لماذا ذهب الحسين (ع) إلى الكوفة مع علمه بحالهم؟

السؤال: لماذا استجاب الإمام الحسين (عليه السلام) لأهل الكوفة، وهو يعلم بأنّهم سوف يغدرون به، كما غدروا بأبيه أمير المؤمنين وأخيه الحسن (عليهما السلام) من قبل، يُرجى بيان ذلك؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية، لا بأس من الإلفات إلى أنّ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تدلّ على أنّ خروج الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء لم يكن مجرّد استجابةٍ لكتب أهل الكوفة ورسائلهم، بل كان خروجاً قائماً على تكليفٍ إلهيّ وتدبيرٍ ربّانيّ، ينتهي به إلى الشهادة والقتل في سبيل الله تعالى.

وقد أشار الإمام (عليه السلام) إلى ذلك لما أخبر أخاه ابن الحنفية أنه رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال له: «يا حسين، اخرج، فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً.. إنّ الله قد شاء أن يراهن سبايا» [اللهوف ص40]. ومن هنا، فلا يصحّ حصر سبب خروجه في خصوص رسائل أهل الكوفة، لأنّه كان عالماً بما سيؤول إليه أمره وينتهي إليه مصيره بتعليمٍ من الله تعالى، كما هو واضح.

إذا بان هذا التمهيد، فلنا جملةٌ من الملاحظات، نذكرها على شكل نقاط:

النقطة الأولى: رسائل أهل الكوفة:

من الثوابت التاريخية في النهضة الحسينيّة أنّ عدداً كبيراً من أهل الكوفة راسلوا الإمام الحسين (عليه السلام)، داعين إيّاه إلى القدوم إليهم، ومؤكّدين على أنّه لا إمام لهم سواه، وأنّهم قد امتنعوا عن الاجتماع مع والي الكوفة في صلاة الجمعة والعيد، وكان في طليعة من كتب إليه: سُليمان بن صرد الخزاعي، والمسيّب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد البجلي، وحبيب بن مظاهر، وشبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمّد بن عُمير التميمي، فضلاً عن جمعٍ غفيرٍ من أهل الكوفة.

النقطة الثانية: جواب الإمام (ع) عليها:

بعد أنْ توالت الكتب والرسائل على الإمام (عليه السلام) كتب لهم جواباً مع هانئ بن هانئ السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي وكان آخر من وصله من الرسل، فكتب (عليه السلام): «بسم الله الرحمن الرحيم، من حسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أمّا بعد: فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم ـ وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم ـ وقد فهمتُ كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلّكم إنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله أنْ يجمعنا بك على الهدى والحق، وقد بعثتُ إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أنْ يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإنْ كتب إليّ أنّه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمتْ عليّ به رسلكم وقرأت في كتبكم أقدمُ عليكم وشيكاً إنْ شاء الله، فلعمري ما الإمام إلّا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله، والسلام» [تاريخ الطبري ج4 ص٢٦٢].

النقطة الثالثة: إقامة الحجّة عليهم:

تقدّم في التمهيد أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان مكلّفاً من قبل الله تعالى بالتوجّه إلى العراق، وأنّ شهادته في سبيل الله كانت جزءاً من هذا التكليف الإلهيّ، حفاظاً على الدين الذي تعرّض لكثير من التحريف والانحراف على يد أرباب السقيفة وبني أميّة. ومن هنا، فقد كان هدفه (عليه السلام) إقامة الإصلاح في أمّة جدّه (صلى الله عليه وآله)، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والسّير بسيرة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبيه أمير المؤمنين (عليه السلام). وعليه، فإنّ وجود كتب أهل الكوفة ورسائلهم أو عدم وجودها لا يغيّر من أصل هذا التكليف شيئاً.

نعم، إنّ استجابة الإمام (عليه السلام) لتلك الرسائل كانت من باب إقامة الحجّة عليهم، إذْ لو أعرض عنها لاتّخذ أهل النفاق ذلك ذريعة للطعن فيه، وادّعوا أنّه رفض دعوة الأمّة ولم يُتح لها فرصة الإصلاح؛ ولذلك اقتضت الحكمة أنْ يجيب دعوتهم، مع علمه (عليه السلام) بما ستؤول إليه الأمور.

قال الشيخ محمّد صنقور: (لو لم يستجب الإمام الحسين (عليه السلام) لدعوات أهل الكوفة لأدانه التاريخ ولقال: إنّ الحسين ـ والعياذ بالله ـ قد فرّط في المسؤولية الإلهيّة المُناطة به؛ وذلك لأنّ الظروف قد تهيّأت له بعد أنْ راسله الآلاف من أهل الكوفة، وجمعٌ كبيرٌ من الوجهاء ورؤساء العشائر، وأكّدوا له أنّهم على استعدادٍ تامٍّ لمناصرته وأنّ الكوفة متهيّئةٌ لاحتضان ثورته، وأنّه ليس من العسير عليهم طرد الوالي الأموي منها، وحينئذٍ وعندما تسقط الكوفة فإنّ ذلك يُنتج سقوط القرى والمدن المجاورة لها نظراً لارتباطها سياسيّاً وأمنيّاً بإمارة الكوفة، بل وحتّى بلاد فارس والأهواز وبعض المدن الإيرانيّة وقراها كانت تابعةً سياسيّاً لإمارة الكوفة، بل إنّ سقوط الكوفة بيد الثوّار يُنتج سهولة الهيمنة على مدينة البصرة والمدن المجاورة لها؛ وذلك لأنّ الثقل العسكري والسياسي في العراق آنذاك كان في مدينة الكوفة، وكلّ مَنْ له معرفة بالتاريخ يُدرك هذه النتيجة) [تساؤلات حول النهضة الحسينيّة ص11].

النقطة الرابعة: التكليف الظاهري:

لو أغمضنا النظر عمّا تقدّم من فكرة التكليف الإلهي وإقامة الحجّة، فإنّ المعصوم (عليه السلام) إنّما يتعامل مع الناس وفق ما يقتضيه ظاهر الحال، لا وفق علمه الغيبي. ومن هنا، كان توجّه الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة مبنيّاً على ما أظهروه من رفض الخضوع لوالي الكوفة والانقياد لحكم يزيد، وإعلانهم الرغبة في مبايعة الإمام (عليه السلام) والالتفاف حوله، مع ما يترتّب على ذلك من مصالح عامّةٍ تعود بالنفع على الأمّة. وعليه، فإنّ إقدامه (عليه السلام) كان منسجماً مع ظاهر حال أهل الكوفة آنذاك، وهو ما تقتضيه الوظيفة الشرعيّة في التعامل مع الناس.

وبناءً على ما تقدّم، فإنّ هذا المقدار من تحرّك الإمام الحسين (عليه السلام) نحو الكوفة، واستجابته لكتبهم ورسائلهم، كان كافياً في إتمام الحجّة عليهم. وبعد ذلك، يكون الفوز والفلاح من نصيب مَنْ نصر الحقّ وأهله، وأمّا الخسارة واللوم فإنّهما يقعان على مَنْ خذل الإمام (عليه السلام) بعد أنْ دعاه إلى القدوم، وقد أشار الإمام الحسين (عليه السلام) إلى هذا المعنى في بعض كلماته.

فقد روى الطبريُّ عن عقبة بن أبي العيزار، وفيه قوله (عليه السلام): «مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلّاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أنْ يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ مَنْ غيّر. وقد أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلّموني ولا تخذلوني، فإنْ تمّمتم عليّ بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيّ أسوة، وإنْ لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيّعتم ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه» [تاريخ الطبري ج4 ص٣٠٤].

والنتيجة النهائيّة من كلّ ما تقدّم، أنّ السبب ـ بحسب الظاهر ـ في استجابة الإمام الحسين (عليه السلام) لكتب أهل الكوفة ورسائلهم هو إقامة الحجّة عليهم، وسدّ الطريق أمام أهل النفاق الذين كانوا سيجعلون من عدم الاستجابة ذريعةً للطعن في الإمام (عليه السلام)، واتهامه بالتفريط في مسؤوليّته الإلهيّة تجاه الأمّة، كما اتّضح بيانه فيما تقدّم.. والحمد لله ربّ العالمين.