هل الألم من الحس الظاهر أم الباطن؟
السؤال: في المنطق (الجزء الثّالث): الحسّ على نوعين: ظاهريّ وباطنيّ؛ الظّاهريّ منها اللّمس، لكنّ الباطنيّ أيضاً له لمسٌ، مثلاً كعلمنا بأنّ لنا خوفاً وفكرةً وجوعاً وعطشاً وألماً في داخل الإنسان. عندما يحصل الألم هنالك هرموناتٌ أو ما شابه ـ إذا صحّ التّعبير ـ فالملامسة تُعطيني علماً بأنّ قد حصل لي ألمٌ؛ فيكون هكذا حسّاً ظاهريّاً باللّمس وليس باطنيّاً، وكذلك الخوف والعطش والجوع؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الإشكال ناشئٌ من الخلط بين أمرين مختلفين: سبب الإحساس في الجسم، وطريقة إدراك الإنسان لهذا الإحساس. فالمنطقيّون حين يقسّمون الحسّ إلى ظاهرٍ وباطنٍ لا يقصدون مجرّد وجود أثر جسديٍّ خارجيٍّ أو داخليٍّ، وإنّما يقصدون طريق حصول العلم عند الإنسان.
فالحسّ الظّاهر هو ما ندركه بإحدى الحواسّ الظّاهرة؛ كالبصر والسّمع والشّمّ والذّوق واللّمس، أمّا الحسّ الباطن فهو ما يجده الإنسان في نفسه مباشرةً؛ كعلمه بأنّه خائفٌ أو جائعٌ أو عطشانٌ أو متألّمٌ.
وعليه، فكون الخوف أو الجوع أو الألم يرتبط بتغيّراتٍ جسديّةٍ أو عصبيّةٍ أو هرمونيّةٍ لا يجعله حسّاً ظاهراً؛ لأنّ الإنسان حين يقول: «أنا خائفٌ» لا يعرف خوفه لأنّه رأى هرموناته أو لمس قلبه أو قاس نشاط دماغه، وإنّما يجد الخوف في نفسه مباشرةً. وكذلك الجائع لا يحتاج إلى فحص المعدة حتّى يعلم أنّه جائعٌ، والعطشان لا يحتاج إلى تحليل دمٍ حتّى يعرف أنّه عطشانٌ.
ويبدو أنّ منشأ الاشتباه يعود إلى كلمة «اللّمس»، فعندما قال السّائل إنّ الألم «يلامس النفس» اعتبر ذلك دليلاً على أنّ الألم يرجع أيضاً إلى حسّ/حاسّة اللّمس، وبالتالي يصبح من الحسّ الظّاهر. وهذا غير صحيحٍ؛ لأنّ «اللّمس» المقصود في الحواسّ الظّاهرة لا يعني مطلق الاتّصال أو التّأثير، وإنّما يعني إدراكاً مخصوصاً يحصل بواسطة حاسّة اللّمس؛ فالألم قد ينشأ بسبب إصابةٍ أو تغيّرٍ عصبيٍّ في موضعٍ من البدن، لكنّ هذا لا يعني أنّ «الألم لامس النفس» فأدركناه بحاسّة اللّمس؛ فهذه مجرّد طريقةٍ في التّعبير وليست حقيقةً حسّيّةً. نحن لا نلمس الألم، وإنّما نشعر به في أنفسنا.
وكذلك الجوع والعطش والخوف قد تكون لها أسبابٌ جسديّةٌ داخليّةٌ، لكنّ مجرّد ارتباط هذه الأسباب بالجهاز العصبيّ لا يجعل إدراكها من الحسّ الظّاهر، وإلّا لكان كلّ إحساسٍ نفسيٍّ أو داخليٍّ نوعاً من اللّمس، وهذا خلطٌ بين سبب الإحساس وبين الحاسّة التي يُدرك بها.
وهنا ينبغي التّفريق بين أن نقول: ما سبب الألم؟ وبين أن نقول: كيف علمت أنّني متألّمٌ؟ فقد يكون سبب الألم إصابةً في الأعصاب أو الأنسجة، لكنّ علم الإنسان بأنّه يتألّم لا يحصل عن طريق أن يلمس الألم بحاسّة اللّمس، وإنّما يدركه وجداناً في نفسه.
وكذلك الخوف؛ قد يصاحبه تسارعٌ في القلب أو تغيّرٌ في بعض الهرمونات، لكنّ هذه التّغيّرات ليست هي الطّريق الذي يعرف الإنسان به أنّه خائفٌ. فقد يعرف الطّبيب هذه التّغيّرات بالفحص والأجهزة، أمّا الإنسان نفسه فيعلم بخوفه مباشرةً من داخله.
وفي المحصّلة، وجود أسبابٍ جسديّةٍ للخوف والجوع والعطش والألم لا يحوّلها إلى محسوساتٍ ظاهرةٍ؛ لأنّ الكلام في المنطق ليس عن أسباب الحالة في البدن، وإنّما عن كيفيّة إدراك الإنسان لها. فما ندركه بواسطة العين أو الأذن أو اللّمس فهو حسٌّ ظاهرٌ، وما نجده في أنفسنا مباشرةً من خوفٍ وألمٍ وجوعٍ وعطشٍ ونحوها فهو من الحسّ الباطن أو الوجدانيّ.
اترك تعليق