هل عطلت المجاعة الشريعة أم كشفت جهل المعترض بها؟

السؤال: الدّين لا يصلح إلّا في أيّام الرّخاء وعند أيّ مشكلةٍ واقعيّةٍ يتهاوى وتعطّل أحكامه! في العام 18 للهجرة اسودّت أرض المدينة وأصبحت كالرّماد ورغم صلوات الاستسقاء والرّجاء تناسى الله أنّه قال: ومن دعاني فإنّي مجيب، وهلك المؤمنون من العطش والجوع، وكثرت السّرقات في المدينة ما اضطرّ الخليفة عمر أن يضرب "إن الحكم إلّا لله" عرض الحائط، ويعطّل أحكام الشّريعة فلو قطع يد كلّ سارقٍ لتحوّل مجتمع المؤمنين إلى مجتمع مبتوري الأيدي. لم تصمد الشّريعة الغرّاء التي تصلح لكلّ زمانٍ ومكانٍ بضع سنواتٍ بعد وفاة النّبيّ وانهزمت عند أوّل صدامٍ مع الواقع ليأتيك اليوم وفي عصر النّانو من يريد إحياء السّبي والغزو وتزويج القاصرات ورجم الزّناة ويعارض البعض فقط لأنّ الظّرف لا يسمح بهذا بانتظار التّمكين وليس لأنّ هذه المنظومة الشّرعيّة الأخلاقيّة قد هلكت وعفا عليها الزّمن.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الاعتراض نموذجٌ واضحٌ لما يحدث حين يُقرأ الفقه بعقليّةٍ تتصوّر الشّريعة آلةً ميكانيكيّةً: سرق شخصٌ = اقطع يده، مهما كان جائعاً أو مضطرّاً أو في مجاعةٍ! ثمّ إذا اكتشف أنّ الفقه لا يعمل بهذه السّذاجة صاح: تعطّلت الشّريعة!

فعام الرّمادة، الذي وقع في حدود سنة 18هـ، كان مجاعةً شديدةً، وعدم إقامة حدّ السّرقة على المضطرّين لم يكن إلغاءً لحكم الله، وإنّما تطبيقاً لشروطه؛ لأنّ السّرقة الموجبة للحدّ ليست مجرّد أخذ أيّ شيءٍ في أيّ ظرفٍ. والمجاعة والاضطرار يغيّران طبيعة الفعل وحكمه.

كما أنّنا لسنا مضطرّين أصلاً إلى جعل فعل عمر دليلاً شرعيّاً؛ فقد ورد في الرّوايات عن الإمام الصّادق (عليه السلام): «لا يقطع السّارق في عام سنةٍ، يعني في عام مجاعةٍ» [الكافي ج7 ص231]. وعنه (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يقطع السّارق في أيّام المجاعة» [الكافي ج7 ص231]. فالمشكلة أنّ صاحب الاعتراض لا يعرف الفرق بين الحكم وشروط تطبيقه؟

فالحدّ شرع لمعاقبة السّارق المعتدي مع تحقّق شروط السّرقة، لا لتقطيع أيدي الجائعين الذين دفعتهم الضّرورة إلى الطّعام. وعدم إقامة الحدّ عند انتفاء شروطه ليس تعطيلاً له، كما أنّ عدم معاقبة من قتل دفاعاً عن نفسه ليس إلغاءً لتحريم القتل.

أمّا السّخرية من صلاة الاستسقاء والقول إنّ الله «تناسى» قوله:﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، فمبنيّةٌ على تصوّرٍ طفوليٍّ للدّعاء؛ كأنّ الإنسان يضغط زرّ الدّعاء فيجب أن ينزل المطر فوراً، وإلّا ثبت عدم وجود الله! القرآن نفسه الذي أمر بالدّعاء أخبر بأنّ الإنسان يُبتلى بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس، فوجود المجاعة لا يناقض الدّين، بل الدّين نفسه أخبر بإمكان وقوعها. والاستجابة للدّعاء لا تعني أنّ الله صار موظّفاً لتنفيذ مطالب البشر في التّوقيت والطّريقة التي يحدّدونها.

ثمّ يقفز صاحب الاعتراض من عام الرّمادة إلى «السّبي والغزو وتزويج القاصرات والرّجم وعصر النّانو» في جملةٍ واحدةٍ! وهذه ليست حجّةً، وإنّما كومة ملفّاتٍ أُلقيت في نهاية الكلام بعدما سقط أصل الاستدلال. فوجود «النّانو» لا يثبت حكماً أخلاقيّاً ولا يبطل حكماً شرعيّاً، كما أنّ تطوّر المجهر لا يحسم فلسفة القانون والأخلاق.

وفي المحصّلة، لم تنهزم الشّريعة أمام أوّل أزمةٍ، وإنّما الذي انهار هو فهم المعترض لها. فقد تصوّر أنّ الشّريعة تأمر بقطع يد كلّ من أخذ طعاماً ولو كان يموت جوعاً، فلما اكتشف أنّها لا تقول بذلك اتّهمها بالتّعطيل! والحقيقة أنّ مراعاة الضّرورة والمجاعة ليست هزيمةً أمام الواقع، بل هي جزءٌ من التّشريع نفسه. أمّا تحويل مرونة الحكم وشروطه إلى دليلٍ على سقوط الشّريعة، فهو كمن يتّهم الطّبيب بالتّناقض لأنّه لم يعطِ الدّواء نفسه لكلّ المرضى.