هل أمير المؤمنين (ع) أشجع من رسول الله (ص)؟

السؤال: إنَّ نعمة الله الجزائريَّ يقول: إنَّ علِيّاً أشجع من النبِيِّ، حيث قال: «روي عن الصدوق (طاب ثراه) عن النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) قال: أعطيتُ ثلاثاً، وعليٌّ مشاركي فيها، وأعطي عليٌّ ثلاثةً ولم أشاركه فيها! فقيل: يا رسول الله، وما الثلاث التي شاركك فيها عليٌّ (عليه السلام)؟ قال: لواء الحمد لي، وعليٌّ حامله، والكوثر لي، وعليٌّ ساقيه، والجنَّة والنار لي، وعليٌّ قسيمها. وأمَّا الثلاث التي أعطي عليٌّ ولم أشاركه فيها، فإنَّه أعطي شجاعةً ولم أُعطَ مثله، وأعطي فاطمة الزهراء زوجةً ولم أُعطَ مثلها، وأعطي ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) ولم أُعطَ مثلهما». فهل عليٌّ أشجع من النبِيِّ؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

بدايةً لابدَّ أنْ يعلم السائل بأنَّ عامَّة المسلمين ـ ومنهم شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ـ يعتقدون بأنَّ النَّبِيَّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو أكمل البشر وأفضلهم وأشجعهم، وأنَّه المتقدِّم على الخلق جميعاً في صفات الكمال والفضائل، وهذا من الواضحات التي لا يكاد يقع فيها خلافٌ بين المسلمين.

وعليه، فلو وردنا شيءٌ يخالف ذلك، فإنْ أمكن حمله على وجهٍ مقبولٍ ومتوافقٍ مع الأصول القطعِيَّة تعيَّن المصير إليه، وإلَّا رُدَّ علمه إلى أهله ولم يُعمل به، لكونه مخالفاً لما هو ثابتٌ بالضرورة والوضوح عند المسلمين كافَّةً.

إذا تبيَّن هذا واتضح، فلنا بعض التعليقات نذكرهما ضمن أمورٍ:

الأمر الأوَّل: لقد روى هذه الرواية جمعٌ من علماء الإمامِيَّة (طيَّب الله ثراهم) من دون فقرة الشجاعة المذكورة في نقل السيِّد الجزائريِّ، وإنَّما وردت بلفظ الصهر أو الحمو أو غير ذلك من الألفاظ، مما يُجزم بوقوع التصحيف أو الاشتباه فيما نقله السيِّد الجزائريُّ (طاب ثراه)، نذكر قسماً منه:

1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بإسناده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «يا عليُّ، إنَّك أعطيتَ ثلاثاً لم يُعطَها أحدٌ من قبلك. قلتُ: فداك أبي وأمي، وما أُعطيتُ؟ قال: أعطيتَ صهراً مثلي، وأعطيتَ مثل زوجتك، وأعطيتَ مثل ولديك الحسن والحسين» [عيون أخبار الرضا ج2 ص٥٢].

2ـ وروى الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) بسنده عن عليِّ بن موسى، عن أبيه، عن جدِّه، عن محمَّدِ بن عليٍّ، عن أبيه عليِّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالبٍ (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لِعَلِيٍّ: «يا عليُّ، إنَّك أعطيتَ ثلاثةً ما لم أُعطَ أنا. قلتُ: يا رسول الله، ما أُعطيتُ؟ فقال: أعطيتَ صهراً مثلي ولم أُعطَ، وأعطيتَ زوجتك فاطمة ولم أُعطَ، وأعطيتَ مثل الحسن والحسين ولم أُعطَ» [الأمالي ص٣٤٤].

3ـ وروى الشيخ شاذان بن جبرئيل القمِّيّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «أعطيتُ ثلاثاً وعليٌّ مشاركي فيها، وأعطي عليٌّ ثلاثةً ولم أشاركه فيها. فقيل: يا رسول الله، وما الثلاث التي شاركك فيها عليٌّ (عليه السلام)؟ فقال: لواء الحمد لي وعليٌّ حامله، والكوثر لي وعليٌّ ساقيه، والجنَّة لي وعليٌّ قاسمها. وأمَّا الثلاث التي أعطيتُ علِيّاً ولم أشاركه فيها، فإنَّه أعطي رسول الله صهراً ولم أُعطَ مثله، وأعطى زوجته فاطمة الزهراء ولم أُعطَ مثلها، وأعطي ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) ولم أُعطَ مثلهما» [الفضائل ص١١١، الروضة ص٥٦].

ورواها غيرهم من الأعلام ـ أيضاً ـ من دون لفظ (الشجاعة)، مما يُقطع بوقوع التصحيف أو الاشتباه كما قلنا. [يُنظر: روضة الواعظين ص128، المواعظ العددية ص148، بحار الأنوار ج39 ص90، تنزيه الشيعة ج2 ص103، وغيرها من المصادر الكثيرة].

الأمر الثاني: لو أعرضنا عمَّا تقدَّم وقبلنا به فنقول: لقد عقَّب السيِّد الجزائريُّ (طاب ثراه) الرواية المذكورة بكلامٍ مهمٍّ ـ أخفاه السائل عمداً أو جهلاً ـ بيَّن فيه المراد من تلك الشجاعة الواردة في الحديث، مما يعني تأويله لهذا الحديث بما ينسجم مع القول بشجاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) المطلقة.

فقال ما نصُّه: (ينبغي أنْ يراد بالشجاعة هنا إعمالها وممارسة الحروب والدخول فيها لا مبدؤها، من قوَّة القلب والجرأة على اقتحام الحروب؛ لأنَّ لِلنَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) منها الحظَّ الأوفر. نعم، لَمَّا كان هو الملك والسلطان لم يباشر الحروب بنفسه المباركة بل تصدَّى لها عليٌّ (عليه السلام)) [الأنوار النعمانية ج1 ص١٩].

وتوضيح مرامه (طاب ثراه): أنَّه يرى أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشجع الخلق كافَّةً، ولكنْ لَمَّا كان المباشر لتلك الحروب ـ فعلاً ـ هو أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد صحَّ أنْ يوصف بالأشجع من هذه الجهة وإلَّا فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أشجع الخلق وأكملهم، كما هو واضحٌ.

وبناءً على هذا، فلا يصحُّ قول السائل بأنَّ السيِّد الجزائريَّ يعتقد بأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أشجع من النَّبِيِّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)؛ وذلك لبيانه المراد من تلك الشجاعة، وهي الشجاعة في مقام الحروب ومباشرتها لا مطلقاً.

الأمر الثالث: أنَّ هذه الرواية المنقولة بلفظ (الشجاعة) تخالف ما ثبت ضرورةً من كون النَّبِيِّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) أشجع الخلق؛ ولذلك فلابدَّ من تأويلها بما ينسجم مع هذا الثابت أو ردِّ علمها إلى أهلها وعدم الالتزام بمضمونها.

1ـ روى أحمد بن حنبلٍ بسندٍ صحيحٍ إلى أنسٍ قال: «كان رسول الله أحسن الناس، وأشجع الناس» [مسند أحمد ج20 ص261، ط الرسالة].

2ـ وروى ابن سعدٍ بسنده إلى الحسن قال: «كان رسول الله أجود الناس، وأشجع الناس» [الطبقات الكبرى ج1 ص361].

3ـ وروى ابن شبَّة النميريُّ بسنده إلى أنس بن مالكٍ قال: «ما مسستُ ثوباً ليناً ـ خزاً ولا غيره ـ ألين من كفِّ رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، ولا شممتُ طيباً قطُّ ـ مسكاً ولا عنبراً ـ أطيب من رائحة رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، كان أحسن الناس، وأشجع الناس» [أخبار المدينة ج2 ص615].

4ـ وقال العلَّامة الحلِّيّ (طاب ثراه): (قد أجمع الناس كافَّةً على أنَّ علِيّاً (عليه السلام) كان أشجع الناس بعد النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله)، وتعجَّب الملائكة من حملاته. وفضَّل النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) قتله لعمرو بن عبد ودٍّ على عبادة الثقلين. ونادى جبرائيل: «لا سيف إلَّا ذو الفقار، ولا فتى إلَّا عليٌّ». وروى الجمهور: أنَّ المشركين كانوا إذا أبصروا علِيّاً في الحرب عَهِد بعضهم بعضاً) [نهج الحق وكشف الصدق ص٢٤٤].

إلى غير ذلك مما يدلُّ على أنَّه (صلى الله عليه وآله) كان أشجع الخلق كافَّةً.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ لفظ الشجاعة الوارد في الرواية من التصحيف أو الاشتباه جزماً، وأنَّ ما قاله السائل في حقِّ السيِّد (طاب ثراه) من الافتراء قطعاً، كما تبيَّن تفصيله.. والحمد لله ربِّ العالمين.