هل يتفاوت الحسنان (ع) في قوة القلب وبسط اللسان؟

السؤال: وعن سعيد بن عمرو: أن الحسن قال للحسين: «وددت أنّ لي بعض شدّة قلبك»، فيقول الحسين: «وأنا وددت أنّ لي بعض ما بسط من لسانك». رواه الحافظ الذهبيّ في تذكرته. هل تصحّ هذه الرواية؟ وعلى فرض صحّتها، أليس الأئمّة معصومين وكمالهم مطلقٌ ولا فرق بينهم بالكمال؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

الجواب عن هذا التساؤل يتوقّف على مرحلتين:

الأولى: في صحّة هذه الرواية.

والثانية: في بيان التمايز والدرجات بين المعصومين (عليهم السلام) على فرض التسليم بها.

أمّا المرحلة الأولى فنقول:

إنّ المتتبّع لمرويات المخالفين في شأن أهل البيت (سلام الله عليهم)، يدرك بوضوح أنّ جلّ ما يدوّنونه في مصنّفاتهم ينأى بعيداً عن كنه مقاماتهم الشامخة و قدسيّة مكانتهم، وهو أمرٌ راجعٌ بالأساس إلى منهجهم المبنيّ على إنكار مقام الإمامة الإلهيّة، وفهمهم الخاطئ لحقيقة الخلافة بعد النّبيّ (صلّى الله عليه وآله)، حيث ينظرون إلى الأئمّة (عليهم السلام) كأشخاصٍ عاديّين، ومن هنا يتّضح أنّ ما زخرت به كتبهم في وصف حالات الأئمّة ومقاماتهم ينطلق من هذه الرؤية الخاطئة، فلا يكون ما رووه حجّةً علينا بوجه.

ومن أمثلة ذلك: هذه الرواية التي تزعم أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) قال لأخيه الحسين (عليه السلام): «وددت...»، حيث تظهر الإمام الحسن وكأنّه يتمنى قوّة قلب أخيه الحسين، لسان حالٍ يوحي بضعف قلب الإمام الزّكيّ وخلوّه من الشجاعة! وأنّ الحسين (عليه السلام) يتمنى بسطة لسان أخيه الحسن وفصاحته.

والواقع أنّ هذه الرواية يبطلها ويكذّبها – فضلاً عن السند – الواقع والسيرة الثّابتة للإمامين (عليهما السلام)؛ لأنّ ما ثبت للحسين من قوّة القلب هو بعينه ثابتٌ للحسن، وما ثبت للحسن من بسطة اللسان والفصاحة هو بعينه ثابتٌ للحسين (عليهما السلام).

ويشهد لبسطة لسان الإمام الحسين (عليه السلام) وفصاحته النّادرة: خطبه الخالدة في جميع أطوار حياته، ومنها قوله الشهير: «خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة...» [ينظر: اللّهوف ص110]، ناهيك عن خطابه ومناجاته في «دعاء عرفة» وما اشتمل عليه من معانٍ ساميةٍ وألفاظٍ راقيةٍ، كقوله (ع): «الحمد للّه الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صنع صانع... وأنا أشهد يا إلهي بحقيقة إيماني، وعقد عزمات يقيني، وخالص صريح توحيدي، وباطن مكنون ضميري، وعلائق مجاري نور بصري، وأسارير صفحة جبيني، وخرق مسارب نفسي، وخذاريف مارن عرنيني، ومسارب سماخ سمعي، وما صمّت وأطبقت عليه شفتاي..».

كما يشهد لقوة قلب الإمام الحسن (عليه السلام) وشجاعته – إضافة لكونه إماماً، ويشترط في الإمام أن يكون أشجع الناس –: مواقفه المهيبة في معارك أبيه (عليه السلام)، ففي معركة الجمل كان أوّل مَن طعن الجمل المشؤوم، وفي معركة صفين كان يقتحم غمار الموت ويتهجّم إلى الحرب، قال الشريف الرضيّ: «وقال (عليه السلام) في بعض أيّام صفّين - وقد رأى الحسنَ (عليه السلام) يتسرّع إلى الحرب -: « املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني، فإنّني أنفس بهذين - يعني الحسن والحسين (عليهما السلام) - على الموت؛ لئلّا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) » [نهج البلاغة ج2 ص186].

وأمّا من حيث السند فالرواية أيضاً ضعيفة كمتنها [ينظر: ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق لابن عساكر ص209].

وأمّا المرحلة الثانية:

وفيما يرتبط باختلاف درجات المعصومين (عليهم السلام)، على فرض صحّة الرواية أو غيرها، وما شاع في بعض الأوساط من القول بتفاوتهم في الكمالات، فالجواب ينحلّ بالتفكيك بين مرتبتي الباطن والظاهر، والتمييز الدّقيق بين مقام الباطن ومقام الظاهر وعالم الشهادة:

ففي عالم الباطن والحقيقة: إنّ الأئمّة جميعاً (عليهم السلام) شيءٌ واحدٌ، وحقيقةٌ واحدة، فأنوارهم كلها نابعةٌ من سرٍّ واحد.

وبعبارة بسيطة: فلو نظرنا إليهم في عالم الباطن والروح، فهم كالنور الواحد والشمس الواحدة التي لا تتجزأ؛ ولكن عندما نزلوا إلى عالم الدنيا والتكليف، ظهر كلّ واحدٍ منهم في جسدٍ وشخصيّةٍ مستقلّةٍ، ليؤدي دوره الخاصّ في زمانه. فالوحدة بينهما هي وحدةٌ في الحقيقة والذات والروح وعالم الباطن، والمغايرة بينهما هي مغايرةٌ في الظاهر وأحكام الدنيا والمادّة؛ إذ لا ينبغي الخلط بين مقامهم الرّوحيّ الباطنيّ وبين دورهم الظاهريّ في الحياة الدنيا، فلكلّ مقامٍ أحكامه وحكمته.

وأمّا في عالم الظاهر وعالم المادّة: فإنّ جريان الأمور يخضع للتّدرّج والكمال التّفاضليّ (التّشكيك)؛ فأنزل الله النّبيّ في مقام الأستاذ والأعلى، ثم عليّاً في مرتبة التلميذ والأفضل بعده، ثم الحسنين وسائر الأئمّة (عليهم السلام)، حيث يترتّب كلّ واحد منهم في مرتبته الظاهريّة.

ومن هنا يفهم السبب الواقعيّ لتنوّع تصرفاتهم واختلاف أنماط سلوكهم - في الظاهر - في التاريخ؛ فإنّ ذلك لم يكن نابعاً من تفاضلٍ في أصل الصفات، بل لأنّ كل إمامٍ منهم عاش في ظرفٍ زمانيٍّ ومكانيٍّ خاصٍّ، وتحكّمت به مجاري الأسباب والمسببات في العالم المادّيّ الذي كانوا محيطين به ومأمورين بالعمل وفق ظاهره، فلما كانت الأمّة محتاجةً إلى قوّة السيف وحماية الشريعة تجلى أمير المؤمنين بمظهر «أسد الله» يوم الخندق، ولما احتاجت إلى البيان أطلق خطبه في نهج البلاغة؛ واقتضت مصلحة حفظ دماء المسلمين صلح الإمام الحسن ؛ بينما فرضت مصلحة صيانة الدين التّضحية والشّهادة بالإمام الحسين، واستفاد الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام) انفراج الظروف في فترة إمامتهم لنشر العلوم والمعارف؛ كما سيظهر الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشّريف) بالصفات المتناسبة مع عصر ظهوره.

فالتفاوت الموهوم إنّما هو بروزٌ لجانبٍ خاصٍّ من صفاتهم الشاملة بحسب الفرصة المتاحة والظرف المعاش، وإلّا فهم في واقع ذواتهم سواءٌ في العلم والفضل والكمال، ويدلّ عليه بعض الروايات:

منها: ما رواه زيدٌ الشّحّام قال: «قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): أيّهما أفضل الحسن أو الحسين؟ فقال: إنّ فضل أوّلنا يلحق فضل آخرنا، وفضل آخرنا يلحق فضل أوّلنا، فكلٌّ له فضل... نحن من شجرة برأنا الله من طينةٍ واحدة، فضلنا من الله، وعلمنا من عند الله، ونحن أمناء الله على خلقه، والدعاة إلى دينه، والحجّاب فيما بينه وبين خلقه... خلقنا واحد، وعلمنا واحد، وفضلنا واحد، وكلنا واحد عند الله عزّ وجلّ» [الغيبة للنعمانيّ ص88].

وصفوة القول: إنّ أهل البيت (عليهم السلام) في الباطن والحقيقة نورٌ واحد وذاتٌ فذة، وفي الظاهر والتطبيق متعدّدون ومختلفو الأدوار بحسب متطلبات زمانهم ومقتضيات رعاياهم، والله العالم بحقائق الأمور.

وللمزيد من البحث ينظر: «بحر المعارف» للشيخ الملّا عبد الصمد الهمدانيّ.