هل يفسر التنظيم الذاتي للكون وجوده من دون خالق؟

السؤال: «النّظام والتّعقيد في هذا الوجود لا يحتاجان إلى مهندسٍ كلّيّ القدرة ليصمّمهما؛ فمبادئ الفيزياء والاحتمالات قادرةٌ على توليد البنيات المعقّدة ذاتيّاً من قلب العشوائيّة. من ميكانيكا الكمّ إلى علم الأحياء، نجد أنّ المادّة تتشكّل وتنتظم بفضل خصائصها الذّاتيّة الصّارمة... البحث عن يدٍ خفيّةٍ تسبّبت في هذا الوجود هو مجرّد عدم فهمٍ لكيفيّة عمل القوانين الرّياضيّة في الفراغ». كلود شانون - عالم رياضيّاتٍ ومؤسّس نظريّة المعلومات.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

قبل مناقشة الفكرة لا بدّ من التّنبيه إلى أنّنا لم نقف على هذا النّصّ منسوباً إلى «كلود شانون» في مصدرٍ معتبرٍ، وإن كان شانون نفسه قد صرّح بأنّه ليس رجلاً متديّناً. وعلى كلّ حالٍ، لا يصحّ تحويل موقفٍ فلسفيٍّ شخصيّ إلى نتيجةٍ علميّةٍ، واللَّافت أنّه عندما سئل صراحةً عمّا إذا كانت نظريّة المعلومات بديلاً عن الاعتقاد بالله أجاب بالنّفي.

وقد تعرّضنا في إجاباتٍ سابقةٍ منشورةٍ في موقعنا لإشكالاتٍ قريبةٍ من هذا الإشكال، منها: (هل ميكانيكا الكمّ تلغي مبدأ السّببيّة؟)، كما ناقشنا دعوى إمكان إخراج الكون من العدم بواسطة ميكانيكا الكمّ. والمشكلة في هذه الاعتراضات واحدةٌ تقريباً: الانتقال من وصف العلم لكيفيّة حدوث الظّاهرة إلى الزّعم بأنّه فسّر لماذا يوجد أصل النّظام والقوانين والكون.

فلا خلاف في أنّ الطّبيعة تحتوي على صورٍ من التّنظيم الذّاتيّ، وأنّ تراكم تفاعلاتٍ بسيطةٍ قد ينتج بنىً شديدة التّعقيد. ولا يحتاج المؤمن إلى إنكار شيءٍ من ذلك. لكنّ السّؤال: ماذا أثبت هذا؟

إذا قلنا: إنّ بنيةً معيّنةً نشأت بفعل خصائص المادّة وقوانين الفيزياء، فقد فسّرنا الآليّة التي نشأت بها البنية، ولم نفسّر أصل المادّة ولا أصل خصائصها ولا أصل القوانين التي جعلت ذلك ممكناً.

وهنا تكمن المغالطة كلّها في عبارة: «المادّة تنتظم بفضل خصائصها الذّاتيّة». حسناً، ومن أين جاءت هذه الخصائص؟ ولماذا كانت المادّة قابلةً لهذا النّوع من التّنظيم؟ ولماذا توجد قوانين ثابتةٌ تجعل بعض الحالات تنتج حالاتٍ أخرى؟

ولتبسيط الأمر: عندما نقول إنّ بلّورات الملح تتشكّل بطريقةٍ منتظمةٍ بسبب طبيعة الرّوابط بين جزيئاتها، فنحن نفسّر كيف يتكوّن الشّكل، لكنّنا لم نفسّر بذلك لماذا توجد الجزيئات بهذه الخصائص ولماذا تحكمها هذه القوانين. واكتشاف الآليّة لا يلغي السّؤال عن أصل النّظام الذي تعمل داخله الآليّة.

أمّا عبارة: «التّعقيد يتولّد من العشوائيّة» فهي نفسها تحتاج إلى إثباتٍ قبل البناء عليها؛ لأنّ ما يوصف في بعض العلوم بالعشوائيّة لا يعني غياب القانون والنّظام، وإنّما يعني غالبا أنّنا لا نستطيع تعيين النّتيجة المفردة مسبقاً، مع بقاء الظّاهرة خاضعةً لقوانين واحتمالاتٍ محدّدةٍ. وما يسمّى بالتّنظيم الذّاتيّ لا يحدث في فراغٍ بلا ضابطٍ، وإنّما داخل أنظمةٍ لها مكوّناتٌ وخصائص وتفاعلاتٌ وشروطٌ محدّدةٌ. ولذلك لا يصحّ تحويل الوصف الاحتماليّ لبعض الظّواهر إلى دعوى فلسفيّةٍ تقول إنّ النّظام خرج من فوضى مطلقةٍ أو من غياب القانون.

فالقول: «النّظام نشأ ذاتيّاً» لا يعني: «النّظام نشأ من لا شيءٍ وبلا قانونٍ»، وإنّما يعني أنّه لم يحتج في كلّ خطوةٍ إلى تدخّلٍ خارجيٍّ مباشرٍ، لأنّ مكوّنات النّظام تتفاعل وفق خصائص وقوانين موجودةٍ فيه.

فلو تركت الماء يتجمّد فتشكّلت بلّوراتٌ، لا تحتاج إلى يدٍ ترسم كلّ بلّورةٍ واحدةً واحدةً؛ لكنّ ذلك لا يعني أنّ وجود الماء وخصائصه وقوانين تجمّده أصبحت بلا تفسيرٍ. الإيمان بالخالق لا يعني أنّ الله يجب أن يدفع كلّ ذرّةٍ بيده حتّى يكون خالقاً، وإنّما يعني أنّ أصل الوجود وقوانينه وإمكاناته لا يفسّر نفسه بنفسه.

ثمّ تأتي العبارة الأكثر غرابةً: البحث عن يدٍ خفيّةٍ سببه عدم فهم كيفيّة عمل القوانين الرّياضيّة في الفراغ. وكأنّ القوانين الرّياضيّة كائناتٌ سحريّةٌ تجلس في «الفراغ» ثمّ تقرّر إنتاج كونٍ!

القانون الرّياضيّ لا يصنع شيئاً. هو يصف علاقةً أو انتظاماً. معادلة الجاذبيّة لا تخلق كتلةً، ومعادلات الحركة لا تصنع جسماً متحرّكاً، كما أنّ قوانين الهندسة لا تبني منزلاً.

والسّؤال الفلسفيّ ليس: كيف تعمل القوانين؟ بل: لماذا يوجد عالمٌ تحكمه هذه القوانين أصلاً؟

وهذا هو الخلط الذي نبّهنا إليه في أجوبتنا السّابقة: كلّما اكتشف العلم آليّةً جديدةً قيل: «انتهت الحاجة إلى الله»، مع أنّ اكتشاف الآليّة لا ينافس الخالق. فإذا عرفنا كيف يتكوّن الجنين لا يعني ذلك أنّنا أثبتنا أنّ الوجود بلا خالقٍ، وإذا عرفنا كيف تتشكّل المجرّات لا يعني أنّنا عرفنا لماذا يوجد الكون وقوانينه من الأصل.

وفي المحصّلة، العلم يستطيع أن يبيّن لنا كيف تنشأ أنماطٌ معقّدةٌ من تفاعلاتٍ أبسط، وهذا لا يناقض الإيمان بالله في شيءٍ. أمّا القفزة من ذلك إلى القول: «إذن لا حاجة إلى خالقٍ»، فليست فيزياء ولا رياضيّاتٍ، وإنّما فلسفةٌ مادّيّةٌ أضيفت إلى النّتائج العلميّة.