هل كان الأجدى أن يزرع جبريل مكة بدل أن ينزل بالوحي؟
السؤال: لو أنَّ سبحانه وتعالى أرسل جبريله وزوَّده بعصا موسى ليشقَّ ينبوعاً أو ينبت زرعاً في أمِّ القرى القاحلة، عوضاً عن أن يرسله في رحلاتٍ مكوكيَّةٍ طيلة 23 سنة ليشتم أبا لهب تارةً، أو ليلعن اليهود تارةً أخرى، أو ليعلِّمنا أنْ لا حرج أنْ نأكل من بيوتنا أو بيوت آبائنا أو ليزوِّج رسوله أو يحلِّل له زوجاته بلا عدٍّ ولا حصرٍ، ولو كان شقُّ الأرض لتنتج نفائسها عوضاً من أن يشقَّ القمر، أما كان ذلك أجدى نفعاً وأكثر إبهاراً وإقناعاً! ولو كان أُسري بعبده نهاراً عوضاً عن ليلٍ أمام الجميع، ولو أغدق على الأرض واحداً بالمليون فقط ممَّا وعد به بالجنَّات، أما كان ذلك سيمنحه مصداقيةً أكثر وكان ليزيل كلَّ الشبهات والشكوك، ويجنِّب مؤمنيه كلَّ الحروب اللاحقة، ويستقطب كلَّ سكان الأرض!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الاعتراض لا يناقش النبوَّة بقدر ما يعيد تصميمها وفق تصوُّرٍ شديد السطحية: كان ينبغي ـ في نظر صاحبه ـ أن يتحوَّل الوحي إلى وزارةٍ للزراعة والثروة والمشاريع الاستعراضيَّة؛ فيشقُّ جبريل الأرض، ويفجِّر الآبار، ويستخرج المعادن، ويقيم جنَّةً صغيرةً في مكَّة، ثم يصفِّق الناس جميعاً ويؤمنون! وكأنَّ مشكلة الإنسان الكبرى في التاريخ كانت نقص الماء والخضرة، لا الجهل والظلم وعبادة القوَّة والشهوة والمال.
فالرسالة الإلهيَّة لم تأت لتنافس مهندس الري أو الجيولوجيّ، وإنَّما جاءت لتجيب الإنسان: من أنت؟ ولماذا خُلقت؟ ومن خالقك؟ وما الحق والباطل؟ وكيف تضبط السلطة والمال والشهوة؟ وما مسؤوليَّتك تجاه الآخرين؟ وإلى أين تنتهي حياتك؟ أمَّا استخراج الماء وزراعة الأرض فقد ترك الله للإنسان عقلاً ويداً وقوانين طبيعيةً يتعلَّم بها ذلك، ولم تكن البشرية بحاجةً إلى ملكٍ ينزل من السماء ليعلِّمها حفر بئرٍ.
ثمَّ إنَّ تصوير الوحي بأنَّه ظلَّ ثلاثاً وعشرين سنة «يشتم أبا لهب ويلعن اليهود ويزوِّج النبيّ» ليس نقداً للقرآن، وإنَّما دليل على أنَّ صاحبه اختزل كتاباً كاملاً في آيات انتقاها بسوء نيَّة، ثمَّ اعترض على النسخة التي صنعها بنفسه. فالقرآن تحدَّث عن التوحيد، والخلق، والإنسان، والموت، والمعاد، والعدل، والرحمة، والأسرة، والمال، والحرب والسلام، والحقوق، والأخلاق، والتاريخ، والعقل، والعلم، والفقر، واليتيم، والظلم، والحرِّيَّة والمسؤوليَّة. ومن يمرُّ على كلِّ ذلك ثمَّ يقول إنَّ جبريل كان يقوم «برحلاتٍ مكوكيَّةٍ لشتم أبي لهب» لا يقدِّم قراءةً ساخرةً للقرآن، بل يقدِّم قراءةً ساخرةً من صاحبها.
وسورة المسد ليست «شتيمةً» لأبي لهب، وإنَّما موقف من رجلٍ جعل نفسه رأساً في محاربة الدعوة واضطهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله). كما أنَّ القرآن لا «يلعن اليهود» بوصفهم عرقاً أو جماعةً بشريةً بإطلاق، بل يذمُّ أفعالاً وجماعاتٍ بعينها، ويقول في أهل الكتاب أنفسهم: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: 113]، ويمدح منهم من استقام. فتحويل النقد الدينيّ والسلوكيّ إلى سبابٍ عرقيٍّ مجرَّد تحريف للنص.
أمَّا السخرية من قوله تعالى في أحكام الطعام: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ...﴾ [النور: 61]، فتكشف جهلاً بوظيفة التشريع. الدين الذي ينظِّم علاقة الإنسان بالله ينظِّم أيضاً علاقته بالمال والأسرة والبيوت والحقوق. وهل تصبح الأحكام الاجتماعية تافهةً لأنَّها تتعلَّق بتفاصيل الحياة؟ القوانين الحديثة تملأ آلاف الصفحات بأحكام الطعام والملكية والدخول والإذن والعقود، ولا يقول أحد: كان على المشرِّع أن يتحدَّث عن المجرَّات بدلاً من هذه التفاهات!
وأمَّا قوله إنَّ القرآن جاء «ليحلِّل للنبي زوجاته بلا عدٍّ ولا حصرٍ»، فهو غير صحيح حتَّى نصّاً؛ فقد حدَّد القرآن أحكاماً خاصَّةً للنبي ثمَّ قال له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52]. فمن أراد النقد فليبدأ على الأقلِّ بقراءة النص الذي يريد السخرية منه.
ثمَّ يأتي الاقتراح العبقريُّ: لماذا لم يشقَّ الله الأرض فتخرج نفائسها بدلاً من شقِّ القمر؟ والجواب أنَّ إخراج الكنوز من الأرض لو وقع على نحوٍ خارقٍ على يد النبيّ لكان معجزةً أيضاً، ولكن من قال إنَّه أبلغ في إثبات النبوَّة لمجرَّد أنَّه أكثر نفعاً مادياً؟ فالمعجزة وظيفتها إقامة الدليل على صدق النبيّ، لا أن تتحوَّل بالضرورة إلى مشروع زراعي أو اقتصادي. والمُشكل خلط بين أمرين مختلفين: ما هو أنفع للناس مادياً، وما هو أصلح لإقامة الحجَّة على النبوَّة، ولا تلازم بينهما.
فالمعجزة في أصلها ليست مشروعاً اقتصاديّاً، بل آيةٌ تأتي في سياق إثبات النبوَّة. فلا معنى للاعتراض بأنَّ مشروعاً زراعياً «أنفع» من المعجزة؛ كما لا يقال للطبيب: لماذا تعالج القلب ولا تبني جسراً؟ لكلِّ فعل غايته.
أمَّا قوله: «لو أُسري به نهاراً أمام الجميع» فمبنيٌّ على الوهم نفسه: أنَّ المعجزة إذا صارت عرضاً جماهيرياً انتهى الكفر. والقرآن نفسه ينقض هذا التصوُّر مراراً؛ فالإنسان قد يرى الآية ثمَّ يؤوِّلها أو ينكرها أو يصفها بالسحر. وقد شاهد فرعون وقومه آيات موسى ولم يتحوَّلوا جميعاً إلى مؤمنين، ورأى المشركون النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسمعوا القرآن وعرفوا صدقه قبل البعثة، ومع ذلك قاومه كثيرٌ منهم لمصالح سياسيَّةٍ وقبليَّةٍ واقتصاديَّةٍ. فالإنسان لا يكفر دائماً بسبب نقص الأدلة حتَّى تعالج مشكلته بعرض ضوئي أكبر.
بل لو جعل الله الإيمان قهرياً أمام مشهدٍ لا يستطيع أحدٌ معه الإنكار، لضاعت مساحة الامتحان والاختيار التي قامت عليها هذه الحياة. الله يريد من الإنسان أن يعرفه بالدليل ثمَّ يختار موقفه، لا أن يسلبه إمكان الرفض كما يُكره شخص على الاعتراف بما يراه بعينيه.
وكذلك قوله: «لو أغدق على الأرض واحداً بالمليون ممَّا في الجنَّة» يفترض أنَّ غاية الدنيا أن تتحوَّل إلى نسخةٍ مصغَّرةٍ من الجنَّة. ولكن إذا كانت الدنيا جنَّةً بالفعل، لا فقر فيها ولا مرض ولا حاجة ولا ألم ولا صراع ولا إمكانية لخسارة شيء، فما معنى الصبر والإيثار والشجاعة والرحمة والتضحية؟ وكيف يُمتحن الإنسان في استعمال المال والقدرة إذا كان كلُّ شيءٍ متاحاً بلا حدٍّ؟
ثمَّ إنَّ الخير الموجود في الأرض ليس قليلاً حتَّى نتحدَّث عنها وكأنَّها صحراء كونيَّةٌ فيها الماء والثمار والجمال والحب والعائلة والعقل والعلم واللذَّة ومليارات صور النعم. لكن الدنيا ليست دار جزاءٍ نهائي حتَّى تتطابق مع الجنَّة، بل دار عمل وابتلاء، والآخرة دار ظهور النتيجة.
والأكثر غرابةً قوله إنَّ هذه الاستعراضات كانت ستجنِّب المؤمنين «كلَّ الحروب اللاحقة». وكأنَّ الحروب تقع لأنَّ البشر لم يشاهدوا معجزةً كافيةً! الحروب تقع بسبب السلطة والثروة والطمع والقومية والمصالح والهيمنة، وقد يختلف الناس وهم يرون الحقيقة نفسها لأنَّ مصالحهم مختلفة. وهل البشرية اليوم تختلف على كون الأرض كرويَّةً، أم تتقاتل على النفوذ والثروات والحدود رغم اتِّفاقها على آلاف الحقائق العلمية؟
هذا الاعتراض يتصوَّر الإنسان طفلاً يمكن شراء إيمانه بالخضرة والذهب والعروض الخارقة: أعطه ماءً أكثر، وأره شيئاً أعجب، فيؤمن فوراً، لكن التاريخ البشريّ يقول إنَّ المشكلة كثيراً ما لم تكن في غياب الدليل، بل في استعداد الإنسان لقبول ما يلزمه به الدليل.
فالمشكلة ليست أنَّ الله قدَّم أدلَّةً ناقصةً، وإنَّما أنَّ صاحب الاعتراض تخيَّل إلهاً يعمل وفق مقاييسه الخاصَّة، ثمَّ جعل مخالفة الوحي لهذا التصوُّر دليلاً على بطلانه. وهذا ليس نقداً للنبوَّة، بل اعتراضٌ على أنَّ الله لم ينفِّذ الخطة التي رسمها له المعترض، ثمَّ حاكم الوحي لأنَّه لم يطابق خياله.
اترك تعليق