هل الإسلام هو التطرف؟

السؤال: لا أرى فرقاً بين الإسلام والإسلام المتطرف، لو قضينا على التطرف وأبقينا على جذور الدين سينمو منها التطرف من جديد. بعض الليبراليين يدافعون عن الإسلام ويلقون باللوم على المتطرفين، لكن الإسلام نفسه هو المشكلة، يضطهد النساء ويُعادي الديمقراطية وينتهك حقوق الإنسان. تسليمة نسرين

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام في الحقيقة قائمٌ على مغالطةٍ كبيرةٍ وهي: تحويل مشكلةٍ معقّدةٍ اسمها التطرف إلى حكمٍ كسولٍ اسمه «الإسلام هو المشكلة».

وهذه طريقةٌ مريحةٌ جداً؛ لأنَّها تعفي صاحبها من دراسة التاريخ، ومن فهم النصوص، ومن التمييز بين الدين والتديُّن، وبين الأصل والتأويل، وبين الفكرة واستعمالاتها السياسية والاجتماعية.

حين يقال: «لا أرى فرقاً بين الإسلام والإسلام المتطرف»، فهذا القول لا يقدم تحليلاً، وإنَّما يلغي التحليل من أساسه؛ لأنَّ أول خطوةٍ في الفهم هي التمييز، فإذا ألغينا الفروق بين الإسلام وكل أشكال قراءته المتطرفة، فلماذا لا نلغي الفروق أيضاً بين القومية والنازية؟ وبين العلمانية والاستبداد العلماني؟ وبين الحداثة والاستعمار؟ وبين الديمقراطية والحروب التي شنت باسم نشر الديمقراطية؟ وبين الحرية والفوضى الأخلاقية؟ وبين النسوية والعداء المرضي للأسرة والدين؟

من السهل جداً أنْ نأخذ أسوأ نسخةٍ من أي فكرةٍ ثمَّ نقول: هذه هي حقيقتها، لكن هذا ليس نقداً، بل تشويهٌ انتقائيٌّ.

المشكلة الأساسية في هذا الكلام أنّه يتعامل مع الإسلام ككتلةٍ واحدةٍ جامدةٍ، وكأنَّ ملياراً ونصف مليار مسلمٍ عبر القرون كانوا نسخةً واحدةً من جماعةٍ متطرّفةٍ واحدةٍ! وهذا تبسيطٌ فاضحٌ، فالإسلام الذي أنتج مدارس في الفقه والكلام والفلسفة والعرفان والأخلاق واللغة والتفسير، والإسلام الذي أسّس حضاراتٍ ومعارف ومؤسّساتٍ خيريّةً ووقفيّةً وتعليميّةً، والإسلام الذي وجد فيه الملايين معنىً للرحمة والعدل والتوبة والمسؤوليّة، لا يمكن اختزاله في صورة مسلحٍ غاضبٍ أو جماعةٍ متطرفةٍ.

نعم، يوجد تطرّفٌ دينيٌّ، ويوجد فقهٌ متشدّدٌ، ويوجد توظيفٌ سياسيٌّ للدين، ويوجد ظلمٌ يمارس باسم الإسلام، ولا يصحّ إنكار ذلك، ولكن الاعتراف بوجود المرض شيءٌ، واتّهام أصل الحياة بأنَّه مرضٌ شيءٌ آخر، وجود طبيبٍ قاتلٍ لا يعني أنَّ الطب جريمةٌ، ووجود قاضٍ ظالمٍ لا يعني أنَّ العدالة وهمٌ. ووجود متدينٍ متطرفٍ لا يعني أنَّ الدين في جوهره تطرفٌ.

أما عبارة: «لو قضينا على التطرف وأبقينا على جذور الدين سينمو منها التطرف من جديد»، فهي عبارةٌ بلاغيةٌ أكثر منها فكرةً علميةً؛ لأنَّ التطرف لا ينمو من «الدين» وحده، بل ينمو من خليطٍ معقدٍ: جهلٍ، استبدادٍ، فقرٍ، صراعٍ سياسيٍّ، توظيفٍ سلطويٍّ، قراءةٍ حرفيةٍ مغلقةٍ، غياب العدالة، انهيار التعليم، وذاكرةٍ تاريخيةٍ مثقلةٍ بالعنف. والدليل أنَّ التطرف لا يظهر عند المسلمين وحدهم. لقد ظهرت أشكالٌ من التطرف والعنف في بيئاتٍ دينيةٍ وغير دينيةٍ، في مجتمعاتٍ مؤمنةٍ وملحدةٍ، في دولٍ تقليديةٍ وحديثةٍ، وفي مشاريع رفعت شعار الإله ومشاريع أعلنت موت الإله.

فإنْ كان وجود التطرف كافياً لإدانة أصل الدين، فوجود العنف في التجارب العلمانية كافٍ لإدانة أصل العلمانية، ووجود الاستعمار في الحداثة كافٍ لإدانة أصل الحداثة، ووجود النازية في أوروبا كافٍ لإدانة العقل الأوروبي كله، ولكنَّنا لا نقبل هذا المنطق؛ لأنه منطقٌ بدائيٌّ. فلماذا يصبح مقبولاً فقط عندما يكون المستهدف هو الإسلام؟

ثمَّ إنَّ القول بأنَّ الإسلام «يضطهد النساء» تعميمٌ لا يصمد أمام النظر الجاد.

نعم، هناك مجتمعاتٌ مسلمةٌ ظلمت المرأة، وهناك أعرافٌ قبليةٌ لبست ثوب الدين، وهناك فتاوى ضيقةٌ جعلت المرأة سجينة قراءةٍ ذكوريةٍ قاسيةٍ، لكن هل هذا هو الإسلام كله؟ هل الإسلام الذي جعل المرأة مخاطبةً بالتكليف، ومالكةً لذمتها المالية، وذات حقٍّ في الإرث، والزواج، والرفض، والمطالبة، والتعليم، والمسؤولية الأخلاقية، يمكن اختزاله في ممارسات مجتمعاتٍ متخلفةٍ؟

النقاش الحقيقي ليس: هل يوجد ظلمٌ للمرأة في مجتمعاتٍ مسلمةٍ؟ نعم، يوجد. بل السؤال: هل هذا الظلم نابعٌ من جوهر الإسلام، أم من تداخل الدين مع العرف والسلطة والجهل والقراءات المتشددة؟ وهنا يظهر الفرق بين الباحث الجاد والناشط الغاضب.

الباحث يفكّك ويقارن ويميز، أمّا الغاضب فيجمع كل شيءٍ في سلةٍ واحدةٍ ثمَّ يعلن الحكم النهائي.

وأما اتهام الإسلام بأنه «يعادي الديمقراطية»، فهو أيضاً يحتاج إلى تحريرٍ، الديمقراطية بصورتها الفلسفية والسياسية الحديثة ليست مفهوماً بسيطاً واحداً، وليست كل تطبيقاتها ملائكيةً. وإذا كان المقصود بالديمقراطية حق الأمة في منع الاستبداد، ومحاسبة السلطة، وصيانة الكرامة العامة، ورفض الطغيان، فهذه القيم لا تعادي روح الإسلام، بل يلتقي معها الإسلام في أصل رفض الظلم والاستبداد والاستعباد. أما إذا كان المقصود بالديمقراطية أنْ يصبح الإنسان إلهاً يشرّع لنفسه بلا حقٍّ ولا ضابطٍ ولا قيمةٍ عليا، فهنا يقع الخلاف الفلسفي، لا لأنَّ الإسلام يحب الطغيان، بل لأنه لا يرى الإنسان مالكاً مطلقاً للحقيقة والأخلاق.

والفرق كبيرٌ بين أنْ ينتقد الإسلام بعض الأسس الفلسفية للحداثة الغربية، وبين أنْ يكون عدواً للعدل والكرامة والمشاركة.

الإسلام لا يقدّس الاستبداد، ولا يجعل الظالم وكيلاً عن الله، ولا يعطي الحاكم رخصةً لسحق الناس، بل من صميم الرؤية الإسلامية أنَّ السلطة أمانةٌ ومسؤوليةٌ، وأنَّ الظلم من أكبر الكبائر، وأنَّ كرامة الإنسان ليست منحةً من الدولة، بل أصلٌ إلهيٌّ في الخلق والتكليف.

أما «حقوق الإنسان»، فهي عبارةٌ جميلةٌ، لكنها ليست بريئةً دائماً في الواقع السياسي المعاصر، فكم من دولةٍ رفعت شعار حقوق الإنسان ثمَّ دعمت الاحتلال، وساندت الطغاة، وبررت قتل الأطفال، وصمتت عن المجازر إذا كان الضحية من خارج ناديها الحضاري؟ فهل المشكلة في حقوق الإنسان ذاتها أم في التوظيف الانتقائي لها؟ إذا كنا نميز هنا بين المبدأ واستعماله السياسي، فلماذا لا نميز بين الإسلام واستعماله المتطرف؟

الذي تفعله هذه المقولة أنها تمنح التطرف هديةً مجانيةً؛ لأنَّ المتطرف يقول: أنا الإسلام الحقيقي، وتأتي تسليمة نسرين لتقول له: نعم، أنت الإسلام الحقيقي، وهكذا يلتقي الطرفان من حيث لا يشعران: المتطرف يريد احتكار الإسلام، والعدو المتحمس للإسلام يمنحه هذا الاحتكار، أما المسلم العاقل الذي يقول إنَّ الإسلام أوسع من قراءة العنف، وأعمق من فقه الكراهية، وأرحم من عقلية القتل، فيجد نفسه محاصراً بين متطرفٍ يسرق دينه، وخصمٍ يريد أنْ يصدّق المتطرف لأنه يخدم أطروحته.

وهنا تكمن المفارقة: من يزعم أنه يحارب التطرف، لكنه يساوي بين الإسلام والتطرف، هو عملياً ينسف كل إمكانيةٍ داخليةٍ لإصلاح الفهم الديني. لأنه يقول للمسلمين المعتدلين والمصلحين والعقلاء: لا قيمة لكم، أنتم مجرد قناعٍ. وهذا الكلام لا يضعف التطرف، بل يقويه؛ لأنه يدفع الناس إلى الشعور بأنَّ الحرب ليست على العنف، بل على الإسلام نفسه.

النقد الجاد للتطرف يجب أنْ يفرّق بين النص وفهم النص، بين الدين والسلطة، بين الشريعة والقراءة المتعصبة، بين الإيمان والوحشية، بين التدين الحقيقي والتدين المريض. أما النقد الذي يقول: «الإسلام كله مشكلة»، فهو لا يحارب التطرف، بل يستبدل تطرفاً بتطرفٍ آخر؛ تطرفٌ دينيٌّ يقول لا فرق بيني وبين الإسلام، وتطرفٌ مضادٌّ يقول لا فرق بين الإسلام وبين المتطرفين.

والحقيقة أنَّ المشكلة ليست في وجود دينٍ يطلب من الإنسان أنْ يعبد الله، ويعدل، ويرحم، ويزكي نفسه، ويحاسب شهوته، ويمنع الظلم، ويحفظ الأسرة، ويصون الضعيف. المشكلة في عقلٍ يكره الدين إلى درجة أنه لا يريد أنْ يرى فيه إلا نسخةً مشوهةً، ولا يريد أنْ يسمع من المسلمين إلا صوت أكثرهم غلواً، ثمَّ يقول بعد ذلك: هذا هو الإسلام.

الإسلام لا يُحاكم من خلال داعش، كما لا تُحاكم الحداثة من خلال هيروشيما، ولا العلم من خلال القنبلة النووية، ولا الديمقراطية من خلال غزو العراق، ولا الليبرالية من خلال دعم الاستعمار، ولا الإلحاد من خلال أنظمة القمع التي رفعت شعاراتٍ ماديةً. الأفكار الكبرى تُحاكم بأصولها ومبادئها ومنظومتها الكاملة، لا بأبشع من انتسب إليها.

نعم، نحن نحتاج إلى نقدٍ دينيٍّ جادٍّ، وإلى مراجعة قراءاتٍ متشددةٍ، وإلى مواجهة فتاوى صنعت القسوة، وإلى شجاعةٍ في الاعتراف بأنَّ بعض الخطابات الدينية أنتجت بيئةً صالحةً للتطرف، لكن هذا شيءٌ، واتهام الإسلام نفسه بأنه أصل المرض شيءٌ آخر. الأول إصلاحٌ، والثاني كراهيةٌ مغلفةٌ بلغةٍ حقوقيةٍ.

وفي المحصلة، القول: «لا فرق بين الإسلام والإسلام المتطرف» ليس شجاعةً فكريةً، بل عجزٌ عن التفريق، ومن لا يرى الفرق بين الدين والمتطرف، بين الإيمان والعنف، بين القرآن وقراءة القاتل، بين أمةٍ واسعةٍ وجماعةٍ مغلقةٍ، فمشكلته ليست مع الإسلام فقط، بل مع أبسط قواعد التفكير.

التطرف لا يُهزم بتشويه الإسلام، بل باستعادة الإسلام من أيدي المتطرفين. ولا يُهزم بإهانة عقائد الناس، بل ببناء وعيٍ يميز بين القداسة والاستغلال، وبين النص والتأويل، وبين الحق والشعار.

أما تحويل الإسلام كله إلى متّهمٍ واحدٍ، فهو لا يصنع عالماً أكثر إنسانيّةً، بل يصنع عداءً أعمى لا يقلّ سطحيّةً عن التطرّف الذي يزعم محاربته. والحمد لله رب العالمين.