هل تكشف حادثة الإفك عن بشرية الوحي؟

السؤال: اشتراطات ثبوت الزِّنا دليل بشريَّة الصَّوت القرآنيّ!! من الشَّواهد الحاسمة الّتي تؤكِّد أنّ أصوات الرَّسول القرآنيَّة لم تصدر عن جهةٍ ماورائيَّةٍ عليا لها إحاطةٌ وإشرافٌ تامَّان على كلِّ دقائق الكون وتفاصيله: أنَّها كانت تنطلق وفق قانون المحاولة والخطأ، والفعل وردَّة الفعل. وعلى سبيل المثال لا الحصر: لولا الطَّعن في شرف السَّيِّدة عائشة في حادثة الإفك المعروفة، وحيرة الرَّسول الشَّديدة في هذا الموضوع، واستشارته لعليٍّ وغيره، وانتظار حسم القضيَّة مدَّةً طويلةً حتَّى نقاؤها [مع أنّ النَّقاء لازمٌ أعمّ]، لما شهدنا مثل هذا الحكم المطوَّر لموبقة الزِّنا والقذف، ولا لهذه الاشتراطات الشَّديدة والتَّعجيزيَّة الّتي أُحيطت بها. إذ لو كانت هذه الأصوات القرآنيَّة صادرةً عن جهةٍ عليا لها إحاطةٌ وإشرافٌ تامٌّ بكلِّ تفاصيل الوجود، لما تردَّدت وتأخَّرت، ولأصدرت حكم الزِّنا والقذف بهذه الصِّيغة قبل وقوع الحادثة خارجاً أصلاً، بحيث لا تنتظر حصول موبقةٍ من هذا القبيل، وما يرافقها من لغطٍ واضطرابٍ اجتماعيٍّ ونفسيٍّ، ثمَّ تتدخَّل لاحقاً لإصدار الحكم المناسب لها. إنّ فكرة أسباب النُّزول بنفسها شاهدٌ واضحٌ على أنّ القرآن كان منفعلاً لا فاعلاً، ويتغيَّر تبعاً للفواعل، ويتبدَّل تبعاً للطَّوارئ والأحداث، وهذا ما يجعله متناغماً مع مزاج الرَّسول ومتماهياً مع رغباته وقناعاته وظروفه. ولهذا نصَّت عائشة نفسها ـ كما في الصَّحيح ـ بقولها: «ما أرى ربَّكِ إلَّا يسارع في هواك»؛ وهي عبارةٌ تختزل في داخلها دلالةً عميقةً جدّاً على طبيعة العلاقة بين الحدث الخارجيِّ والصَّوت القرآنيِّ. فتدبَّر كثيراً كثيراً.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الدعوى لا تكشف عن مشكلةٍ في القرآن بقدر ما تكشف عن خللٍ في منهج الاستدلال نفسه؛ لأنَّها تقوم على مغالطةٍ واضحةٍ تتمثل في اختراع صورةٍ متخيَّلةٍ للوحي الإلهيّ، ثمَّ اعتبار كلِّ ما لا ينسجم مع هذه الصورة دليلاً على بشريَّة القرآن.

فالمعترض يتصرَّف وكأنَّه يملك معرفةً مسبقةً بكيفيَّة تصرُّف الله وكيف يجب أن ينزل الوحي ومتى ينبغي أن تُشرَّع الأحكام، ثمَّ يجعل هذا التصوُّر الشخصيّ معياراً للحكم على النصِّ.

والحال أنّ السؤال الحقيقيَّ ليس: لماذا نزل هذا الحكم بعد الحادثة؟ بل: ما الدليل على أنّ الوحي الإلهيّ يجب أن ينزل قبل الحادثة أصلاً؟ فإن عجز عن إثبات هذا الأصل سقط الاستدلال من أساسه، لأنّ النتيجة حينئذٍ لا تكون أكثر من تعبيرٍ عن توقُّعات المعترض الخاصَّة، لا عن حقيقة الوحي أو طبيعته.

أمَّا إذا دخلنا في تفاصيل الدعوى فسوف نجد أنَّها تعاني من عدَّة مشكلاتٍ جوهريَّةٍ:

أوّلاً: أنّ الكاتب يفترض أنّ حكم الزِّنا والقذف واشتراط الشهود الأربعة قد وُضع بسبب حادثة الإفك، بينما هذا غير صحيحٍ تاريخيّاً؛ فالقرآن تحدَّث عن حدِّ القذف في سورة النور بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]، وجاءت آيات الإفك بعد ذلك في السياق نفسه، مما يدلُّ على أنّ حادثة الإفك لم تكن هي التي أوجدت أصل الفكرة من العدم، بل جاءت الآيات لمعالجة الواقعة وتأكيد القاعدة وحماية المجتمع من الانفلات الأخلاقيّ والإعلاميّ.

بل إنّ اشتراط أربعة شهودٍ ليس تشريعاً مستغرباً أو طارئاً فرضته أزمةٌ عابرةٌ، وإنَّما هو جزءٌ من فلسفةٍ قانونيَّةٍ واضحةٍ تقوم على أنّ جريمة الزِّنا لا تثبت بمجرَّد الشائعات والظنون والاتِّهامات الشخصيَّة، لأنّ المسألة تتعلَّق بالأعراض والكرامات والأسر والمجتمع كلِّه. ولو كان الهدف مجرَّد تسهيل الإدانة لكان يكفي شاهدان كما في كثيرٍ من المعاملات الماليَّة، لكنّ التشريع اتَّجه في الاتِّجاه المعاكس تماماً، لأنّ المقصود حماية المجتمع من تحويل الاتِّهامات الجنسيَّة إلى سلاحٍ لتدمير الناس. ومن هنا فإنّ وصف الشرط بأنَّه «تعجيزيّ» يكشف عدم فهم وظيفة التشريع؛ فالتشريع لا يريد تشجيع الناس على التجسُّس واقتحام البيوت من أجل إثبات الزِّنا، بل يريد أن يجعل الأصل هو الستر، وأن لا يثبت الحدُّ إلَّا في حالات المجاهرة الواضحة التي يراها عددٌ من الشهود رؤيةً لا تحتمل الشكَّ.

وثانيّاً: القول: «لو كان الله يعلم المستقبل لأصدر الحكم قبل الحادثة» لا يثبت شيئاً؛ فالعلم بالشيء شيءٌ، واختيار وقت إعلان الحكم شيءٌ آخر، فالطبيب مثلاً قد يعلم أنّ ابنه سيحتاج دواءً معيَّناً بعد شهرٍ، لكنَّه لا يعطيه الدواء اليوم قبل ظهور المرض. وكذلك المعلِّم قد يعلم مسبقاً أنّ طلابه سيخطئون في نقطةٍ معيَّنةٍ، لكنَّه يؤخِّر الشرح إلى اللحظة التعليميَّة المناسبة، فهل يدلُّ ذلك على جهل الطبيب أو المعلِّم؟ فالمسألة ليست مسألة علمٍ أو جهلٍ، بل مسألة حكمةٍ في توقيت البيان. فالله يعلم الحدث قبل وقوعه، لكنّ هذا لا يعني أنّ الحكمة تقتضي دائماً إعلان كلِّ الأحكام قبل وقوع الأحداث.

وثالثاً: ما يُسمَّى بأسباب النُّزول ليس دليلاً على بشريَّة القرآن، بل هو دليلٌ على ارتباط الوحي بالواقع الإنسانيِّ؛ فالقرآن لم ينزل كتاب فلسفةٍ مجرَّداً معزولاً عن الحياة، وإنمَّا نزل ليقود مجتمعاً حقيقيّاً يعيش مشكلاتٍ حقيقيَّةً. ولهذا كان من الطبيعيِّ أن يجيب عن أسئلة الناس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 220].

فهل يعني ذلك أنّ الله لم يكن يعلم هذه الأسئلة إلَّا بعد أن سُئلت؟ أم أنّ الوحي اختار أن يجعل السؤال مناسبةً للتعليم والتربية؟ الجواب واضحٌ.

وبنفس المنطق، فإنّ نزول الآيات في سياق حادثة الإفك لا يدلُّ على أنّ الوحي فُوجِئ بها، بل يدلُّ على أنَّه أراد تحويل الحادثة إلى درسٍ تربويٍّ وتشريعيٍّ دائمٍ للأمَّة.

ورابعاً: أمَّا استشارة النبيِّ (صلى الله عليه وآله) لبعض أصحابه وانتظاره نزول الوحي، فهي في الحقيقة حجَّةٌ على المعترض لا له؛ لأنّ النبيَّ لم يدَّعِ امتلاك علم الغيب المطلق من نفسه، ولم يصدر حكماً متسرِّعاً يوافق هواه أو يدافع عن أهله بمجرد القرابة، بل بقي ملتزماً بالمعايير الشرعيَّة حتَّى نزل الوحي. فلو كان القرآن صناعةً بشريَّةً كما يزعم المعترض، لكان أسهل شيءٍ على النبيِّ أن يحسم القضيَّة فوراً لصالح زوجته دون انتظارٍ مؤلمٍ استمرَّ فترةً طويلةً.

وخامساً: وأمَّا التمسُّك بقول عائشة: «ما أرى ربَّكِ إلَّا يسارع في هواك» فلا ينهض دليلاً على بشريَّة الوحيّ، بل هو ـ لو أُخذ على ظاهره ـ إدانةٌ لقائلته قبل أن يكون إدانةً لغيرها؛ لأنَّه يتضمَّن اتِّهاماً صريحاً للنبيِّ (صلى الله عليه وآله) بأنّ الوحي كان خاضعاً لرغباته الشخصيَّة، وهو طعنٌ في أصل النبوَّة لا يقبله مسلمٌ. ومن ثمَّ فإنّ هذه العبارة ليست برهاناً تاريخيّاً ولا عقليّاً، وإنَّما مجرَّد دعوى منسوبةٍ إلى عائشة، وصحَّة الدعوى هي عين ما يحتاج إلى إثباتٍ. ولذلك فإنّ الاحتجاج بها لا يخرج عن كونه استدلالاً بالاتِّهام على صحَّة الاتِّهام، وهو دورٌ منطقيٌّ لا قيمة برهانيَّة له.

وفي المحصّلة، يقوم هذا الإشكال على فهمٍ خاطئٍ لطبيعة الوحيّ؛ إذ يتعامل معه وكأنَّه كتاب قانونٍ يُفترض أن ينزل دفعةً واحدةً قبل وقوع الأحداث، بينما القرآن قدَّم نفسه بوصفه مشروع هدايةٍ وتربيةٍ نزل لمرافقة الواقع وتوجيهه. ولذلك فإنّ نزول الآيات عند وقوع الحوادث لا يدلُّ على أنّ القرآن كان تابعاً للأحداث، بل على أنَّه كان يحوِّلها إلى دروسٍ وتشريعاتٍ دائمةٍ.

بل لو كان القرآن انعكاساً لرغبات النبيِّ (صلى الله عليه وآله)، لظهرت هذه النزعة بوضوحٍ في حادثةٍ تمسُّ شرف بيته مباشرةً، ومع ذلك لم نرَ حكماً انفعاليّاً أو انتقاماً شخصيّاً، وإنَّما تشريعاً عامّاً أصبح قاعدةً ثابتةً للأمَّة. ومن هنا فإنّ حادثة الإفك لا تكشف عن بشريَّة الوحيّ، بل تكشف عن منهجه في معالجة الواقع بالحكمة والتشريع والهداية.