هل كان النبي (ص) يلعن ويسب من لا يستحق؟

السؤال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «اللّهم إنَّما أنا بشرٌ أغضب وأرضى، وأيُّما مؤمنٍ حرمتُه وأقصيتُه أو دعوتُ عليه فاجعله كفَّارةً وطهوراً، وأيُّما كافرٍ قرَّبتُه أو حبوتُه أو أعطيتُه أو دعوتُ له ولا يكون لها أهلاً فاجعل ذلك عليه عذاباً ووبالاً» نوادر أحمد بن محمد بن عيسى الأشعريّ القمّيّ. تتفق هذه الرواية وغيرها مع روايات أهل السنَّة حيث تفيد بعدم عصمة النبيّ في غير الوحي، والشيعة يرفضون كلّ ذلك ويتمسَّكون بتأويلاتٍ فاسدة.

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا الحديث من الأحاديث المشهورة والمعروفة عند أهل السنَّة، وقد رواه كبار المحدّثين من العامَّة بألفاظٍ متعدّدة، منهم البخاريّ، ومسلم، وأحمد، والحاكم، وغيرهم [ينظر: التاريخ الكبير ج4 ص109، مسند أحمد بن حنبل ج40 ص303، صحيح مسلم ج8 ص26، المستدرك ج1 ص104]. كما أنَّ طرقَه مصحَّحة عندهم، وقد وصفه غير واحدٍ من كبار محدّثيهم بالصحة أو الاعتبار [ينظر: صحيح ابن حبان ج14 ص446، مجمع الزوائد ج8 ص267].

إلَّا أنَّ هذا الحديث ـ بظاهره ـ يشتمل على إشكالٍ واضحٍ من جهة الدلالة والمتن؛ إذ يتضمَّن ما ينافي العصمة ويستلزم الطعن في مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله)؛ ولذلك فإنَّ الإماميَّة أعرضوا عنه ولم يعملوا بمضمونه، بل إنَّ أصحاب الكتب الأربعة والمعتبرة عند الشيعة لم يذكروه أصلاً، مع شدَّة اشتهاره في التراث الحديثيّ السنّيّ، وهذا ممَّا يعزّز النظر إليه، خصوصاً مع ما ورد عن الأئمَّة (عليهم السلام): «اترك ما وافق العامَّة» [الكافي ج1 ص67].

وقد أشار إلى ذلك السيّد ابن طاووس بعد نقله الرواية من طريق عائشة، فقال: (اعتبروا ـ رحمكم الله ـ في هذا الحديث، فإنَّ فيه طرائف، فمن طرائفه: كونُه يخالف كتابهم في وصف نبيّهم بالرحمة والشفقة عليهم، وأنَّه لعلى خلقٍ عظيم، وأنَّه ما كان فظّاً غليظ القلب، فكيف جاز أن يصدّقوا أو يصحّحوا ما يخالف كتابهم ويردّوا على كتاب نبيّهم بقول عائشة؟...» [الطرائف ص369].

كما قال النباطيّ العامليّ: (من عجيب روايتهم...)، ثم ذكر الرواية، وقال معقّباً: (وهذا بهت؛ إذ كيف يكون سباب النبيّ (صلى الله عليه وآله) لمسلمٍ مصلحةً له؟! وعلى هذا، يحسن أن يسأل الله لهم ويسألوه أيضاً لأنفسهم أن يوفّق نبيّه لسبّهم ويلهمه لعنهم!) [الصراط المستقيم ج3 ص230].

وقال العلَّامة المجلسيّ: (وهو عندنا باطل؛ لأنَّه معصوم، ولا يجوز منه لعن الغير وسبّه بغير سبب، والحديث ـ لو سلّم ـ فإنَّما هو لسبب) [بحار الأنوار ج16 ص392]، ويظهر من تعبيره: (وهو عندنا باطل) انعكاس موقف الإماميَّة العامّ من الرواية، وأنَّها غير مقبولةٍ عندهم لمنافاتها لأصل العصمة.

وكذلك انتقد الشيخ محمّد حسن المظفر هذه الروايات ضمن حديثه عن الأخبار الموضوعة في توهين مقام الأنبياء، ثمَّ أورد بعض ألفاظ هذا الحديث، وعلَّق بقوله: (وهو كذبٌ صريح، ونقصٌ كبير في حقّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)، لأنَّه يستلزم ـ وحاشاه ـ الفسق؛ لما رواه البخاريّ ومسلم: «سباب المسلم فسوقٌ وقِتاله كفر»، وكيف يلعن النبيّ (صلى الله عليه وآله) مسلماً وهو القائل: «لعن المؤمن كقتله»؟! مع أنَّ ذلك كلَّه ليس من أخلاقه (صلى الله عليه وآله)، وقد وصفه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، فكيف يكون لعَّاناً سبَّاباً للمؤمنين؟!) [دلائل الصدق ج4 ص148-152].

ثمَّ حاول تفسير الخلفيَّة التي أدَّت إلى تداول مثل هذه الروايات، فذكر أنَّ الغرض منها قد يكون تبرير ما صدر من النبيّ (صلى الله عليه وآله) من لعنٍ أو دعاءٍ على بعض الأشخاص المستحقّين لذلك، كالمنافقين ورؤوس الانحراف، ثمَّ جرى تعميم هذا المفهوم لتفريغ تلك اللعنات من دلالتها الحقيقيَّة، وبذلك يُدفع أثرها عن بعض الشخصيَّات التي أراد الوضَّاعون الدفاع عنها.

ومن هنا أيضاً علَّق العلَّامة الأمينيّ على حديث مسلم بقوله: (وحديث مسلم الذي تلوح عليه لوائح الافتعال، إنَّما اختُلق لمثل هذه الغاية؛ لتأويل ما صدر عن النبيّ الأقدس (صلى الله عليه وآله) من طعنٍ ولعنٍ وسبٍّ ودعاءٍ على مَن يستحقّ ذلك، وللدفاع عن أولياء الشيطان، وفي طليعتهم ابن أبي سفيان، والمنع من الوقيعة فيهم...) [الغدير ج10 ص387].

وبذلك يتّضح أنَّ موقف الإماميَّة من هذا الحديث وأمثاله هو الرفض والإنكار؛ لما يتضمَّنه من الطعن في مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولمخالفته الصريحة لسيرته الثابتة، ولما وصفه به القرآن الكريم من الرحمة وعظيم الخلق، فضلاً عن منافاته لأصل العصمة الذي يُعدّ من الأصول الأساسيَّة في العقيدة الإماميَّة.

وأمَّا ورود هذه الرواية في كتاب النوادر، فيمكن مناقشته من عدَّة جهات:

أوَّلاً: إنَّ كتاب النوادر نفسَه لم يصل إلينا بطريقٍ صحيح يمكن الاعتماد عليه؛ إذ لا يوجد سندٌ متَّصلٌ معتبرٌ يثبت أنَّ النسخة الموجودة بأيدينا هي عين كتاب أحمد بن محمّد بن عيسى، وإنَّما يظهر أنَّ كتاب النوادر وصل ضمن كتاب فقه الرضا، والذي وصل إلى السيّد مير حسين القاضي من أهل قم في مكَّة المكرَّمة قرابة سنة 1080هـ، وقد وُجد في آخره كتاب نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى.

وعلى أيّ حال، فإنَّ نسخ النوادر الواصلة إلينا مختلفةٌ ومتغايرةٌ فيما بينها، فلا تنحصر المشكلة في كون الكتاب وجادةً أو فاقداً للطريق فحسب، بل تتعدَّى ذلك إلى اضطراب النسخ نفسها واختلافها، فإنَّها مختلفةٌ فيما بينها، ومع عدم وجود طريقٍ صحيحٍ إلى أحمد بن محمّد بن عيسى، لا يمكن الاعتماد على هذه النسخ أو الجزم بأنَّها مطابقة للأصل [ينظر: سدرة الكمال في علم الرجال ص244-250].

وثانياً: من جهة السند؛ فإنَّ الرواية وردت في النوادر بصيغة: «عن العلاء [عن محمد]، عن أبي جعفر عليه السلام» [النوادر ص170]، وهذا يكشف مباشرةً عن وجود خللٍ في السلسلة؛ لأنَّ أحمد بن محمّد بن عيسى إنَّما أدرك الإمام الجواد (عليه السلام)، بينما العلاء من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، ممَّا يقتضي سقوط واسطةٍ ـ أو أكثر ـ بين أحمد والعلاء، فتكون الرواية منقطعة السند، والانقطاع من العلل الجوهريَّة القادحة في الاعتبار.

بل حتَّى على القول بأنَّ هذا الكتاب ليس لأحمد بن محمّد بن عيسى، وإنَّما هو منسوبٌ إلى الحسين بن سعيد الأهوازيّ ـ كما ذهب إليه بعض الأعلام ـ فإنَّ الإشكال لا يرتفع؛ لأنَّ الحسين الأهوازيّ أيضاً لا يروي مباشرةً عن العلاء، فيبقى الإرسال والانقطاع قائمين، وتظلّ الرواية فاقدةً للاعتبار السنديّ.

وثالثاً: أنَّ هذه الرواية معرَضٌ عنها عند الأصحاب من علماء الإماميَّة، وما كان كذلك لا يكون حجَّةً ـ كما تقرَّر في علم الأصول ـ خصوصاً إذا كان الإعراض مستنداً إلى مخالفة الرواية للأصول القطعيَّة أو للمرتكزات العقديَّة الثابتة. وقد ذكرنا كلمات عددٍ من الأعلام في التصريح ببطلان مضمون هذا الحديث، فحتَّى لو فُرض ـ جدلاً ـ تماميَّة السند؛ فإنَّ إعراض المشهور عن الرواية وعدم إدراجها في الكتب الحديثيَّة المعتمدة كافٍ في سقوطها عن الحجّيَّة عند الإماميَّة.

ورابعاً: لو سلَّمنا تماميَّة ما تقدَّم كلّه، أمكن توجيه الرواية بأحد وجهين:

الوجه الأوَّل: توجيه متن الحديث:

وهو أنْ يُحمل ما صدر من اللعن أو السبّ أو الجلد من النبيّ (صلى الله عليه وآله) على كونِه واقعاً وفق مبرّرٍ شرعيٍّ ظاهريٍّ، كما لو قامت البيّنة عنده على استحقاق شخصٍ لذلك، مع كون البيّنة كاذبةً في الواقع. وعليه، يكون الحديث مرتبطاً بباب القضاء وفصل الخصومات ونحوهما؛ لأنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يحكم بحسب الظاهر، لا بحسب علمه الواقعيّ في جميع الموارد، فيكون مفاد الرواية قريباً من حديثه المشهور: «إنَّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان، وبعضكم ألحن بحجَّته من بعض، فأيُّما رجلٍ قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنَّما قطعت له به قطعةً من النار» [الكافي ج7 ص414]. فكما أنَّ الحكم القضائيّ الظاهريّ لا يكشف دائماً عن مطابقة الواقع، كذلك قد يقع اللعن أو الجلد أو نحوهما استناداً إلى ظاهرٍ شرعيٍّ معتبرٍ، مع عدم استحقاق الشخص لذلك في نفس الأمر.

نعم، هذا التوجيه لا ينسجم مع بعض الألفاظ الواردة في الرواية، كقوله: «اللهم إنَّما أنا بشرٌ أغضب وأرضى»، فلا بدَّ ـ على هذا التوجيه ـ من الالتزام بعدم ثبوت هذه الصيغة بعينها، وأنَّ الرواية قد وقع فيها نقلٌ بالمعنى، أو تصرّفٌ في بعض ألفاظها، وأنَّ الأصل كان ناظراً إلى جهة الحكم الظاهريّ لا إلى صدور اللعن بدافع الغضب الشخصيّ.

الوجه الثاني: توجيه جهة صدور الحديث:

وهو أنَّ هذه الرواية كانت من الأحاديث المشهورة جدّاً عند أهل السنَّة، وقد رُويت بألفاظٍ متعدّدةٍ ومن طرقٍ كثيرةٍ؛ ومع اشتهار هذا الحديث في الوسط السنّيّ، وكون الأئمَّة (عليهم السلام) يعيشون في بيئةٍ يغلب عليها المخالفون، فقد كانت تصدر منهم أحياناً بعض الروايات موافقةً لما هو المتداول عند العامَّة، إمَّا على سبيل التقيَّة، أو المداراة، أو مجاراة الخصم، أو لغاياتٍ خاصَّةٍ أخرى، فلو فُرض صدور هذا الحديث عنهم (عليهم السلام)، فلا يلزم أنْ يكون صادراً لبيان المراد الجدّيّ الواقعيّ، بل يمكن أنْ يكون قد صدر بدواعٍ ظرفيَّةٍ مرتبطةٍ بواقع البيئة الحديثيَّة والاجتماعيَّة آنذاك، خصوصاً مع مخالفته للأصول العقديَّة القطعيَّة عند الإماميَّة، وفي مقدّمتها أصل العصمة وما ثبت من كمال أخلاق النبيّ (صلى الله عليه وآله).

وخامساً: أنَّه حتَّى لو سُلّم بصحَّة الرواية سنداً ودلالةً؛ فإنَّ دليل العصمة دليلٌ قطعيٌّ يقينيٌّ، بينما هذه الرواية ـ في أحسن الأحوال ـ ظنّيَّة الثبوت والدلالة، ومن المقرَّر في محلّه: أنَّه لا يجوز رفع اليد عن اليقين بالدليل الظنّيّ، ولا يمكن تقديم خبرِ آحادٍ مضطرب المتن والمعنى على أصلٍ عقائديٍّ قطعيٍّ ثبت بالكتاب والسنَّة والعقل. وعليه، فلا يكون لمثل هذه الرواية قدرةٌ على معارضة أدلَّة العصمة أو التشكيك في ثبوتها.

والحمد لله ربّ العالمين.