هل نظرية التطور يقين علمي يقدم على الدين؟
السؤال: نظريَّة التطوُّر حقيقةٌ لا تقبل الدحض، أشدّ موثوقيَّةً من كلّ أساليب وطرائق رجال الحديث، وأشدّ موثوقيَّةً من كلّ أحاديث الآحاد والتواتر، ومن أيّ رجلٍ صالحٍ ينقل بالمعنى أو يحكي من كيسه، وإليها تُحاكَم مرويَّات السنَّة ولا تُحاكَم هي إليها. ثمَّ إنَّه - ولله الحمد والمنَّة - لا تعارض بين النظريَّة وما جاء في كتاب الله إذا حُيِّد المرويّ من السنَّة؛ إذ التأويل يتَّسع للتوفيق وعدم التعارض، بل وإلى الاتِّساق والتماهي، وإذ الجزم بالمنقول الظنّيّ إلى رسول الله -كالعادة -شرٌّ من كلّ وجهٍ!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكلام مزيجٌ من المبالغة والخلط بين مجالاتٍ مختلفةٍ، مع مصادرةٍ واضحةٍ على المطلوب. وبمجرَّد مراجعته بهدوءٍ، يتبيَّن أنَّ كلّ جملةٍ فيه قائمةٌ على افتراضٍ غير دقيقٍ.
أوَّلاً: القول بأنّ «نظريَّة التطوُّر حقيقةٌ لا تقبل الدحض»:
هذا التعبير نفسه غير علميٍّ؛ لأنَّ العلم بطبيعته لا يعرف حقائق غير قابلةٍ للنقاش، بل يقوم على النماذج القابلة للمراجعة والتعديل. حتَّى داخل الأوساط العلميَّة، هناك نقاشاتٌ واسعةٌ حول آليَّات التطوُّر وحدوده وتفسيراته، بل وتعديلاتٌ مستمرَّةٌ على النظريَّة نفسها.
فالقول إنَّها «لا تقبل الدحض» هو تحويلٌ لنظريَّةٍ علميَّةٍ إلى عقيدةٍ مغلقةٍ، وهو عكس المنهج العلميّ.
وثانياً: المقارنة بين «نظريَّةٍ علميَّةٍ» و«علم الحديث» في أصلها مقارنةٌ غير صحيحةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما ينتمي إلى مجالٍ مختلفٍ تماماً؛ فنظريَّة التطوُّر تبحث في تفسير نشأة الكائنات من زاويةٍ بيولوجيَّةٍ، بينما علم الحديث يُعنى بنقل الأخبار وتمحيصها تاريخيّاً. وبناءً على ذلك، لا يمكن استخدام معيار "الموثوقيَّة" هنا بمعنىً واحدٍ حتَّى يُقال: هذا أوثق من ذاك؛ لأنَّك في الحقيقة تقارن بين نوعين مختلفين من المعرفة. وهذه المقارنة أشبه بمن يسأل: أيُّهما أدقّ: ميزان الذهب أم ساعة التوقيت؟ فكلّ واحدٍ منهما دقيقٌ في مجاله، لكن لا معنى لمقارنتهما خارج هذا السياق.
وثالثاً: الزعم بأنَّ «النظريَّة تُحاكَم إليها النصوص»، هو في حقيقته قلبٌ للمنهج رأساً على عقب؛ لأنَّ النظريَّة العلميَّة -مهما بلغت -لا تتجاوز كونها تفسيراً لجزءٍ من الواقع الطبيعيّ، وليست مرجعاً أعلى يُعاد تشكيل بقيَّة المعارف على أساسه. فالعلم يشتغل ضمن حدوده: كيف تحدث الظواهر، أمَّا الدين فيتناول لماذا وُجدت وما غايتها ومعناها. وحين تُجعل نظريَّةٌ علميَّةٌ حكماً على النصّ الدينيّ، فإنَّ ذلك لا يكون توظيفاً للعلم، بل تحميلٌ له ما لا يحتمل، وتوسيعٌ لدوره خارج مجاله الطبيعيّ، وهو ما يفقد كلّاً من العلم والدين توازنهما.
ورابعاً: القول: «لا تعارض مع القرآن إذا حُيِّدت السنَّة» ليس حلّاً علميّاً، بل هو حلٌّ قائمٌ على حذف جزءٍ من المنظومة الدينيَّة حتَّى لا يظهر التعارض، فالسنَّة ليست عنصراً هامشيّاً يمكن تجاوزه، بل هي جزءٌ أساسٌ في فهم القرآن وتفصيل معانيه؛ ولذلك، فإنَّ إقصاءها لا يثبت عدم التعارض، بل يعني ببساطةٍ إعادة تفسير النصّ القرآنيّ تفسيراً انتقائيّاً ليكون منسجماً مع فرضيَّةٍ مسبقةٍ. وهذا ليس بحثاً عن الحقيقة، بل توجيهٌ للنصّ ليوافق تصوُّراً معيَّناً، وهو مسلكٌ يُفرغ النقاش من موضوعيَّته.
وخامساً: الطعن في السنَّة بهذا الأسلوب يتجاهل طبيعة علم الحديث ومنهجيَّته.
فهذه العلوم لم تُبنَ على التساهل أو «الحكي من الكيس» كما صُوِّر، بل على منهجٍ نقديٍّ دقيقٍ يقوم على التمحيص في الأسانيد والمتون، والتمييز بين درجات الروايات. فالتفريق بين المتواتر والآحاد، والنظر في اتِّصال السند وعدالة الرواة وضبطهم، وموازنة النصوص بعضها ببعض، كلّ ذلك يكشف عن نظامٍ معرفيٍّ منضبطٍ، لا عن نقلٍ عشوائيٍّ كما يحاول التصوير.
وسادساً: الخلط بين «التأويل» و«التحكُّم في النصّ» هو من أبرز مظاهر هذا الطرح؛ فالتأويل في أصله أداةٌ لفهم النصّ ضمن سياقه وضوابطه، لا وسيلةً لفرض معنىً خارجيٍّ عليه. نعم، قد يتَّسع التأويل في بعض المواضع، لكن ضمن حدودٍ يفرضها اللفظ والسياق، لا بما يُمليه تصوُّرٌ مسبقٌ. أمَّا هنا، فالتأويل يُستخدم بطريقةٍ معكوسةٍ: لا لفهم النصّ، بل لإخضاعه للنظريَّة، بحيث يُعاد تشكيل دلالاته حتَّى تتوافق معها. وبهذا يتحوَّل التأويل من منهج تفسيرٍ إلى أداة تبريرٍ، وهو ما يفقده قيمته العلميَّة من أساسه.
وفي المحصِّلة، هذا الطرح لا يقوم على تحليلٍ علميٍّ رصينٍ، بل على مجموعةٍ من المغالطات المنهجيَّة الواضحة: تضخيم نظريَّةٍ علميَّةٍ وتحويلها إلى يقينٍ مطلقٍ فوق النقد، والخلط بين مجالاتٍ معرفيَّةٍ مختلفةٍ لا يصحّ قياس بعضها على بعض، ثمَّ إعادة تشكيل النصّ الدينيّ ليتوافق مع نتيجةٍ مُسبقةٍ. وبذلك، لا يكون ما قُدِّم دفاعاً حقيقيّاً عن العلم، ولا قراءةً منضبطةً للدين، بل تصوُّراً انتقائيّاً يقتطع من كلّ مجالٍ ما يخدمه، دون أن يلتزم بقواعد أيٍّ منهما.
اترك تعليق