هل تعظيم أولياء الله وقبورهم ينافي التوحيد؟

السؤال: الدين الإسلاميّ لا يجعل القبور أماكن مقدّسةً ولا يقدّس ساكنيها مهما بلغت مكانتهم العلميّة والفقهيّة. في الإسلام لا يوجد قدّيس (Saint) ولا كاهن وسيط بين الله (عزّ وجلّ) وعباده. في الإسلام «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون».

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الدعوى تبدو برّاقةً في عباراتها، لكنّها تقوم على خلطٍ واضحٍ بين تعظيم أولياء الله وعبادتهم، وبين الشفاعة المشروعة والكهانة، وبين كون الإنسان عبداً لله وبين امتلاكه منزلةً خاصّةً عنده.

فلا يقول المسلمون إنّ القبور مقدّسةٌ بذاتها، أو إنّ ترابها يملك قدرةً مستقلّةً عن الله، كما لا يقولون إنّ ساكن القبر إلهٌ أو شريكٌ لله. وإنّما يعتقدون أنّ بعض الأماكن تكتسب حرمةً بسبب انتسابها إلى مَنْ عظّمه الله، كما تكتسب الأزمنة والأشياء حرمتها بما جعله الله فيها من خصوصيّة.

ولو كان كلّ تعظيمٍ لمكانٍ مرتبطٍ بإنسانٍ منافياً للتوحيد، لما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، فمقام إبراهيم مكانٌ اكتسب خصوصيّته من وقوف إبراهيم (عليه السلام). ولمّا جعل الله التابوت الذي يحتوي على آثار آل موسى وآل هارون آيةً لبني إسرائيل، فقال: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248]. ولمّا كان لقميص يوسف أثرٌ في عودة بصر يعقوب بإذن الله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: 93].

فهذه النصوص تؤكّد أنّ الأشياء والأماكن قد تكتسب شرفاً وبركةً بسبب اتّصالها بأولياء الله، لا لأنّها آلهةٌ مستقلّةٌ، بل لأنّ الله جعلها آياتٍ وعلاماتٍ على أوليائه. فإذا ثبتت الحرمة لمقام إبراهيم، ولتابوتٍ يحوي آثار الأنبياء، ولقميصٍ مسّ جسد يوسف، فكيف يُدّعى أنّ قبر النبي أو الإمام أو الولي لا يمكن أن تكون له أيّ حرمةٍ أو منزلةٍ؟

وليس كلّ قبرٍ مقدّساً، كما أنّ كلّ مكانٍ لا يتحوّل إلى حرم، وإنّما الكلام في قبور الأنبياء والأئمّة والشهداء والصالحين الذين عظّمهم الله. والقرآن نفسه يرفض مساواة أولياء الله بسائر الناس، فيقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]، ويقول عن الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. فكيف يقال بعد ذلك إنّ الإسلام لا يعرف إنساناً له قداسةٌ أو حرمةٌ خاصّةٌ مهما بلغت منزلته؟

أمّا القول: «لا يوجد في الإسلام قدّيس Saint»، فإن كان المراد نفي إنسانٍ يُعبد من دون الله أو يملك المغفرة والنجاة استقلالاً، فهذا صحيحٌ ولا خلاف فيه. أمّا إذا كان المقصود نفي وجود عبادٍ مطهّرين وأولياء مقرّبين اصطفاهم الله ورفع درجاتهم، فهذا مصادمٌ للقرآن؛ لأنّ الإسلام وإن لم يستعمل المصطلح المسيحيّ نفسه، فقد استعمل ألفاظاً أوضح منه: الأولياء، والصالحون، والمقرّبون، والمصطفون، والمطهّرون.

ولا قيمة للاعتراض على المعنى بمجرّد أن كلمة «قدّيس» أجنبيّةٌ؛ فالعبرة بالمفهوم لا بالترجمة؛ إن كان القدّيس يعني عبداً صالحاً له حرمةٌ ومنزلةٌ عند الله، فالمعنى ثابتٌ في الإسلام. وإن كان يعني إلهاً صغيراً أو ربّاً يغفر باستقلال، فهذا مرفوضٌ عند المسلمين ولا يقول به أحدٌ من الإماميّة.

وكذلك القول إنّه «لا كاهن وسيط بين الله وعباده» يتضمّن حقّاً أُريد به باطل. نعم، الإسلام لا يعرف كاهناً يحتكر الاتصال بالله، أو يمنح الغفران من عند نفسه، أو يجعل قبول التوبة متوقّفاً على الاعتراف له. ولكنّه يثبت الوسيلة والدعاء والشفاعة بإذن الله، ولا يرى في ذلك منافاةً للتوحيد.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وقال في أبناء يعقوب عندما طلبوا من أبيهم الاستغفار: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [يوسف: 97]، فلم يقل لهم يعقوب إنّ طلبكم شركٌ ولا واسطة بينكم وبين الله، بل قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: 98].

وقال تعالى في حقّ رسول الله (صلى الله عليه وآله): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]. فالقرآن نفسه يقرّر مجيئهم إلى الرسول وطلب استغفاره، مع أنّ الله قادرٌ على أن يغفر لهم مباشرةً؛ لأنّ التوسّل بالرسول لا يجعله شريكاً لله، بل يثبت منزلته عند الله.

إذن، الوساطة المرفوضة هي الوساطة المستقلّة التي تجعل المخلوق شريكاً لله أو مالكاً للمغفرة من دون إذنه، أمّا الشفاعة والدعاء والتوسّل بإذن الله فهي ثابتةٌ بنصّ القرآن. فقولنا: «يا رسول الله، اشفع لنا عند الله»، ليس معناه أنّك إله، بل معناه أنّك عبدٌ مقرّبٌ جعل الله لك مقام الشفاعة.

أمّا الاستشهاد بحديث: «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»، فلا علاقة له بنفي حرمة الأنبياء والأولياء. فالحديث ـ على فرض صحّته ودلالته العامّة ـ يريد الحثّ على التوبة وبيان أنّ الخطأ لا يغلق باب الرجوع إلى الله، ولا يريد إنكار تفاوت الناس في الإيمان والطهارة والقرب من الله.

ولو كان معنى الحديث أنّ جميع الناس متساوون ولا فضل لأحد، لعارض عشرات الآيات التي تفضّل الأنبياء والأولياء والعلماء والشهداء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 55]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

وعند الإماميّة، لا يصحّ أصلاً استعمال هذا الحديث لإثبات صدور الذنوب من الأنبياء والأئمّة؛ لأنّ أدلّة العصمة والاصطفاء والتطهير تمنع من إدخالهم في العموم المدّعى، فالعبارة العامّة لا يجوز أن تُستعمل لهدم النصوص الخاصّة القطعيّة.

ثمّ إنّ زيارة قبور الأنبياء والأولياء ليست عبادةً للقبور، كما أنّ التوجّه إلى الكعبة ليس عبادةً للحجارة، العبادة تتحدّد بالقصد والاعتقاد، لا بمجرّد الوقوف في مكانٍ أو تقبيل شيءٍ أو البكاء عنده.

المسلم يزور الولي تعظيماً لمن عظّمه الله، ويتوجّه بالدعاء إلى الله، ويطلب الشفاعة ممّن أذن الله لهم بها.

فمَنْ يقف عند قبر الحسين (عليه السلام) ويقول: «السلام عليك يا أبا عبد الله»، لا يعبد القبر، بل يحيي ذكر عبدٍ صالحٍ ضحّى في سبيل الله، ومَنْ يبكي عليه لا يجعل منه إلهاً، بل يعلن موقفه من الحقّ والظلم. ومَنْ يطلب منه الشفاعة لا يعتقد أنّه يستقلّ بشيءٍ عن الله، وإنّما يطلب منه أن يدعو له ويشفع بإذن الله.

وفي المحصّلة، الإسلام لا يقدّس الأحجار لذاتها، ولا يجعل الأولياء آلهةً، ولا يعرف كهانةً تحتكر المغفرة، ولكنّه يعرف أولياء الله، ويثبت لهم درجاتٍ وحرمةً وشفاعةً بإذنه، ويعظّم آثار الأنبياء ومقاماتهم، ويدعو إلى زيارة القبور للعبرة والاتّصال بسيرة الصالحين.

فالخلط بين تعظيم الولي وعبادته، وبين التوسّل به وتأليهه، ليس دفاعاً عن التوحيد، بل تبسيطٌ يفرغ القرآن من معاني الاصطفاء والولاية والشفاعة. والتوحيد لا يعني أن نسوّي بين قبر نبيٍّ وقبر طاغيةٍ، ولا بين وليّ الله وعدوّه، وإنّما يعني أن نعتقد أنّ كلّ حرمةٍ ومنزلةٍ وشفاعةٍ إنّما هي من الله وبإذنه.