هل العبادات تجعل من البشر حيوانات مفترسة؟
السؤال: يرى المختصّون في علم الأخلاق مثل ألوفير أنّ كون العبادات تمحو الذّنوب هي التي جعلت من البشر حيواناتٍ مفترسةً لا تشعر بتأنيب الضّمير بعد ارتكاب أفعالٍ لا أخلاقيّةٍ.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل مناقشة الفكرة لا بدّ أن نشير إلى أنّنا لم نعثر على شخصيّةٍ معروفةٍ في علم الأخلاق باسم «ألوفير» حتّى نقف على حقيقة كلامه وسياقه الفكريّ. وما وجدناه هو الفيلسوف الفرنسي أوليڤييه أبيل، وهو متخصّصٌ بالفعل في فلسفة الأخلاق والغفران، لكنّنا لم نقف في كلامه على هذه الدعوى، بل نجد في حديثه عن الغفران تأكيداً على الاعتراف بالخطأ وتحمّل المسؤولية والإصلاح.
وبعيداً عن ذلك إذا وقفنا على أصل الدعوى، نجدها مبنيّةً على تصوّرٍ مشوَّهٍ تماماً لفكرة العبادة والمغفرة في الإسلام؛ وكأنّ الإسلام يقول للإنسان: افعل ما تشاء من الجرائم، ثمّ صلِّ ركعتين أو صم يوماً فيُمسح الملفّ وتعود لتفترس النّاس من جديدٍ! وهذا ليس ديناً يعرفه المسلمون، وإنّما دينٌ اخترعه صاحب الإشكال ثمّ بدأ يهاجمه.
فالعبادة في الإسلام لم تُشرَع لتخدير الضّمير، وإنّما لتربيته. القرآن يقول عن الصّلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، ويقول عن الصّيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. فوظيفة العبادة الأصليّة هي أن تجعل الإنسان أقلّ استعداداً للمعصية، لا أن تمنحه رخصةً لارتكابها، بل القرآن الكريم ربط التّوبة بعدم الرّجوع إلى الذّنب ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39]، فجعل مع التّوبة الإصلاح، وقال في وصف المتقين: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135ي. فالمغفرة مرتبطةٌ بالرّجوع عن الخطأ، لا بالإصرار عليه. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمن قال أمامه: «أستغفر الله»: «الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ: أوّلها: الندم على ما مضى. والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً. والثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة. والرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها. والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: أستغفر الله» [نهج البلاغة ج4 ص97].
فحقوق النّاس لا تزول بمجرد أداء الصّلاة والصّيام. فمَن سرق مال إنسانٍ لا يكفيه أن يصلّي حتّى يصبح المال حلالاً، ومن ظلم شخصاً لا تسقط مظلمته بمجرّد الحجّ، ومن اعتدى على حقّ غيره لا يملك أن يقول: لقد عبدت الله فمُحي كلّ شيءٍ. عليه أن يتوب ويردّ الحقّ ويصلح ما أفسده.
ومن الطّريف أنّ صاحب الاعتراض يجعل إمكان المغفرة سبباً للوحشيّة. ووفق هذا المنطق ينبغي إلغاء العفو، والتّوبة، وإعادة التأهيل، وكلّ فرصةٍ ثانيةٍ في الأنظمة الأخلاقيّة والقانونيّة، ولا أحد عاقل يقول إنّ فتح باب الإصلاح هو الذي يصنع الجريمة. الذي يصنع الجريمة هو غياب الضّمير، أمّا إعطاء المخطئ طريقاً للعودة فهو جزءٌ من بناء الضّمير.
نعم، يمكن لإنسانٍ منحرفٍ أن يستغلّ الدّين بطريقةٍ فاسدةٍ، فيرتكب المعصية ثمّ يواسي نفسه بأنّه سيستغفر لاحقاً. لكنّ هذا ليس أثراً للعبادة، بل تحايلٌ عليها؛ كما يمكن لمجرمٍ أن يستغلّ ثغرةً قانونيّةً، ولا تصبح الثّغرة هي تعريف القانون كلّه.
وفي المحصّلة، الإسلام لا يقدّم العبادة بوصفها ممحاةً سحريّةً للجرائم، وإنّما يجعل العبادة وسيلةً لبناء التّقوى، ويجعل المغفرة مرتبطةً بالتّوبة والنّدم والإصلاح وترك الإصرار وردّ حقوق النّاس. فمن يزعم أنّ ذلك «حوّل البشر إلى حيواناتٍ مفترسةٍ بلا ضميرٍ» لم يصف الدّين الذي نزل به القرآن، بل وصف نسخةً كاريكاتوريّةً صنعها في ذهنه.
اترك تعليق