هل بإمكان ميكانيكا الكم إخراج الكون من العدم؟
السؤال: لقد أظهرت لنا الفيزياء الحديثة إنّ الكون لا يحتاج إلى صانعٍ ليخرج من العدم. إنّ قوانين ميكانيكا الكم تجعل ظهور الأكوان من «لا شيء» أمراً ممكناً بل وحتميّاً. البحث عن يد إلهيّة لتفسير الوجود هو مجرد كسل فكريّ يعود إلى عصور الجهل؛ فالكون الذي نعيش فيه لا يدور حولنا، ولم يُصمّم من أجل رفاهيتنا، وقوانينه الصارمة لا تجامل صلواتنا ولا تتأثّر بدموعنا. إن تقبل هذه الحقيقة المجرّدة يعطينا الشجاعة لنقدر اللحظة العابرة التي نعيشها على هذا الكوكب بدلاً من انتظار خلود وهميّ. لورانس كراوس - فيزيائيّ نظريّ وعالم فلك أمريكيّ كنديّ.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
سبق أن تعرّضنا لجانبٍ قريبٍ من هذا الإشكال في إجابةٍ منشورة في موقعنا بعنوان: (هل ميكانيكا الكم تلغي مبدأ السببيّة؟)، وبيّنا هناك إنّ ما كشفته ميكانيكا الكم من طبيعة احتماليّة لبعض الظواهر لا يعني إنّ الأشياء توجد بلا سبب، ولا إنّ العلم أثبت إمكان خروج الوجود من العدم، وما يقال هنا لا يختلف كثيراً عن ذلك، إلّا إنّ الدعوى انتقلت من الحديث عن السببيّة إلى القول بإنّ الكون نفسه يمكن أنْ يظهر من «لا شيء».
وأوّل ما ينبغي التنبيه إليه إنّ هذه النتيجة ليست حقيقةً أثبتتها الفيزياء، وإنّما تفسيرٌ فلسفيّ أُضيفَ إلى بعض التصورات الفيزيائيّة.
فميكانيكا الكم نظريّة تصف سلوك العالم الفيزيائيّ في مستواه الدقيق، وتقدّم قوانين واحتمالات لما يمكن أنْ يحدث ضمن هذا العالم، لكنها لا تقول: إنّ «العدم» يستطيع أنْ ينتج شيئاً.
وهنا تكمن المشكلة الأساسيّة؛ لإنّ العدم ليس شيئاً حتى تكون له قدرةٌ أو خاصيّة أو قانون. عندما نقول: «لا شيء»، فنحن لا نتحدث عن مادّةٍ خفيّة أو حالةٍ غريبة أو طاقة غير مرئيّة، بل عن نفي كلّ وجود. وما لا وجود له لا يفعل شيئاً، ولا يتغيّر، ولا ينتج، ولا توجد فيه إمكانيّة تنتظر أن تتحقّق.
ولذلك فإنّ القول: «قوانين ميكانيكا الكم تسمح بظهور الكون من العدم» يحمل في داخله تناقضاً واضحاً؛ لأنّك بمجرد أن تفترض وجود قوانين وإمكانات واحتمالات لم تعد تتحدث عن عدم محضٍ. فقد أدخلت شيئاً في الصورة ثم سمّيته «لا شيء».
وهذا هو الفارق بين السؤال العلميّ والسؤال الفلسفيّ الذي أشرنا إليه في أجوبةٍ سابقةٍ.
الفيزياء تستطيع أن تدرس كيف تنتقل حالةٌ فيزيائيّة إلى حالةٍ أخرى، وما الشروط التي تسمح بحدوث ظاهرةٍ معيّنة، لكنَّها لا تحسم بمجرد ذلك السؤال الأعمق: لماذا يوجد أصل الواقع بدلاً من ألا يوجد شيء؟ ولماذا توجد القوانين أصلاً؟
فإذا قيل: القوانين تسمح بظهور الكون، بقي السؤال قائماً: ومن أين جاءت هذه القوانين؟ ولماذا توجد؟ ولماذا لها هذه القدرة أو البنية دون غيرها؟
ولا يصح الجواب بإنّ القوانين هي التي أوجدت الكون؛ لإنّ القانون ليس فاعلاً يخلق الأشياء، وإنّما وصف لطريقة انتظامها.
فقانون الجاذبيّة لا يخلق الأجسام، بل يصف العلاقة بينها، وقوانين الكيمياء لا تخلق المواد، بل تصف كيفيّة تفاعلها. ومن ثَمَّ فإن القول إنّ «القانون خلق الكون» يشبه القول إنّ قواعد النحو كتبت القصيدة، أو إنّ قوانين الهندسة بَنت المنزل.
كما إنّ القول إنّ البحث عن خالق «كسل فكريّ» ليس كلاماً علميّاً، بل خطاب أيديولوجيّ. فالإيمان بالخالق لا يقوم على جهلنا بكيفيّة حدوث الظواهر حتى يزول كلما تقدّم العلم، وإنما يقوم على سؤال آخر: هل الموجودات تملك تفسير وجودها في ذاتها، أم أنها محتاجة إلى ما يفسر أصل وجودها؟
فلو اكتشف العلم غَداً كل تفاصيل نشأة الكون منذ أول لحظةٍ يمكن للفيزياء وصفها، فلن يكون قد أجاب بمجرد ذلك عن سؤال: لماذا يوجد هذا الكون وهذه القوانين وهذه الإمكانات من الأصل؟
وكذلك القول إنّ الكون لا يدور حول الإنسان، أو إنّ قوانينه لا تتغيّر بحسب صلواتنا، لا علاقة له بإثبات وجود الله أو نفيه، فالإيمان لا يقول إنّ الله لا يكون موجوداً إلّا إذا جعل الكون مصمّماً للراحة الدائمة، ولا إنّ قوانين الطبيعة ينبغي أنْ تتوقّف كلما دعا الإنسان. بل انتظام هذه القوانين وثباتها هو الذي يجعل الحياة والعلم والتنبّؤ ممكنين أَصْلاً.
وفي المحصّلة، لا توجد في ميكانيكا الكم قاعدة علميّة تقول: إنّ العدم المحض ينتج الوجود؛ لإنّ العدم ليس حالة فيزيائيّة ولا مصدراً للأكوان.
وما يمكن أن تثبته الفيزياء هو أنّ ظاهرةً ما يمكن أنْ تنشأ من حالةٍ سابقةٍ وفق قوانين وشروطٍ معيّنة، أما الانتقال من ذلك إلى القول: «إذن الوجود كله خرج من لا شيءٍ ولا يحتاج إلى خالق»، فهو انتقالٌ من العلم إلى الفلسفة من دون برهان.
فالمشكلة ليست في الفيزياء، وإنّما في تحميلها نتيجة لم تقلها: العلم قد يفسر لنا كيف يحدث الشيء، لكنَّه لا يجعل «لا شيء» شيئاً، ولا يحول القانون من وصفٍ للوجود إلى خالقٍ له.
اترك تعليق