هل الاتقاء بالنبي (ص) يدل على أن علياً (ع) لم يكن كراراً؟

السؤال: إنَّ الوصيّ عند الشيعة الإمامية ليس بكرَّار؛ ولذلك كان إذا اشتدَّ وطيس المعركة يحتمي بالنبي الأعظم، وهذا يعني أنَّه كان يترك مركزه القتالي ويهرب؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لعلَّ السائل يُشير إلى ما ورد في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتعليق الشريف الرضي (طاب ثراه)، حيث قال:

(وفي حديثه (عليه السلام): «كنَّا إذا احمرَّ البأس اتَّقينا برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فلم يكن أحدٌ منَّا أقرب إلى العدو منه».

ومعنى ذلك: أنَّه إذا عظم الخوف من العدو، واشتدَّ عضاض الحرب، فزع المسلمون إلى قتال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بنفسه، فينزل الله عليهم النصر به، ويأمنون ممَّا كانوا يخافونه بمكانه. وقوله: «إذا احمرَّ البأس» كناية عن اشتداد الأمر. وقد قيل في ذلك أقوال أحسنها: أنَّه شبَّه حمي الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها) [نهج البلاغة ص٥٢٠، بحار الأنوار ج19 ص191].

إذا بان هذا، فلنا عدَّة وقفات، نذكرها في أمور:

الأمر الأوَّل: لا شكَّ ولا ريب في أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كان أشجع الخلق وأكملهم، وهذا من واضحات التشيُّع وبديهياته.

قال العلَّامة الحلِّيّ (طاب ثراه): (قد أجمع الناس كافَّة على أنَّ علياً (عليه السلام) كان أشجع الناس بعد النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وتعجَّب الملائكة من حملاته. وفضَّل النبي (صلَّى الله عليه وآله) قتله لعمرو بن عبد ود على عباده الثقلين. ونادى جبرائيل: لا سيف إلَّا ذو الفقار، ولا فتى إلَّا علي. وروى الجمهور أنَّ المشركين كانوا إذا أبصروا علياً في الحرب عَهِد بعضهم بعضاً) [نهج الحق ص٢٤٤]. إلى غير ذلك ممَّا يدلُّ على أنَّه (صلَّى الله عليه وآله) كان أشجع الخلق كافَّة.

الأمر الثاني: أنَّ النص المذكور لم يصرِّح بفرار أمير المؤمنين (عليه السلام) من المعركة أو من مركزه القتاليَ كما يُشير إليه السائل، وإنَّما هو بصدد بيان شجاعة النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) وقربه من العدو، فإنَّ الاتِّقاء به (صلَّى الله عليه وآله) لا يلازم الفرار من المعركة أو من المركز القتاليّ، كما لا يخفى.

وبعبارة أُخرى: أنَّ أقصى ما يدلُّ عليه هذا النص هو الاحتماء برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأنَّه كان يتقدَّمهم في أشدِّ مواطن القتال وأصعبها، وأنَّهم كانوا يرجعون إليه عند اشتداد البأس واحمرار الوطيس، ممَّا يدلُّ على شجاعته المطلقة، ولا يعني الهروب من المعركة أو من المركز القتالي، كما قيل.

الأمر الثالث: أنَّ النص المذكور يحكي حال المسلمين بصورة عامَّة، وليس ناظراً إلى حال أمير المؤمنين (عليه السلام) خاصَّة.

والشاهد على ذلك: ما عُرف من شجاعته (عليه السلام) في الحروب وثباته في الدفاع عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؛ ولذلك فلا يصح تفسير هذا النص بمعزلٍ عن مجموع تلك المواقف والبطولات.

ومن هنا، فإنَّ تفسير النص المذكور بفرار أمير المؤمنين (عليه السلام) أو تركه لموقعه العسكريّ تفسيرٌ لا يساعد عليه ظاهر النص، كما لا ينسجم مع مواقفه المعروفة في ميادين الجهاد والقتال، إذْ لم يثبت في خبر من الأخبار أنَّه (عليه السلام) قد ترك موقعه قطُّ، أو هرب كما هرب الآخرون.

ويؤيِّد هذا أيضاً: ما فهمه الشريف الرضيُّ (طاب ثراه) من أنَّ تلك الحالة كانت للمسلمين عامَّة وليست لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث قال: (ومعنى ذلك: أنَّه إذا عظم الخوف من العدو، واشتدَّ عضاض الحرب، فزع المسلمون إلى قتال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بنفسه، فينزل الله عليهم النصر به، ويأمنون ممَّا كانوا يخافونه بمكانه) [نهج البلاغة ص٥٢٠].

الأمر الرابع: أنَّ كلام السائل المذكور ينافي ما نصَّ عليه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كرَّار غير فرَّار؛ ولذلك يُضرب بكلامه هذا عرض الجدار، إذْ لا قيمة لكلامٍ يخالف كلام النبي جهاراً نهاراً.

1ـ روى اليعقوبيُّ في تاريخه: (فقال رسول الله: «لأدفعنَّ الراية غداً إنْ شاء الله إلى رجلٍ كرَّار غير فرَّار، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، لا ينصرف حتَّى يفتح الله على يده»، فدفعها إلى عليٍّ فقتل مرحباً اليهودي، واقتلع باب الحصن، وكان حجارة، طوله أربع أذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع، فرمى به عليّ بن أبي طالب خلفه، ودخل الحصن ودخله المسلمون) [تاريخ اليعقوبي ج2 ص٥٦].

2ـ قال أبو بكر الباقلانيُّ: (وما روي فيه من الفضائل المشهورة عن النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)... إلى أنْ قال: وقوله في خيبر: «لأدفعنَّ الراية إلى رجلٍ كرَّار غير فرَّار، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، ودفع الراية إليه بعد أنْ تفل في عينيه وكان رمد، قال عليٌّ: «فما رمدت عيناي بعد ذلك») [تمهيد الأوائل ص543].

3ـ وروى ابن عساكر بسنده عن ابن عمر، عن عمر بن الخطَّاب قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): لأعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ الله ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله، كرَّار غير فرَّار، يفتح الله عليه، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره». فبات الناس متشوِّقين، فلمَّا أصبح قال: أين علي؟ قالوا: يا رسول الله، ما يبصر. قال: ائتوني به، فأتي به فقال له النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): ادن مني فدنا منه، فتفل في عينيه ومسحهما بيده، فقام عليٌّ من بين يديه كأنَّه لم يرمد قط» [تاريخ دمشق ج41 ص219].

4ـ وروى القاضي النعمان المغربيّ: «فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): لأعطينَّها غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله، وُّيحبه الله ورسوله، كرَّار غير فرَّار، يفتح خيبر عنوةً، وكان عليٌّ (عليه السلام) قد رمد، فتخلَّف، فتطاول لها جماعة من الناس. فلمَّا أصبح أتاه عليٌّ (عليه السلام) وهو أرمد قد عصب على عينيه. فقال له رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): مالك يا علي. فقال: قد رمدت يا رسول الله. قال: ادن مني، فدنا منه، فتفل في عينيه، ففتحهما في الوقت ما بهما علَّة، وما رمد بعدها، فأعطاه الراية فأخذها» [شرح الأخبار ج1 ص١٤٨].

5ـ وروى محمَّد بن جرير الطبريّ عن ابن عبَّاس قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ليلة عرج بي رأيتُ قبَّة مثل ياقوتة خضراء معلَّقة بين السماء والأرض... فقلتُ لجبرئيل (عليه السلام): يا خليلي، لمن هذه القبَّة؟ قال: لرجلٍ من قريش. فقلت في نفسي: أنا الرجل القريشي، فسألت: من هو الرجل؟ فقال: لرجلٍ يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرَّار غير فرَّار. فقلت لجبرئيل: حبيبي، من هذا؟ قال: علي بن أبي طالب» [نوادر المعجزات ص٧٠]،

إلى غيرها من المصادر الناقلة لهذا الحديث المبارك.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ الحديث المشار إليه في السؤال ناظرٌ إلى شجاعة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأنَّه أشجع الخلق كافَّة، كما أنَّه يحكي حال المسلمين بصورةٍ عامَّة، وليس ناظراً إلى حال أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي نُصَّ على كونه كرَّاراً غير فرَّار، كما تبيَّن مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.