتباطيّ بين الناس، ولا على مجرَّد الانتماء، بل على معرفة الإنسان، وظروفه، ونيَّته، وموقفه من الحقّ بعد ظهوره له. وما يُطرح عادةً من إشكالاتٍ هو نتيجة قراءةٍ سريعةٍ للنصوص، تفصلها عن سياقها، وتتعامل مع الإيمان كهويَّةٍ شكليَّةٍ، ومع الكفر كتصنيفٍ اجتماعيٍّ، بينما القضيَّة في حقيقتها أعمق بكثيرٍ وتتعلَّق بموقف الإنسان من الحقيقة بعد قيام الحجَّة عليه.