هل من علاقة بين الله والدكتاتورية؟

السؤال: «لماذا الدكتاتوريَّة في الشرق الأوسط؟» جوابه من الجذور الفكريَّة: مجتمعٌ يتربّى على طاعة إلهٍ ساديٍّ ومُعاقِبٍ، يهدّد بالتعذيب الأبديّ، هو مجتمعٌ مدجّنٌّ نفسيّاً، وقابلٌ للاستسلام. من يقبل إلغاء قيمته أمام سلطةٍ غيبيةٍ، سيقبل بسهولةٍ أنْ يدوس عليه دكتاتورٌ سياسيٌّ. الدكتاتور الأرضيُّ هو نسخةٌ مصغّرةٌ من هذا الإله: يمارس البطش ويقول «لا تناقش وإلّا فالجحيم». الطغاة دائماً يتّحدون مع المؤسسات الدينيَّة لتخدير الشعوب بفكرة «الصبر على الظلم قضاء وقدر». التحرّر السياسيّ مستحيلٌ دون تحرّرٍ فكريٍّ مسبقٍ، من يرتضي العبوديَّة في السماء لن يعرف الحرية على الأرض.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

المشكلة في هذه الدعوى أنَّها قلبت العلاقة رأساً على عقب؛ فمن يقول بحق إنَّ السيادة المطلقة لله وحده لا يمكنه أنْ يمنح حاكماً أو حزباً أو دولة أو زعيماً طاعةً مطلقةً، بل إنَّ الإيمان بالله لا يكتمل إلّا بالكفر بالطاغوت، يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: 256]. ومن هنا كان الأنبياء أنفسهم في مواجهة الطغاة: موسى في مواجهة فرعون، وإبراهيم في مواجهة النمرود، والأنبياء في مواجهة الملوك والمترفين. فكيف تحوّلت الرسالات التي اصطدمت بالطغيان إلى مصنعٍ للطغيان؟

وأمّا الزعم بأنَّ الطغاة «دائماً» يتحالفون مع المؤسسات الدينيَّة، فهو تعميمٌ كسولٌ ومتحاملٌ، نعم، استعمل حكّام الدين لتبرير سلطتهم، كما استعملوا القومية والوطن والثورة والأمن والعرق والعلمانيَّة نفسها، وهل الأنظمة التي اضطهدت الأديان وسجنت رجالها وهدمت مؤسساتها كانت عاجزةً عن ممارسة الاستبداد لأنَّها لم تجد شيخاً يبرّر لها؟ لقد عرف التاريخ دكتاتورياتٍ دينيَّةً، كما عرف دكتاتورياتٍ قوميَّةً وشيوعيَّةً وعسكريَّةً وعلمانيَّةً. فالمشكلة أعمق من تعليق الطغيان على مسبحة.

أمّا وصف الله بأنَّه «سادي ومعاقب»، فليس حجةً، بل شتيمةٌ تكشف عن عجزٍ عن إقامة الحجة؛ فوجود العقاب على الجريمة لا يجعل المشرّع سادياً، وإلّا لكان كلُّ نظامٍ قضائيٍّ في العالم مؤسسةً ساديَّةً.

السؤال الحقيقيُّ هو: هل العقاب عادلٌ أم ظالم؟ وهل الإنسان مسؤولٌ عن أفعاله أم لا؟ أمّا استبدال النقاش بكلمة «سادي» فطريقةٌ تصلح لمنشورٍ يتعمّد التهريج، لا لتحليلٍ فلسفيٍّ.

ثم إن القول إنَّ «من يقبل إلغاء قيمته أمام الله يقبل إلغاءها أمام الدكتاتور» مبنيٌّ على فهمٍ مقلوبٍ للعبودية لله؛ فالعبودية لله هي التي تحرّر الإنسان من العبودية لغيره، وما جاءت الشرائع إلّا لتحقيق كرامة الإنسان وقيمته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. فعبوديّة الإنسان لله تعني أنَّه لا يكون عبداً لمالٍ ولا لشهوةٍ ولا لحاكمٍ ولا لجمهور؛ ولذلك فإنَّ التوحيد، من داخله، يحرّر الإنسان من العبوديَّات الأخرى، لا يؤهّله لها.

وكذلك عبارة: «الصبر على الظلم قضاءٌ وقدر» تعبّر عن فهمٍ مشوّهٍ للدين، ولا تعبّر عن الفهم الإسلامّي؛ فالقرآن يأمر بالعدل، ويذم المستكبرين، وينهى عن الركون إلى الظالمين، ويجعل مواجهة الطغيان جزءاً من رسالة الأنبياء.

نعم، قد يستخدم بعض رجال الدين خطاباً يبرّر الاستسلام، لكن فساد التوظيف لا يعني فساد الدين نفسه، وإلّا وجب أنْ نحمّل الطبَّ مسؤولية كلّ طبيبٍ فاسدٍ، والقانونَ مسؤوليةَ كلِّ قاضٍ مرتشٍ.

ثم إنَّ تفسير الدكتاتوريَّة في الشرق الأوسط بعقيدة الناس في الله، تفسيرٌ يتجاهل الأسباب الحقيقيَّة والمعقّدة: بنية الدولة، والاحتكار السياسيّ، والاقتصاد الريعيّ، والتدخلات الخارجيَّة، وضعف المؤسسات، والانقسامات الاجتماعيَّة، وتاريخ الانقلابات والحروب، واختزال كلّ ذلك في عبارة «إنّهم يعبدون إلهاً آمراً» ليس تحليلاً، بل هروبٌ من التحليل إلى شعارٍ جاهزٍ.

والطريف أنَّ صاحب هذه الدعوى يريد تحرير الإنسان من «السلطة الغيبيَّة»، ثم يطالبه بالخضوع الكامل لمقولته هو عن الحرية والتاريخ والنفس البشريَّة. فهو يرفض أنْ يقول الله للإنسان: افعل ولا تفعل، لكنَّه لا يجد حرجاً في أنْ يقول هو للبشر: لن تكونوا أحراراً حتى تتبنّوا رؤيتي أنا! وهكذا تبدأ بعض خطابات التحرّر بمقاومة كلّ سلطةٍ، ثم تنتهي بفرض سلطة المتكلم نفسه.

وفي المحصّلة، لا توجد علاقةٌ لازمةٌ بين الإيمان بالله والدكتاتوريَّة، بل التوحيد في جوهره ينزع عن البشر كلَّ قداسةٍ سياسيَّةٍ مطلقةٍ، ويجعل الطاعة لله فوق طاعة الحاكم، ويمنح الإنسان معياراً يستطيع به أن يقول للسلطة: أنت لست إلهاً ولا تملك ضميري. أمّا الطغيان فله أسبابٌ سياسيَّةٌ واقتصاديَّةٌ واجتماعيَّةٌ ونفسيَّةٌ معقّدةٌ، ولا يفسّره أنَّ المؤمن يسجد لله.

والقول إنَّ «من يعبد الله لا يعرف الحرية» قلبٌ للمسألة؛ لأنَّ من يعبد الله وحده هو، من حيث المبدأ، أقلّ الناس استعداداً لأن يعبد فرعوناً. المشكلة ليست في السجود لله، بل فيمن يريد أنْ يجعل الحاكم إلهاً ثم يتّهم الدين بصناعة الآلهة.