هل ثبت الإعجاز العددي في القرآن؟
السؤال: هل من صحّة لما يتردّد عن وجود إعجازٍ رقميّ في القرآن.. إذ نشرت بعض المجلات الإلحاديّة مقالاً ساخراً منه.. وقالت إنّ أوّل من ابتكر صرعة الإعجاز العددي بالقرآن شخصٌ اسمه رشاد خليفة بكتيّب اسمه عليها تسعة عشر
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الإجابة ينبغي التفريق بين وجود توافقاتٍ عدديّةٍ لافتةٍ في القرآن، وبين دعوى وجود نظامٍ عدديٍّ شاملٍ يرقى إلى مرتبة الإعجاز، فليس كلّ توافقٍ عدديٍّ إعجازاً، كما أنّ صحّة بعض الأرقام لا تثبت بالضرورة أنَّ القرآن كلّه مبنيّ على شفرةٍ رياضيّةٍ محدّدة.
أمّا القول إنّ رشاد خليفة هو أوّل من التفت إلى الأرقام في القرآن فغير دقيق؛ لأنّ بعض صور الحساب العددي والحروف المقطّعة عُرفت قبله بقرون، لكنّه كان أشهر من روّج في العصر الحديث لنظريّة أنّ القرآن قائمٌ على نظامٍ رياضيٍّ محوره العدد تسعة عشر، ولا سيّما من خلال كتيّبه المعروف بـ «عليها تسعة عشر».
وقد استند في ذلك إلى أمثلةٍ من قبيل أنَّ عدد سور القرآن 114، وهو من مضاعفات العدد 19، وأنّ البسملة تتكوّن من تسعة عشر حرفاً بحسب طريقةٍ معيّنةٍ في العدّ، ثم توسّع في استخراج علاقاتٍ عدديّةٍ بين الحروف والكلمات والسور.
غير أنّ المشكلة لا تكمن في صحّة بعض هذه الأرقام، وإنّما في المنهج الذي بُنيت عليه النظريّة؛ إذ إنّ إثبات الإعجاز العددي يحتاج إلى قاعدةٍ ثابتةٍ وشاملةٍ تطبّق على جميع المواضع بالطريقة نفسها، من دون انتقاءٍ أو استثناءٍ أو تغييرٍ في أسلوب العدّ، أمّا إذا عُدّت الكلمة مرّةً بصورةٍ، ومرّةً بصورةٍ أخرى، وأُدخلت البسملة في موضعٍ وأُخرجت في موضعٍ آخر، وجُمعت أرقامٌ أو طُرحت حتى توافق العدد المطلوب، فإنّ النتيجة تصبح أقرب إلى الانتقاء منها إلى النظام العلميّ.
ومن أخطر ما انتهى إليه رشاد خليفة: أنّه عندما تعارضت بعض حساباته مع الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة، ادّعى أنّهما ليستا من القرآن، وهنا انقلب المنهج؛ فبدلاً من أنْ تُعرض النظريّة على النصّ القرآني، أصبح النصّ يُحذف حتى يوافق النظريّة، وهذا وحده كافٍ للكشف عن فسادها.
كما أنّ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 30]، لا يدلّ على أنّ العدد تسعة عشر شفرةٌ تحكم بنية القرآن؛ لأنّ سياق الآيات يتحدّث عن عدد خزنة جهنّم، ولا توجد فيها إشارةٌ إلى نظامٍ حسابيٍّ شامل. والانتقال من هذا المعنى إلى دعوى أنّ كلّ القرآن مبنيّ على العدد تسعة عشر يحتاج إلى دليلٍ مستقلّ، لا إلى مجرّد وجود العدد في الآية.
وعليه، لا مانع من وجود تناسقاتٍ عدديّةٍ صحيحةٍ ولافتةٍ في القرآن، ويمكن دراستها بوصفها ملاحظات، لكن تحويلها إلى إعجازٍ قطعيٍّ يحتاج إلى شروطٍ علميّةٍ صارمةٍ لم تتحقّق في نظريّة رشاد خليفة، كما لا يصحّ تعليق صدق القرآن على حساباتٍ قابلةٍ للاختلاف والتلاعب، بينما إعجازه أوسع وأرسخ من ذلك، ويتجلّى في بيانه وهدايته وبنائه المعرفي والتشريعي.
وفي المحصّلة، قد تكون بعض المجلات الإلحاديّة محقّةً في السخرية من المبالغات العدديّة المصطنعة، لكنّها تخطئ إذا جعلت سقوط نظريّة رشاد خليفة سقوطاً للقرآن؛ لأنّ هذه النظريّة اجتهادٌ بشريٌّ متأخّر، والقرآن لم يجعل صدقه متوقّفاً عليها. فبطلان دليلٍ ضعيفٍ لا يعني بطلان القضيّة التي حاول صاحبه الاستدلال عليها.
اترك تعليق