هل يمكن سلب الإيمان عند الموت؟

السؤال: تتحدّث بعض الروايات عن سلب الإيمان عند الموت. كيف يحدث ذلك؟ وكيف ننجو منه؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – عزيزي السائل – أنَّ المستفاد من بعض الروايات الشريفة أنَّ الشيطان (لعنه الله تعالى) يأتي عند المحتضر عن يمينه وعن شماله، فيأمره بالكفر ويشكّكه في دينه، ليضلّه عمّا هو عليه من الدين الحقّ، فإنْ تمكّن من ذلك، فقد تحقّق سلب الإيمان عنه، والعياذ بالله، وإنْ عصمه الله تعالى وحفظه، فقد نجا من حباله وفِخاخه.

1ـ روى الشيخ الكُلينيّ (طاب ثراه) بسنده إلى أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما من أحدٍ يحضره الموت إلَّا وكّل به إبليس من شيطانه أنْ يأمره بالكفر، ويشكّكه في دينه حتّى تخرج نفسه...» [الكافي ج3 ص١٢٣].

2ـ وروى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته، عن يمينه وعن شماله، ليضلّه عمّا هو عليه...» [من لا يحضره الفقيه ج1 ص١٣٤].

ومن هنا يتّضح أنَّ سلب الإيمان عن بعض الناس إنَّما هو مـُسبّبٌ عن وسوسة الشيطان وجنوده، وهذا ما يُعبّر عنه في كلمات الأعلام بـ «العديلة عند الموت»، أي العدول عن الدين الحقّ إلى غيره، والعياذ بالله تعالى.

وأمّا النجاة من هذا الأمر الخطير، فهو بتحقّق الاعتقاد الصحيح، والالتزام بالأعمال الصالحة، والابتعاد عمّا حرّم الله تعالى. وتفصيل ذلك كالآتي:

الأوّل: العقائد الحقّة:

وهي أنْ يؤمن الإنسان بالله تعالى ربّاً وخالقاً ورازقاً، وأَّنه على كلّ شيءٍ قدير. وأنَّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) رسول الله إلى الخلق كافّة، وأنه أفضل الخلق وأشرف البرية وخاتم الأنبياء والمرسلين. وأنَّ عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) الخليفة والإمام من بعده بلا فصل. وأنَّ الحسن والحسين (عليهما السلام) وسائر أبناء الحسين أئمّة مفترضو الطاعة، أوّلهم الإمام زين العابدين وآخرهم الإمام المهدي بن الحسن (عليهم السلام). وأنَّهم معصومون من الزلل والخطل والسهو والاشتباه. والإيمان بيوم القيامة، وأنَّ الجنّة حقٌّ والنار حقٌّ، وهكذا سائر الاعتقادات الحقّة القائمة على الدليل والبرهان، كما هو مفصّلٌ في كتب الاعتقاد.

ومن هنا نلاحظ التأكيد الكبير في روايات أهل البيت (عليهم السلام) على مسألة تلقين المحتضر بالعقائد الحقّة، تذكيراً له بها وتأكيداً عليها، نذكر روايةً واحدةً في ذلك، رغبةً في الاختصار وخشيةً من التطويل.

روى الشيخ الكُلينيّ (طاب ثراه) بسنده إلى أبي بكر الحضرميّ قال: «مرض رجلٌ من أهل بيتي فأتيته عائداً، فقلت له: يا بن أخي، إنَّ لك عندي نصيحةً أتقبلها؟ فقال: نعم. فقلت: قل: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريك له. فشهد بذلك. فقلت: إنَّ هذا لا تنتفع به إلَّا أنْ يكون منك على يقين. فذكر أنَّه منه على يقين. فقلت: قل: أشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله. فشهد بذلك. فقلت: إنَّ هذا لا تنتفع به حتّى يكون منك على يقين. فذكر أنَّه منه على يقين. فقلت: قل: أشهد أنَّ عليّاً وصيّه، وهو الخليفة من بعده والإمام المفترض الطاعة من بعده. فشهد بذلك. فقلت له: إنَّك لن تنتفع بذلك حتّى يكون منك على يقين. فذكر أنه منه على يقين. ثمَّ سمّيت الأئمّة (عليهم السلام) رجلاً رجلاً. فأقرّ بذلك، وذكر أنَّه على يقين. فلم يلبث الرجل أنْ توفّى، فجزع أهله عليه جزعاً شديداً. قال: فغبتُ عنهم، ثمَّ أتيتهم بعد ذلك، فرأيت عزاءً حسناً. فقلت: كيف تجدونكم؟ كيف عزاؤك أيتها المرأة؟ فقالت: والله لقد أصبنا بمصيبةٍ عظيمةٍ بوفاة فلان (رحمه الله)، وكان ممّا سخا بنفسي لرؤيا رأيتها الليلة، فقلت: وما تلك الرؤيا؟ قالت: رأيت فلاناً ـ تعني الميّت ـ حيّاً سليماً، فقلت: فلان؟ قال: نعم، فقلت له: أما كنت متّ؟ فقال: بلى، ولكن نجوت بكلمات لقّنِيها أبو بكر، ولولا ذلك لكدتُ أهلك» [الكافي ج3 ص١٢٢].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى، كما لا يخفى.

الثاني: الأعمال الصالحة:

لا يخفى أنَّ الالتزام بالأعمال الصالحة سببٌ أساسٌ في ثبات الإنسان عند الموت، وعدم تأثير الشيطان وجنوده عليه، وقد دلّت على ذلك بعض الروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، نذكر قسماً منها:

1ـ روى الشيخ الكُلينيّ (طاب ثراه) بسنده إلى الهيثم بن واقد، عن رجلٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على رجلٍ من أصحابه وهو يجود بنفسه فقال: يا ملك الموت، ارفق بصاحبي، فإنّه مؤمن. فقال: أبشر يا محمّد، فإنّي بكلّ مؤمنٍ رفيق... إلى قوله: فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّما يتصفّحهم في مواقيت الصلاة، فإنْ كان ممّن يواظبُ عليها عند مواقيتها لقّنَه شهادة أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمّداً رسول الله، ونحّى عنه ملك الموت إبليس» [الكافي ج3 ص١٣٦].

2ـ وروى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «إنَّ وليَّ عليٍّ (عليه السلام) يراه في ثلاثة مواطن حيث يسرّه: عند الموت، وعند الصراط، وعند الحوض. وملك الموت يدفع الشيطانَ عن المحافِظ على الصلاة...» [من لا يحضره الفقيه ج1 ص١٣٧].

أقول: إنَّ الملاحظ في هاتين الروايتين الشريفتين أنَّ الحفاظ على الصلاة ومواقيتها سببٌ في دفع كيد الشيطان وجنوده.

الثالث: اجتناب المحارم:

ورد في بعض الأخبار الشريفة الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ ارتكاب الذنوب والمعاصي والاستهانة بالعبادات عاملٌ أساسيٌّ في سلب الإيمان عن الإنسان؛ ولذلك يلزم على المؤمن اجتنابها والابتعاد عنها، نذكر قسماً منها:

1ـ روى الشيخ الكُلينيّ بسندٍ معتبرٍ عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «بينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالسٌ في المسجد إذْ دخل رجلٌ فقام يصلّي، فلم يتمّ ركوعه ولا سجوده، فقال (صلّى الله عليه وآله): نقرٌ كنقر الغراب، لئن مات هذا وهكذا صلاته، ليموتنَّ على غير ديني» [الكافي ج3 ص٢٦٨].

2ـ وروى أيضاً بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من منع قيراطاً من الزكاة، فليمت إنْ شاء يهوديّاً أو نصرانيّاً» [الكافي ج3 ص٥٠٥].

إلى غيرهما من الأخبار الواردة في خطورة تضييع العبادات.

3ـ وروي في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) عن رسول (صلّى الله عليه وآله) قال: «يا عباد الله، فاحذروا الانهماك في المعاصي والتهاون بها، فإنَّ المعاصي يستولي بها الخذلان على صاحبها حتّى يوقعه فيما هو أعظم منها، فلا يزال يعصي ويتهاون ويخذل ويوقع فيما هو أعظم ممّا جنى حتّى يوقعه في ردّ ولاية وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ودفع نبوّة نبي الله. ولا يزال أيضاً بذلك حتّى يوقعه في دفع توحيد الله، والإلحاد في دين الله» [تفسير الإمام العسكري ص٢٦٤].

أقول: إذا كان الانهماك في المعاصي يُوجب ردّ الولاية، ودفع النبوّة، وإنكار التوحيد في دار الدنيا، فما بالك به عند الموت، فإنَّ ضعف الإنسان في تلك الساعات أكبر وأشدّ، ممّا يجعل إنكار المذكورات أسهل، والعياذ بالله تعالى.

والنتيجة النهائيَّة من كلّ ذلك: أنَّ سلب الإيمان عند الموت ناشئٌ عن وسوسة الشيطان وجنوده آنذاك، وأنَّ النجاة والخلاص من ذلك تكون بمعرفة العقائد الحقّة والإيمان بها، وأداء الواجبات وعدم تضييعها، وترك المحرّمات الواردة في الشريعة الإسلامية، كما بيّنّاه مفصّلاً.. والحمد لله ربّ العالمين.