هل أخطأ فرويد في فهم وظيفة العبادة؟

السؤال: الطقوس الدِّينِيَّة في جوهرها ليست سوى تكرارٍ عصابيٍّ يشبه إلى حدٍّ مذهلٍ الأفعال القهرِيَّة التي يقوم بها المريض النَّفْسِيُّ لتهدئة قلقه الداخليِّ. في المجتمعات البدائِيَّة، كانت الطقوس الوثنِيَّة وسيلةً سحرِيَّةً لِا للسيطرة على الطبيعة الخارجيَّة.. فرويد

: الشيخ معتصم السيد احمد

الإجابة: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ النظر إلى الشعائر الدِّينِيَّة بوصفها مجرَّد تكرارٍ آليٍّ يكشف عن سوء فهمٍ لِوظيفتها الحقيقِيَّة في حياة الإنسان، فالإنسان ليس كائناً عقلِيّاً محضاً يعيش بالأفكار المجرَّدة، بل هو كائنٌ تتشكَّل شخصِيَّته من الأفكار والمشاعر والعادات والسلوكِيَّات المتكرِّرة. ولهذا فإنَّ جميع المشاريع التربوِيَّة في العالم، سواءٌ كانت دِينِيَّةً أو أخلاقِيَّةً أو وطنِيَّةً أو حتَّى رياضِيَّةً، لا تكتفي بتعليم المبادئ نظرِيّاً، بل تحرص على تحويلها إلى ممارساتٍ متكرِّرةٍ حتَّى تصبح جزءاً من بنية الإنسان الداخلِيَّة.

فالشعائر في الرُّؤية الدِّينِيَّة هي وسائل تربوِيَّةٌ تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الإنسان وربطه بالقيم التي يؤمن بها، فالصلاة ليست حركاتٍ جسدِيَّةً متكرِّرةً، بل عملِيَّة استحضارٍ يومِيَّةً لِمعنى العبودِيَّة والمسؤولِيَّة والحضور الإلهيِّ في الحياة، والصوم ليس امتناعاً آلِيّاً عن الطعام والشراب، بل تدريبٌ عمليٌّ على ضبط الرغبات وتقوية الإرادة. والحجُّ ليس رحلةً طقوسِيَّةً غامضةً، بل تجربةٌ روحِيَّةٌ واجتماعِيَّةٌ تعيد الإنسان إلى المعاني الكبرى التي تجمع البشر أمام الله.

ومن هنا فإنَّ تكرار الشعائر ليس عيباً فيها، بل هو سرُّ فاعلِيَّتها. فالإنسان لا تتغيَّر شخصِيَّته بفكرةٍ يسمعها مرَّةً واحدةً، وإنَّما تتغيَّر بالممارسة المستمرِّة؛ ولذلك نجد أنَّ القرآن نفسه يتحدَّث عن الذكر الدائم والصلاة المستمرِّة والتلاوة المتكرِّرة؛ لأنَّ بناء الإنسان يحتاج إلى التكرار تماماً كما يحتاج الجسد إلى الطعام المتكرِّر والرياضة المتكرِّرة.

بعد فهم هذه الحقيقة، يصبح تشبيه الشعائر الدِّينِيَّة بالوسواس القهريِّ تشبيهاً مضلِّلاً؛ لأنَّه يخلط بين نوعين مختلفين تماماً من السلوك. فالمريض بالوسواس القهريِّ يقوم بأفعالٍ متكرِّرةٍ تحت ضغطٍ نَفْسِيٍّ لا يستطيع مقاومته، ويعتقد أنَّ تركها سيؤدِّي إلى كارثةٍ أو خطرٍ ما، مع أنَّه لا يملك تفسيراً عقلانِيّاً لذلك، أما المؤمن فإنَّه يمارس شعائره عن وعيٍ واختيارٍ، ويفهم الغاية منها، ويعتبرها جزءاً من مشروعٍ أخلاقيٍّ وروحيٍّ متكاملٍ.

ومن هنا يمكن فهم الخلل في المقولة المنسوبة لِفرويد، فهو لم ينطلق من دراسةٍ موضوعِيَّةٍ لِلدِّين بقدر ما انطلق من افتراضٍ فلسفيٍّ مسبقٍ يرى أنَّ الإنسان محكومٌ أساساً برغباته ومخاوفه اللاواعية، ثمَّ حاول تفسير الدِّين في ضوء هذا الافتراض؛ ولذلك تعامل مع التديُّن بوصفه امتداداً نفسِيّاً لِحاجة الإنسان إلى الأمان والحماية، لا بوصفه استجابةً لِاحتمال وجود حقيقةٍ متعالِيةٍ خارج الإنسان.

ثمَّ إنَّ تاريخ علم النَّفْس نفسه لا يساعد كثيراً على قبول هذه الدعوى بوصفها حقيقةً علمِيَّةً. فنظرِيَّات فرويد لم تعد تُعامل اليوم باعتبارها قوانين علمِيَّةً ثابتةً، بل باعتبارها اجتهاداتٍ تفسيرِيَّةً تعرَّضت لِنقدٍ واسعٍ حتَّى داخل المدارس النفسِيَّة الحديثة. ولذلك، فإنَّ الاستناد إلى فرويد هنا لا يعدو كونه استناداً إلى رؤيةٍ فلسفِيَّةٍ معيَّنةٍ لِلإنسان والدِّين، لا إلى حقيقةٍ علمِيَّةٍ محسومةٍ.

وفي المحصِّلة، فإنَّ الخلل الجوهريَّ في هذا الطرح أنَّه اختزل الشعائر الدِّينِيَّة في جانبها الشكليِّ، وأغفل وظيفتها التربوِيَّة والأخلاقِيَّة والروحِيَّة، فوجود التكرار لا يجعل العبادة وسواساً، كما أنَّ وجود النظام والانضباط لا يجعل التربية مرضاً نفسِيّاً. والشعائر في جوهرها وسيلةٌ لِصناعة الإنسان؛ ولهذا بقيت حاضرةً في حياة الأمم عبر التاريخ بوصفها أدواتٍ لِبناء المعنى والهوِيَّة والانضباط الذاتيِّ، لا بوصفها أعراضاً مرضِيَّةً كما تصوَّر فرويد.