هل يفقد القرآن عالميته بسبب سياقه التاريخي؟
السؤال: ارتباط بعض الآيات بأحداثٍ شخصيَّةٍ أو أسئلةٍ عابرةٍ أو صراعاتٍ محلِّيَّةٍ داخل المجتمع البدويِّ، مثل: عدَّة المطلَّقة، ومجادلة امرأةٍ، أو سؤالٍ عن الرُّوح، وذي القرنين، وأصحاب الكهف، أو تحريم التبنِّي، أو حادثة الإفك، وتحويل القبلة.. ومفهوم النَّاسخ والمنسوخ وإبطال حكم آيةٍ بآيةٍ أخرى، كلُّ هذا يعطي النَّصَّ طابعاً محلِّيّاً وليس نصّاً عالميّاً عابراً للزَّمان والمكان. تخيَّل أنّ اليهود سألوا عن قصَّة أصحاب الكهف المدوَّنة في سفر دانيال ورغم تأخُّره في جوابهم لأنَّه لم يقل (إنْ شاء الله) - بحسب زعمه -، ولكن كان جوابه مقتبساً من القصَّة الّتي ألَّفها سروج اليعقوبيُّ قبل الإسلام بقرنٍ واحدٍ لغرض الموعظة، ولذلك أنكر اليهود نبوَّته. من أروع ما قالت قريشٌ: لن نؤمن لك حتَّى تفجِّر لنا من الأرض ينبوعاً. إذ كان بإمكان الله أنْ يضرب عصفورين بحجرٍ واحدٍ؛ أوَّلاً يثبت صدق دعوته والثَّاني أنْ يشطف به. بدلاً من الاستنجاء بالحجارة، وبهذا فقد خذل الله نبِيَّه وأضاع الفرصة الذَّهبِيَّة لإثبات نبوَّته بلا قتالٍ.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الإشكال - في حقيقته - خليطٌ من دعاوى متعدِّدةٍ جُمعت معاً لإعطاء انطباعٍ بوجود مشكلةٍ كبيرةٍ، بينما هي عند التَّحليل تعود إلى افتراضٍ واحدٍ خاطئٍ، وهو أنّ النَّصَّ الإلهيّ لكي يكون عالميّاً يجب أنْ يكون منفصلاً عن الواقع، وألَّا يتناول أحداثاً معيَّنةً أو أسئلةً محدَّدةً أو مشكلاتٍ اجتماعِيَّةً خاصَّةً. وهذا الافتراض نفسه هو موضع الخلل.
فلو فتحنا أيَّ دستورٍ أو قانونٍ أو فلسفةٍ أو رسالةٍ إصلاحِيَّةٍ عظيمةٍ في التَّاريخ لوجدنا أنَّها نشأت في سياقٍ محدَّدٍ وعالجت مشكلاتٍ محدَّدةً، لكنّ قيمتها لا تُقاس بالمناسبة الّتي وُلدت فيها، بل بالمبادئ الّتي أرستها والقدرة الّتي تمتلكها على تجاوز زمانها ومكانها. فهل أصبحت الدِّيمقراطِيَّة غير عالمِيَّةٍ لأنَّها نشأت في ظروفٍ تاريخِيَّةٍ معيَّنةٍ؟ وهل فقدت الماركسِيَّة طابعها العالميَّ لأنَّها جاءت استجابةً لظروف أوروبا الصِّناعِيَّة؟ وهل تحوَّلت نظريَّات حقوق الإنسان إلى أفكارٍ محلِّيَّةٍ لأنَّها وُلدت في سياقاتٍ سياسِيَّةٍ خاصَّةٍ؟ إذا كان الجواب بالنَّفي، فلماذا يصبح ارتباط بعض الآيات بحوادث معيَّنةٍ دليلاً على محلِّيَّتها؟
الحقيقة أنّ العالميَّة لا تعني أنْ يخلو النَّصُّ من الوقائع، بل أنْ يحوِّل الوقائع إلى مبادئ تتجاوز حدودها الأولى؛ فالقرآن لم يتحدَّث عن حادثة الإفك بوصفها قصَّةً عائلِيَّةً تخصُّ أشخاصاً ماتوا وانتهى أمرهم، بل حوَّلها إلى تشريعٍ دائمٍ يحكم قضايا القذف والسمعة والأعراض إلى يوم القيامة. ولم يتحدَّث عن تحويل القبلة بوصفه خلافاً جرافيّاً حول اتِّجاه الصَّلاة، بل بوصفه اختباراً للهوِيَّة والاستقلال الحضاريِّ والطَّاعة. ولم يعالج قضيَّة التبنِّي بوصفها مشكلةً شخصِيَّةً تخصُّ زيداً، بل أعاد بناء مفهوم النَّسب والأسرة والحقوق الاجتماعِيَّة. ولم يذكر مجادلة امرأةٍ لأنَّها امرأةٌ مجهولةٌ من القرن السابع، بل لأنَّه أراد تقرير مبدأ أنّ شكوى المظلوم وصرخته محلُّ عناية الله مهما كان موقعه الاجتماعِيُّ. وهنا تكمن العالميَّة الحقيقيَّة.
أمَّا الاستدلال بالنَّاسخ والمنسوخ فهو أضعف من ذلك كلِّه؛ لأنّ النَّسخ لا يدلُّ على الجهل أو التَّردُّد، بل يدلُّ على انتقال المجتمع من مرحلةٍ إلى أخرى وفق خطَّةٍ تشريعِيَّةٍ مقصودةٍ. فالطَّبيب الّذي يغيِّر جرعة الدَّواء مع تطوُّر حالة المريض لا يكون جاهلاً، والمربِّي الّذي ينتقل بطلّابه من مستوىً إلى مستوىً أعلى لا يكون متناقضاً. ولذلك فإنّ التَّدرُّج التشريعِيَّ لا يناقض العلم المسبق، بل يفترضه.
وأمَّا قصَّة أصحاب الكهف وذي القرنين والسُّؤال عن الرُّوح، فإنّ مجرَّد وجود تشابهٍ بين قصَّةٍ قرآنِيَّةٍ وبعض المروِيَّات السَّابقة لا يثبت الاقتباس أصلاً. فهذا استدلالٌ مشهورٌ بمغالطة «التَّشابه يساوي النَّقل»؛ إذ ليس كلُّ اتِّفاقٍ بين روايتين دليلاً على أنّ إحداهما أخذت من الأخرى، وإلَّا لوجب اعتبار جميع الرِّوايات التاريخِيَّة المتشابهة في العالم عملِيَّات اقتباسٍ متبادلٍ. وفوق ذلك، فإنّ القرآن لم يقدِّم نفسه بوصفه كتاباً يروي الأخبار للتَّسلية، بل بوصفه مصحِّحاً ومهيمناً على ما سبقه من التُّراث الدِّينيِّ. ولذلك فإنّ وجود أصلٍ للقصَّة في تراثٍ سابقٍ لا يمثِّل مشكلةً للقرآن من الأساس، لأنّ القرآن نفسه يقرُّ بوجود أنبياء ورسالاتٍ وذاكرةٍ دِينِيَّةٍ سابقةٍ.
أمَّا الادِّعاء بأنّ اليهود أنكروا نبوَّته بسبب قصَّة أصحاب الكهف، فهو مجرَّد دعوى لا دليل عليها؛ فالقرآن نفسه يذكر أنّ كثيراً من أهل الكتاب كانوا يعرفون النَّبِيَّ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، وأنّ أسباب الرَّفض كانت أعقد بكثيرٍ من مجرَّد سؤالٍ تاريخيٍّ حول فتية الكهف.
وأمَّا قول قريشٍ الّذي حكاه القرآن: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: 90]، فهو يكشف سوء فهمٍ لطبيعة النبوَّة أكثر ممَّا يكشف مشكلةً في القرآن؛ لأنّ المعترض يفترض أنّ وظيفة النَّبِيِّ هي إكراه النَّاس على الإيمان عبر الخوارق المادِّيَّة كلَّما طلبوا ذلك، لكنّ القرآن يرفض هذا المنطق من أساسه. فالمعجزة في الرُّؤية القرآنِيَّة ليست لعبةً استعراضِيَّةً تُقدَّم استجابةً لكلِّ طلبٍ، وإلَّا لما بقي للاختيار الإنسانيِّ أيُّ معنىً.
ولهذا نجد أنّ الأمم السَّابقة نفسها شاهدت معجزاتٍ أعظم بكثيرٍ من تفجير ينبوع ماءٍ؛ فرعون رأى انقلاب العصا إلى حيَّةٍ وانفلاق البحر، ومع ذلك لم يؤمن. وبنو إسرائيل رأوا آياتٍ لا تُحصى ثمَّ عبدوا العجل. فالمشكلة لم تكن في نقص الأدِلَّة، بل في إرادة الرَّفض نفسها.
ومن هنا فإنّ قول المعترض: «لقد ضيَّع الله فرصةً ذهبِيَّةً لإثبات النبوَّة»، يكشف تصوُّراً ساذجاً لطبيعة الإيمان؛ لأنَّه يفترض أنّ المشكلة كانت نقص الأدِلَّة، بينما يؤكِّد التَّاريخ الدِّينيُّ والإنسانيُّ كلُّه أنّ كثيراً من النَّاس لا يرفضون الحقَّ بسبب غياب الدَّليل، بل بسبب المصالح والأهواء والتَّعصُّب والمكابرة.
وفي المحصِّلة، فإنّ ارتباط القرآن بأحداثٍ وأسئلةٍ ووقائع معيَّنةٍ لا يدلُّ على محلِّيَّته، بل على العكس تماماً؛ إذ يكشف عن منهجه في تحويل الوقائع الجزئِيَّة إلى مبادئ كلِّيَّةٍ، والحوادث العابرة إلى تشريعاتٍ وقيمٍ دائمةٍ. وهذه ليست علامة نصٍّ محلِّيٍّ محدودٍ بزمنه، بل علامة رسالةٍ استطاعت أنْ تبدأ من واقعٍ معيَّنٍ ثمَّ تتجاوز ذلك الواقع لتخاطب الإنسان بوصفه إنساناً في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
اترك تعليق