هل أخفى الإمام الحسين (ع) مصيره عن أهل بيته وأصحابه؟
السؤال: علم الإمام الحسين بمقتله يضع أخلاقيّة الإله في مهبّ الرّيح!! ما معنى أنْ يأمر الإله شخصاً بالذّهاب إلى مكانٍ ليُقتل فيه، لكنّه يطلب منه ألّا يُخبر جميع مَنْ معه بذلك، بمن فيهم أطفاله، ونساؤه، والقصّر، ويأمره أيضاً أنْ يُصوّر لهم أنّه ذاهب إلى غرضٍ آخر تتحقّق فيه الخلافة أو النّجاة أو النّعيم والرّخاء؟! لا شكّ في أنّ هذا السّلوك يضع حكمة وأخلاقيّة هذا الإله في مهبّ الرّيح، ولا يمكن تبريره بحال؛ إذ لو كان الهدف فحص تسليم الإمام الحسين وانقياده؛ لكان مقتضى الحكمة أنْ يختصّ هذا الامتحان به، لا أنْ يجعل الأطفال، والنّساء، وأصحابه، مجرّد أوراقٍ محترقةٍ في مشروعٍ لم يُطلعهم على حقيقتهِ، ولم يستفتهم فيه أصلاً. ثمّ كيف يُمكن بعد ذلك تنجيز التّكليف على قاتليه، والحكم عليهم بالكفر أو الخلود في النّار، وهم إنّما تعاملوا مع ظواهر الأدلّة والوقائع، لا مع العلم الغيبيّ الّذي يُفترض أنّه مختصّ بالإمام؟! وكيف يُعاقب الإنسان على أمرٍ حُجب عنه عمداً؟! وفي ضوء هذا التّنظير العقلانيّ البسيط والسّليم يتجلّى بوضوح: أنّ دعوى علم الإمام الحسين بمقتله قبل خروجه إلى العراق دعوى تضع حكمة الإله وعدله وأخلاقيّة [الدين] موضع السّؤال، ولا تحلّ أيّ إشكال، بل تفتح أبواباً جديدةً من الإشكالات لا مخرج منها. بل أكثر من ذلك، فلو كان الإمام الحسين يعلم يقيناً أنّه ذاهبٌ إلى مشروعٍ إلهيٍّ ينتهي بقتله، لكان من اللازم عليه ـ بعد أن اتّخذ قراره الأخير بالمواجهة ـ أنْ يطلب من القوم السّماح لأحد أولاده أو بعض أصحابه بمرافقة النّساء والأطفال إلى مكانٍ آمنٍ [والعبّاس لن يرفضوا ذلك؛ لأنّ شخصه المطلوب لا غير]، وأن يُجنّبهم ما ينتظرهم من التّرويع، والتّشريد، ما دام يعلم أنّ بقاءهم معه لن يُغيّر شيئاً من النّتيجة المحتومة، وإذا فرضناهم جزءاً من التّخطيط، فكان ينبغي إعلامهم. أمّا إذا قرأنا الأحداث بوصفها حركةً بشريّةً طبيعيّة، وأنّ الإمام الحسين كان يتعامل مع الوقائع بحسب ما تتكشّف له، ويرجو النّجاة أو تغيّر الموقف إلى آخر لحظة، زالت هذه الإشكالات جميعاً، واستقامت أخلاقيّة الإله، وانسجمت الأحداث مع طبيعتها البشريّة، دون حاجةٍ إلى هذا الكمّ الهائل من التّرقيع الّذي وُلّد لاحقاً لتثبيت نظريّة العصمة والإمامة.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
سبق أن تعرّضنا في أجوبةٍ متعددةٍ نُشرت في مركزنا لمسألة علم الإمام الحسين (عليه السلام) بمقتله، وعلاقة هذا العلم بخروجه ومسؤوليّته ومسؤولية قاتليه. غير أنَّ هذا الاعتراض أضاف دعوى أخرى لا أصل لها، وهي أنَّ الإمام أخفى عن أصحابه وأهل بيته حقيقة المصير، وأوهمهم بأنّه ذاهب إلى الخلافة والرخاء، ثم ساقهم إلى القتل والسّبي من غير علم ولا اختيار. وهذه الصورة ليست مستفادة من شيء من النصوص التاريخية، وإنما صنعها المستشكل بنفسه، ثم أخذ يحاكم الإمام والله تعالى على أساسها.
فلا يوجد أيّ نصّ يوحي بأنّ الله تعالى أمر الإمام الحسين (ع) أن يخدع مَنْ معه، أو أن يعدهم بالسلطة والنجاة، أو أن يخفي عنهم ما ينتظرهم؛ بل النصوص جميعها تقول خلاف ذلك تماماً.
فقد أعلن الإمام منذ بداية حركته أنَّ الطريق ينتهي إلى الشهادة، ومن ذلك: كتابه إلى بني هاشم: «مَنْ لحق بي استُشهد، ومَنْ تخلّف لم يدرك الفتح» [كامل الزيارات ص157]. وقبل خروجه من مكة خطب قائلاً: «خُطّ الموت على ولد آدم خَطّ القلادة على جيد الفتاة» [مثير الأحزان ص29، كشف الغمة ج2 ص239]. ثمّ وصف موضع مصرعه، وقال: «مَنْ كان باذلاً فينا مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا» [مثير الأحزان ص29، اللهوف ص38].
فهل هذا خطاب رجل يوهم أصحابه بأنهم ذاهبون إلى الرخاء والسلطان، أم خطاب يطلب ممّن يرافقه أن يكون مستعداً لبذل نفسه؟
وعندما بلغه في الطريق مقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر، لم يخفِ الخبر عن أصحابه، ولم يستمر في تصوير الكوفة على أنَّها نصر مضمون، بل أعلن لهم خذلان أهلها وقال: «فمن أحبَّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرج» [الإرشاد ج2 ص75]. فتفَرّق عنه مَنْ كان قد لحق به طمعاً في غنيمةٍ أو نصرٍ سريعٍ، وبقي معه مَنْ عرف خطورة الطريق واختاره بإرادته.
وعندما قال لابنه عليٍّ الأكبر إنَّه سمع هاتفاً يقول: «القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم»، فهم عليٌّ الأكبر أنَّ القافلة تتّجه إلى الموت، فقال: «أولسنا على الحق؟» فلمّا قال الإمام: «بلى»، أجابه: «فإننا إذن لا نبالي أنْ نموت محقّين» [الإرشاد ج2 ص82، مقاتل الطالبيين ص74].
فهذا ليس موقف شابٍ مخدوعٍ، وإنَّما موقف إنسانٍ عرف المصير ووازن بين النجاة الشخصية والبقاء على الحق فاختار الحق.
ثمّ جاءت ليلة عاشوراء لتسقط دعوى الخداع من أصلها؛ فقد جمع الإمام (عليه السلام) أصحابه وأهل بيته، وأخبرهم بأنَّ القوم لا يريدون غيره، وأبرأهم من بيعته، وقال لهم ما مضمونه: اتخذوا الليل جملاً، وليأخذ كلُّ واحدٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم [ينظر: الإرشاد ج2 ص91، الفتوح ج5 ص105].
كما أذن لبني عقيل بالانصراف وقال لهم: إنَّ مقتل مسلم يكفيهم. لكنّه فوجئ بإصرارهم على البقاء، فقال مسلم بن عوسجة إنَّه لو قُتل ثم أُحرق ثم ذُري رماده وفعل به ذلك سبعين مرّةً لما ترك الحسين، وأعلن زهير بن القين وغيره الموقف نفسه [ينظر: الإرشاد ج2 ص92، تاريخ الطبري ج3 ص315].
وعليه، فإن المستشكل حين يقول: إنَّه كان ينبغي للإمام أنْ يطلب من بعض أصحابه أخذ النساء والأطفال إلى مكانٍ آمنٍ، يقترح أمراً فعله الإمام بالفعل؛ فقد طلب منهم ليلة عاشوراء أنْ يأخذوا أهل بيته وينصرفوا. لكنّهم رفضوا، وبقوا عن معرفة واختيار، فكيف يصح بعد ذلك وصفهم بأنهم «أوراق محترقة» لم يُطلعوا على حقيقة الأمر؟
أمّا النساء، فلا دليل على أنهنّ كنّ يظننّ أنَّ الرحلة تنتهي إلى ملكٍ ورخاء، وقد نقلت الروايات: أنَّ السيدة زينب (عليها السلام) سمعت ليلة عاشوراء الإمام ينشد أبياتاً ينعى فيها نفسه، فعرفت أنّه يخبرها بدنوّ مقتله، فخرجت إليه، فصبّرها وأوصاها [ينظر: الإرشاد ج2 ص93].
كما أنَّ النصّ المشهور في حديثه مع محمّد بن الحنفية: أنّه رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال: «يا حسين، اخرج، فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً.. إنّ الله قد شاء أن يراهن سبايا» [اللهوف ص40].
ومهما يكن الكلام في أسانيد بعض هذه النصوص مفردة، فإنَّ مجموع الأخبار والمواقف التاريخية يثبت أنّ أصل الخطر والشهادة لم يكن سرّاً أخفاه الإمام (عليه السلام) عن أهل بيته وأصحابه.
وأمّا الأطفال، فالمطالبة بأنْ «يستفتيهم» الإمام في السفر تكلُّف لا يقول به عقلٌ ولا قانون؛ لأن الطفل القاصر لا يملك استقلالاً في تقرير السفر والإقامة، وإنَّما يتولى وليُّه رعايته واتخاذ القرار عنه.
كما أنَّ المستشكل افترض من غير دليلٍ أنَّ ترك النساء والأطفال في المدينة أو مكة كان يضمن سلامتهم، مع أنَّ السلطة كانت تطلب الحسين للبيعة وتهدده بالقتل، ولم يكن بعيداً أنْ تعتقل أهله أو تتّخذهم وسيلة للضغط عليه.
والأهم من ذلك: أنَّ المستشكل ينقل مسؤولية الجريمة من القاتل إلى الضحية، فالذي منع الماء عن النساء والأطفال، وقتل الرجال والرضيع، وأحرق الخيام ونهبها، وسبى ذرّيّة رسول الله، هو جيش ابن زياد، لا الإمام الحسين، فهل إذا هدّد طاغية رجلاً بقوله: إنْ لم تخضع لي قتلت أهلك، يصبح الرجل هو المسؤول عن الجريمة إذا رفض الخضوع؟ لو قبلنا هذا المنطق لأصبح تهديد النساء والأطفال وسيلةً مشروعةً لإجبار أصحاب الحق على الاستسلام، ولصار كلُّ طاغيةٍ معذوراً ما دام قد حذّر ضحيّته مسبقاً.
كما أنَّ علم الإمام بمقتله لا يعني أنَّ الله أمر قاتليه بقتله، ولا أنَّ علمه أجبرهم على الجريمة، فهناك فرقٌ واضحٌ بين العلم بالشيء والتسبُّب فيه، علم الطبيب بأن المريض سيموت لا يجعل الطبيب قاتلاً، وعلم الله السابق بأفعال الناس لا يسلبهم اختيارهم، وإلّا بطلت المسؤولية عن كلّ جريمة؛ لأن الله يعلم جميع الأفعال قبل وقوعها.
والقول إنَّ الله شاء أنْ يرى الحسين قتيلاً، لا يعني أنّه رضي بفعل القتلة أو أمرهم به؛ لأن المشيئة التكوينيَّة غير الأمر التشريعي. الله تعالى يسمح في نظام الاختيار بوقوع الطاعة والمعصية، ولكنّه يأمر بالطاعة وينهى عن المعصية، وقد وقع قتل الأنبياء في ملك الله وعلمه، ومع ذلك وصف القرآن قاتليهم بالإجرام واستحقاق العقاب.
أمّا السؤال: كيف يعاقب قتلة الحسين وهم لا يعرفون علمه الغيبي؟ فهو قائمٌ على خلطٍ واضحٍ؛ لأن قاتليه لم يُطالبوا بمعرفة الغيب، وإنما طُلب منهم ألّا يقتلوا إنساناً بريئاً، وألّا يمنعوا الماء عن النساء والأطفال، وألّا يحملوا سبط رسول الله على مبايعة يزيد تحت السيف، مسؤوليتهم ثبتت بما كانوا يعلمونه من حرمة العدوان والقتل، لا بما كانوا يجهلونه من الأخبار الغيبيّة.
ومن العجيب تصويرهم كأنَّهم «تعاملوا مع ظواهر الأدلة»، وكأنَّ جيش ابن زياد كان مجموعةً من الفقهاء اجتهدوا في قتل الحسين فأخطأوا! فأيُّ ظاهرٍ شرعيٍّ أباح قتل الحسين وأولاده وأصحابه؟ وأيُّ دليلٍ أجاز قتل الرضيع، ومنع الماء، وسلب النساء، وحرق الخيام؟
لقد كانوا يعرفون مَنْ هو الحسين، ويعرفون قرابته من رسول الله، ويعلمون أنّه لم يبدأهم بقتال، ومع ذلك خيّروه بين الخضوع لابن زياد والقتل.
ثمّ إنَّ القراءة التي يقترحها المستشكل، وهي أنَّ الإمام لم يكن يعلم بالمصير وكان يرجو النجاة والخلافة إلى آخر لحظة، لا تحلّ الإشكال الأخلاقيّ الذي صنعه، بل تنقله إلى صورةٍ أخرى؛ فإذا كان اصطحاب الأسرة إلى طريقٍ خطرٍ جريمةً كما يزعم، فإنَّ جهل الإمام بحجم الخطر لا يجعل القرار حكيماً، بل قد يحوّله إلى سوء تقدير.
أمّا إذا كان يعلم، وأخبر أصحابه وأهل بيته، وأذن لهم في الانصراف، وبقي مَنْ بقي عن وعي واختيار، فلا مجال لاتهامه بالخداع.
وفي المحصّلة، فإنَّ هذا الاعتراض قائمٌ على قصةٍ لم ترد في التاريخ: لا دليل على أنَّ الله أمر الحسين بخداع أصحابه، ولا أنّه وعدهم بالرخاء والخلافة، ولا أنّه أخفى عنهم احتمال القتل والسّبي.
وفي المقابل توجد نصوصٌ ومواقف متعدّدةٌ أعلن فيها أنَّ طريقه طريق الشهادة، وأخبر بموضع مصرعه، وقال: «مَنْ كان باذلاً فينا مهجته فليرحل معنا»، وأعلمهم بمقتل مسلم وخذلان الكوفة، وأذن لهم في الانصراف، ثم أبرأهم ليلة عاشوراء من بيعته وطلب منهم أن يأخذوا أهل بيته ويرحلوا.
وعلم الإمام بمقتله لا يجبر القتلة، ولا يسقط مسؤوليتهم، ولا يحوّل الجريمة إلى أمرٍ إلهيّ؛ وإنَّما يكشف عن بصيرته بالمآل وثباته على التكليف.
أمّا الذي يضع الأخلاق في مهبّ الريح حقّاً فهو المنطق الذي يعذر القاتل لأنّه لا يعرف الغيب، ويحمّل الضحية مسؤولية وحشية المعتدي، ويطالب صاحب الحق بأنْ يخضع للطاغية حتّى لا ينفذ الطاغية تهديده في النساء والأطفال.
اترك تعليق