هل المصطلحات الكلامية والأصولية في «نهج البلاغة» دليل على انتحاله؟

السؤال: (والنّقد الدّاخليّ لنصوص الكتاب يثبت أنّه ألّف في عهدٍ متأخّرٍ؛ ففيه بعض الكلمات التي لم يكن يتداولها العرب في عهد عليٍّ (رضي الله عنه)، مصطلحاتٌ ومنها في وصف القرآن الكريم: «كتاب ربّكم مبيّناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصّه وعامّه، وعبره وأمثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسّراً مجمله، ومبيّناً غوامضه». ومن المعروف أنّ «الخاصّ والعامّ، والمحكم والمتشابه والمفسّر والمجمل» من مصطلحات علم الأصول الذي وضع في القرن الهجريّ الثّاني... وإذا عرفنا أنّ الشّريف الرّضيّ ارتضع فكر المعتزلة، فلن نستغرب صدور تلك العبارات الكلاميّة والفلسفيّة عنه في «نهج البلاغة»، كاستخدامه كلمة الأزل بمعنى القدم كقوله: «لم يخلق الأشياء من أصولٍ أزليّةٍ»، وقد صرّح أئمّة اللّغة أنّ قولهم أزليّ وأزليّة مصنوعٌ وليس من كلام العرب، ومثل كلمة «الغيريّة والأبعاض» في قوله من خطبة التّوحيد: «ولا يوصف بشيءٍ من الأجزاء، ولا بالغيّريّة والأبعاض». وفيه من الآراء ما عرف به المعتزلة ومتكلّمو الاثني عشريّة في موقفهم من القرآن بعد قرنٍ من الزّمن: «وإنّما كلامه سبحانه فعلٌ منه أنشأه، ومثله لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً»). [د. محمد زكريا الندّاف، مسائل الاعتقاد عند الشّيعة الاثنا عشريّة ١/ ٢٩٨-٢٩٩]. ما رأيكم بهذا الكلام؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

أوّلاً: إنّ أصل هذا الإشكال ومنشأه لم يكن جديداً وإنّما يرجع إلى كلمات بعض المستشرقين، ومنهم (إغناتس غولد تسيهر) في كتابه «قراءاتٌ إسلاميّة»، وقبل ذلك، جرى التّشكيك في «نهج البلاغة» في كلمات بعض علماء العامّة كابن حجرٍ العسقلانيّ والذهبيّ وغيرهما. إلّا أنّ التحقيق والإنصاف يقتضي القول بأنّ هذه الإشكالات لا تعدو كونها تخميناتٍ وحدسيّاتٍ واستحساناتٍ ذوقيّةً لا ترتقي بحالٍ إلى درجة البرهان والاستدلال العلميّ.

وقد أجاب المركز سابقاً عن هذه التّشكيكات بالتفصيل تحت عنوان (التّشكيك في نهج البلاغة)، ونحن هنا نذكر باختصارٍ ما يتعلّق بهذا الإشكال المذكور، فنقول:

إنّ ما أُورد في الاستدلال عليه مجرّدُ مغالطةِ مصادرةٍ؛ إذ لم يُقم أصحاب هذا القول دليلاً ولا مدّعىً صالحاً لإثباته.

وقد ردّ الشّيخ مرتضى المطهّريّ رحمه الله على هذا الإشكال قائلاً: (وحينما رأى البعض في «نهج البلاغة» كلماتٍ من قبيل: الوجود والعدم، والحدوث والقدم، وأمثالها، احتملوا فرضيّةً أخرى وقالوا بأنّ هذه الكلمات إنّما دخلت فيما دخلت فيه من كلام عليٍّ — عمداً أو سهواً — بعد أن دخلت فلسفة اليونان إلى بلاد الإسلام. إنّ أصحاب هذه الفرضيّة لو كانوا يعبرون الألفاظ إلى المعاني لم يكونوا ليفترضوها؛ فإنّ أسلوب الاستدلال في «نهج البلاغة» يتفاوت بكثيرٍ عن أسلوب الفلاسفة المتقدّمين والمعاصرين للسّيّد الشّريف الرّضيّ بل وحتى عن أسلوب المتأخّرين عن «نهج البلاغة» بقرونٍ).

ثمّ قال: (إنّ في نهج البلاغة بحوثاً لم تكن مطروحةً في عصر السّيّد الشّريف الرّضيّ جامع النهج بين فلاسفة العالم، من قبيل: أنّ وحدة الله ليست وحدةً عدديّةً، وأنّ العدد في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن ذاته، وأنّ وجوده يساوي وحدته، وبساطة ذاته، وكونه مع كلّ شيءٍ لا بمقارنةٍ ومباينٌ لجميع الأشياء لا بمفارقةٍ.

وثانياً: نرى التّفاوت الكبير بين مستند البحوث في هذا الكتاب مع ما تداول من بحوث فلاسفة العالم حتّى اليوم، فكيف نستطيع أن ندّعي أنّ هذه الكلمات اخترعها المتعرّفون على المفاهيم الفلسفيّة السّائدة يومذاك؟) [موسوعة الشيخ مرتضى مطهّريّ ج16 ص406-408].

وثانياً: أنّ هذا الإشكال مجرّد ادّعاءٍ خالٍ من الدّليل؛ إذ لا يمكن الإحاطة بجميع ما كان يتكلّم به أهل القرن الأوّل، كما أنّ اللّغة كائنٌ حيويٌّ ينمو ويتّسع ولا حدّ لأساليبه، فلا يصحّ التّحديد والقول بأنّ حجّيّة التّعبير تتوقّف عند ما حُفظ في معاجم معيّنةٍ، فما ذكر في الإشكال من الألفاظ وهي: «الخاصّ والعامّ، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمبيّن» - التي زعموا أنّها من مصطلحات علم الأصول الموضوع في القرن الثّاني -، فإنّ هذه المفاهيم ألفاظٌ عربيّةٌ صحيحةٌ شائعة الاستعمال، ورد بعضها كـ «المحكم والمتشابه» نصّاً في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. أمّا «العامّ والخاصّ» و«المجمل والمبيّن» فمعانيها كثيرة الدوران في كلام العرب وتطبيقات القرآن؛ فإذا أراد عليٌّ (عليه السلام) أن يبيّن هذه المعاني القرآنيّة عند كلامه على القرآن، فبأيّ لفظٍ يعبّر؟ وهل كان عليه أن يتجنّب هذه الألفاظ لأنّها ستصير مصطلحاً للأصوليّين فيما بعد؟! إنّ هذا إلّا تحكّمٌ باردٌ، بل الأصوليّين إنّما أخذوا هذه الاصطلاحات من كلام عليٍّ (عليه السلام).

وأمّا لفظ: «أزل وأزليّة» بمعنى القدم، وما ذكر من أنّ أئمّة اللّغة صرّحوا بأنّها مصنوعةٌ وليست من كلام العرب وتكلّفوا لتخريجها.

فهذا الاعتراض يردّه نصّ الفيروزآباديّ في القاموس المحيط — وهو ممّن لا يُنكر تبحّره وسعة اطّلاعه — على أنّ «الأزل» عربيٌّ؛ حيث قال: (الأَزَلُ بالتّحريك: القِدَم، وهو أزَليٌّ، أو أصله يزَليٌّ منسوبٌ إلى لم يزل، ثمّ أبدلت الياء ألفاً للخفّة كما قالوا في الرّمح المنسوب إلى ذي يزن: أزَنيّ) [القاموس المحيط ج3 ص328]. وفي لسان العرب: (الأَزَلُ بالتّحريك: القِدَم، يقال: أزَليٌّ، وذكر بعض أهل العلم أنّ أصل هذه الكلمة قولهم للقديم: لم يزل، ثمّ نُسب إلى هذا فلم يستقم إلّا بالاختصار فقالوا: يزَليٌّ، ثمّ أبدلت الياء ألفاً لأنّها أخفّ فقالوا: أزَليٌّ...) [لسان العرب ج11 ص14].

وكيفما كان، فقد اعترف أهل اللّغة بوجود لفظ «أزل» و«أزليّ» في كلام العرب، وسواءً كان مشتقّاً ومولّداً من «لم يزل» أو ارتجالاً، فهو أمرٌ لا يقدح في عربيّته ولا يوجب الشّكّ في النهج [للمزيد ينظر: مختصر مفيد ج3 ص129-156].

وثالثاً: ثمّ إنّ هذه العبارات والمفاهيم العاليّة لم تكن مختصّةً بـ «نهج البلاغة»، ولا بخصوص الإمام عليٍّ (عليه السلام)، بل هي شائعةٌ وموجودةٌ في كلام باقي المعصومين (عليهم السّلام):

فانظر إلى قول السيّدة الزهراء (عليها السّلام): «الممتنع من الأبصار رؤيتُه، ومن الألسن صفتُه، ومن الأوهام كيفيّتُه. ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلَها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلةٍ امتثلها، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيّته، من غير حاجةٍ منه إلى تكوينها، ولا فائدةٍ له في تصويرها، إلّا تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته» [الاحتجاج ج1 ص133].

وقول الإمام الحسن (عليه السلام): «الحمد لله الذي لم يكن له أوّلٌ معلومٌ، ولا آخرٌ متناهٍ، ولا قَبلٌ مدرَكٌ، ولا بَعدٌ محدودٌ، ولا أمدٌ بـ حتّى، ولا شخصٌ فيتجزّأ، ولا اختلاف صفةٍ فيتناهى، فلا تدرك العقول وأوهامها، ولا الفكر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها صفته، فيقول: متى، ولا بدئ ممّا، ولا ظاهرٌ على ما، ولا باطنٌ فيما، ولا تاركٌ فهلاّ، خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً، ابتدأ ما ابتدع، وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد» [التوحيد للصّدوق ص45].

وخطبة الإمام الحسين ودعاء عرفة، ومضامين الصّحيفة السّجّاديّة وغيرها من الرّوايات.

فإذن هذا نقضٌ على كلام هؤلاء، يعكس الطاولة عليهم حتّى نقول: إنّ أصحاب العلوم المتأخّرة أخذوا هذه المصطلحات من لسان الأئمّة (عليهم السّلام).

فيتبيّن ممّا ذكرنا وجوه المغالطة في كلام المستدلّ:

فمنها: (المصادرة): ويتجلّى ذلك في قول المشكل: (ومن المعروف أنّ «الخاصّ والعامّ، والمحكم والمتشابه، والمفسّر والمجمل» من مصطلحات علم الأصول الذي وضع في القرن الهجريّ الثّاني...). فهنا يفترض أنّ هذه المصطلحات هي مجرّد اصطلاحاتٍ اعتباريّةٍ أُنشئت في القرن الثّاني في حين أنّ هذه المسألة هي أصل النّزاع ومحلّ الخلاف الشّديد؛ إذ إنّ مفاهيم مثل «المحكم والمتشابه» و«العامّ والخاصّ» هي في أصلها مفاهيم قرآنيّةٌ ولغويّةٌ جاريةٌ في الصّدر الأوّل.

ومنها: (العلّة الجعليّة): تظهر في ادّعاء المستشكل: (وإذا عرفنا أنّ الشّريف الرّضيّ ارتضع فكر المعتزلة، فلن نستغرب صدور تلك العبارات الكلاميّة والفلسفيّة عنه في «نهج البلاغة»...). لقد لاحظ الكاتب وجود تشابهٍ بين المضامين الكلاميّة في «نهج البلاغة» وآراء المعتزلة، فجزم مباشرةً بأنّ تأثّر الشّريف الرّضيّ بالمعتزلة هو «العلّة» في ظهور هذه العبارات، وهي علّةٌ جعليّةٌ؛ لإمكان العكس تماماً، وهو أن تكون المعتزلة هي التي استمدّت أفكارها وتأثّرت بخطب الإمام عليٍّ (عليه السلام) المتقدّمة زمناً في البصرة والكوفة، فمجرّد المقارنة النّصّيّة لا تقتضي العليّة الجعليّة.

ومنها: (التعميم المتسرّع)، وهذا واضحٌ، حيث لم يرَ كلّ خطب وروايات «نهج البلاغة»، بل من خلال بعضها عمّم الحكم واستنتج حكماً كلّيّاً وهو أنّ «نهج البلاغة» يتوافق مع المعتزلة، وأنّى له من هذا الادّعاء.

ومن هنا فيكون نقده لقول الإمام: «وإنّما كلامه سبحانه فعلٌ منه أنشأه...» واعتراضه بأنّ هذا من آراء المعتزلة ومتكلّمين في موقفهم من القرآن بعد قرنٍ من الزّمن، مغالطةً أخرى، حيث افترض أنّ مسألة «حدوث الكلام الإلهيّ» هي تولّدت في العصر العبّاسيّ حصراً، فجعل وجودها في «نهج البلاغة» دليلاً على تأخّر النّصّ، وهذا (الإسقاط التّاريخيّ) يغفل عن أنّ القواعد العقليّة والأسس التّوحيديّة لهذه المسألة كانت مطروحةً في كلام الصّحابة، وهذا الكلام كمن يدّعي: «بما أنّ حقوق الإنسان صيغت كمنظومةٍ في القرن العشرين، فإنّ أيّ نصٍّ من القرن الخامس قبل الميلاد يتحدّث عن كرامة الإنسان يُعدّ نصّاً مزيّفاً».

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله ربّ العالمين.