هل تعيش المرأة المتدينة أزمة مع الإمام علي (ع)؟
السؤال: أزمةُ المرأة المتديّنة مع عليٍّ الحقيقيّ!! لم يكن الإمام عليٌّ يشتري المرأة عموماً بشسع نعلٍ أصلاً، وكان يراها مجرّد آلة تفريغٍٍ جنسيٍّ وتفريخ؛ ولهذا عانى ما عانى مع زوجته الأولى بسبب ضغوطات أبيها عليه، ومنعه من الزّواج عليها في حادثةٍ معروفةٍ مشهورةٍ في الصّحيح. ولهذا ما أنْ ماتت حتَّى نكح ما يقرب من ثلاثين امرأةً، وكان يدخل للسّوق ويكشف عن سيقانهنّ، ويساوم في أسعارهنّ كما يُساوم في شراء أيّ دابّةٍ أخرى، ولم يكن يعلم حتَّى بعدد أولاده من جواريه، ومن كان هذا حاله لا شكّ في أنَّه لا يكترث بمشاعر المرأة ولا بأحاسيسها قطّ. وعليه: فإنّ عموم النّصوص المنسوبة إليه في ذمّ المرأة وتحقيرها وإهانتها هي صادقةٌ في الكشف عن مساره العام ورؤيته تجاهها، وإنْ لم نتّفق على صدور عين ألفاظها بهذه البلاغة منه. ورغم هذه البديهيّة في سيرة الإمام الواضحة في التّعامل مع المرأة واحتقارها وتحويلها لوسيلة استمتاعٍ جنسيٍّ لا غير، نلاحظ شريحةً كبيرةً من النّساء المواليات تهاجم صاحب الصّفحة ومشروعه التّنويريّ بسبب كشفه حقيقة الإمام عليّ في تحقيرهنّ وإهانتهنّ ومسح الأرض بهنّ وفقاً لصحاح النّصوص؛ لأنّ كُلّ ما قرأنه عن الإمام عليّ لا يعدو تلقين الملَّايات لهنّ، وأوهام المنابر، وكذبة زواج النّور من النّور. المؤسف: تبقى كثيرٌ من النّساء المتديّنات جاهلاتٍ لا يعرفن كيفيّة الموازنة؛ لأنَّهن إذا بقين في "الغماميّة" نفسها صرن سلعةً وألعوبةً بيد غيرهنّ، وإذا تعلّمنَ وتنوّرنَ اندفع بعضهنّ إلى الاسترجال والتمرّد على كُلّ شيء، مع أنّ المطلوب منهنّ إمساك العصا من الوسط، لا يظلمن أنفسهنّ باسم الدّين، ولا غيرهنّ باسم التحرّر..
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الدخول في تفاصيل هذا الكلام، تجدر الإشارة إلى أنَّ معظم الدعاوى الواردة فيه قد عالجها المركز في أجوبةٍ مستقلةٍ سابقةٍ، سواء ما يتعلّق بالنصوص المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذمّ المرأة، أو حديث «المرأة كالنَّعل»، أو عبارة «المرأة شرٌّ كلّها»، أو هل كان الإمام عليٌّ يكشف عن ساقي الجارية قبل شرائها؟ أو غير ذلك من النصوص التي جرى اقتطاعها من سياقاتها أو تحميلها ما لا تحتمل؛ ولذلك فإنَّ الجديد هاهنا ليس في أصل الإشكالات المطروحة، بل في محاولة جمعها في خطابٍ واحدٍ لتكوين صورةٍ سلبيةٍ مسبقةٍ عن شخصية الإمام عليّ (عليه السلام).
والواقع أنَّ المشكلة الأساسية في هذا الطرح لا تكمن في خطأ معلومةٍ هنا أو روايةٍ هناك، بل في المنهج الذي يحكم قراءة التاريخ كلِّه.
فصاحب هذا الكلام لا يقرأ الإمام عليّاً (عليه السلام) ليعرفه، بل يقرأه ليُدينه؛ ولذلك يجمع كُلّ ما يمكن أنْ يخدم النتيجة التي قرَّرها مسبقاً، ويهمل كُلّ ما يعارضها! ومَن يقرأ بهذه الطريقة يستطيع أنْ يصنع من أيّة شخصيّةٍ تاريخيّةٍ صورةً سوداء مهما بلغت منزلتها؛ لأنَّه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الشواهد التي تؤكّد قناعته المسبقة.
فمثلاً، يحاول الكاتب أنْ يجعل من تعدّد زوجات الإمام عليّ (عليه السلام) بعد وفاة الزهراء (عليها السلام) دليلاً على احتقار المرأة، مع أنّ هذا الاستدلال لا يقوم على أيّ أساسٍ منطقيّ، فالتعدّد كان نظاماً اجتماعيّاً وقانونيّاً معروفاً في ذلك العصر، بل وفي معظم الحضارات القديمة، وإذا كان مجرّد التعدّد دليلاً على احتقار المرأة، فإنَّ النتيجة المنطقيَّة لهذا الكلام هي اتّهام عددٍ كبيرٍ من الأنبياء والشخصيات الدينيَّة والتاريخيَّة بالأمر نفسه، وهو ما لا يلتزم به صاحب الدعوى بطبيعة الحال.
والأغرب من ذلك: أنَّ هذا الخطاب يتجاهل حقيقةً تاريخيّةً واضحةً، وهي أنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) عاش مع السّيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) سنواتٍ طويلةً ولم يتزوج عليها، مع أنّ التعدّد كان متاحاً في مجتمعه، الأمر الذي يكشف مقدار الانتقائيَّة في عرض الوقائع.
ثمَّ ينتقل إلى قضيّة الإماء والجواري وكأنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) هو الذي أنشأ مؤسسة الرقّ أو أوجدها في التاريخ البشريّ، والحال أنَّ الرق كان نظاماً عالميّاً سائداً قبل الإسلام بقرونٍ طويلةٍ، وكانت جميع الحضارات تتعامل معه باعتباره جزءاً من البنية القانونيَّة والاجتماعيَّة القائمة آنذاك. وعليه، فإنَّ نسبة وجود الجواري إلى شخص الإمام ومحاولة تحويل ذلك إلى دليلٍ على احتقار المرأة لا يعدو كونه إسقاطاً لمفاهيم العصر الحديث على مجتمعاتٍ تاريخيّةٍ مختلفةٍ تماماً في ظروفها وبنيتها القانونيَّة والاجتماعيَّة.
أمّا الادّعاء بأنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) كان لا يكترث بمشاعر المرأة ولا بأحاسيسها، فهو مجرّد استنتاجٍ إنشائيّ لا ينهض عليه أيُّ دليلٍ علميّ؛ إذ كيف يمكن التوفيق بين هذا الزعم وبين ما نقلته المصادر نفسها من وصاياه، ومواقفه، وتقديره للمرأة الصالحة؟ وكيف يمكن تصويره بوصفه محتقراً للمرأة وهو الذي ربَّى السيّدة زينب (عليها السلام) التي أصبحت واحدةً من أعظم الشخصيّات النسائيّة في التاريخ الإسلاميّ؟
ثمَّ إنَّ الكاتب يتعامل مع بعض النصوص المنسوبة إلى الإمام عليّ (عليه السلام) وكأنَّها نصوصٌ قطعيّة الثبوت والدلالة، متجاهلاً الخلافات العلميَّة في أسانيد بعضها، ومتجاهلاً كذلك عشرات النصوص الأخرى التي لا تنسجم مع الصورة التي يريد رسمها. ومنهج الانتقاء هذا لا يصلح لإنتاج معرفةٍ تاريخيّةٍ، بل يصلح فقط لتأكيد الأحكام المسبقة.
ومن المفارقات اللافتة: أنَّ صاحب المنشور يتحدَّث باسم الدفاع عن المرأة، لكنَّه لا يتردّد في وصف النساء المتديّنات بالجهل والانخداع والعجز عن التفكير المستقل، وكأنَّ ملايين النساء اللواتي احترمْنَ شخصيّة الإمام عليّ (عليه السلام) عبر التاريخ لم يفعلنَّ ذلك عن قناعةٍ أو دراسةٍ أو اختيارٍ، وإنَّما بسبب التلقين والخداع. وهذا الخطاب يكشف عن نظرةٍ وصائيةٍ تجاه المرأة لا تقلُّ إشكالاً عن الاتّهامات التي يوجّهها للآخرين.
وفي المحصّلة، لا يقدّم هذا الكلام دليلاً تاريخيّاً واحداً يثبت أنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) كان يحتقر المرأة، وإنَّما يقوم على تجميع عددٍ من الدعاوى المتفرّقة، واقتطاع بعض الوقائع من سياقاتها، وإسقاط معايير معاصرة على واقعٍٍ تاريخيٍّ مختلفٍ، ثمَّ القفز بعد ذلك إلى نتيجةٍ جاهزةٍ تمَّ افتراضها منذ البداية.
ولهذا فإنَّ النص لا يكشف حقيقة الإمام عليّ (عليه السلام) بقدر ما يكشف حقيقة المنهج الذي كُتب به؛ منهجٌ يبدأ بالإدانة أوّلاً، ثمَّ يبحث بعد ذلك عمَّا يظنّ أنَّه أدلةٌ عليها، ويتجاهل كُلّ ما يمكن أنْ يقدّم صورةً أكثر توازناً وإنصافاً.
اترك تعليق