ما دلالة خوف النبي (ص) على علي (ع) يوم الخندق؟

السؤال: يرى بعض العامة أن خوف النبيّ (صلى الله عليه وآله) على عليٍّ يوم الخندق يناقض فكرة أنّه منصوصٌ على إمامته؛ لأنه لو يعلم أنّه الإمام بعده لما خاف عليه من الموت. وشبيه ذلك: خوف عليٍّ على الحسنين يوم صفّين إذ قال: «املكوا عنّي هذين الغلامين لا تنقطع بهم ذرّيّة رسول الله (ص)»؛ فلو كان يعلم أنّهما إمامان بعده لما خاف عليهما. المصدر: كتاب نقض الشيعة لحسن عامر ص20.

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في بداية الأمر، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه لو سلّمنا بالمنطق الذي يقوم عليه إشكال المشكل، للزم أن يجري هذا المنطق في حقّ جميع الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام)، لا في محلّ البحث فحسب؛ إذ إنّ العلم السابق، أو العلم بالعاقبة، لا يستلزم انتفاء المشاعر والانفعالات البشريّة عند وقوع الحادثة في مقامها الخارجيّ، وعليه شواهد كثيرةٌ من القرآن:

منها: قوله تعالى حكايةً عن موسى وهارون (عليهما السلام): ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [ طه: 45-46].

ومن الواضح أنّ موسى وهارون (عليهما السلام) كانا يعلمان أنّهما رسولان من الله، وأنّ الله تعالى لن يخذلهما، بل أخبرهما صراحةً بأنّه معهما يسمع ويرى، ومع ذلك عبّرا عن خوفهما من أن يفرط فرعون عليهما أو يطغى.

فهل يمكن أن يقال: إنّ وجود هذا الخوف ينافي علمهما السابق بالمعونة الإلهيّة؟ فالخوف هنا ناشئٌ عن إدراك الخطر في مقام المواجهة البشريّة، ولا يعني الشّكّ في وعد الله تعالى ولا عدم الاعتقاد بالنصر.

ومنها: ما وقع لموسى (عليه السلام) في قصة بني إسرائيل، فقد أخبره الله تعالى وهو عند الطور بما صنع قومه في غيبته، فقال سبحانه: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [ طه:85].

فموسى (عليه السلام) تلقّى هذا الخبر من الله تعالى، وكان على يقينٍ بحقيقته. ومع ذلك، لما رجع إلى قومه وواجه المشهد بنفسه، تغيّر حاله وظهر عليه الغضب والأسف الشّديد، قال تعالى:﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف:150].

فلو كان العلم السابق مانعاً من التأثر عند المشاهدة والمواجهة، لما كان لهذا الغضب والأسف وجه، لكن الآية تبيّن بوضوح أنّ العلم بحقيقة الأمر في مرتبةٍ لا يستلزم زوال الانفعال النفسيّ المتناسب مع مقام الحادثة في مرتبةٍ أخرى؛ لأنّ الانتقال من مقام العلم إلى مقام المعاينة والمواجهة له مقتضياته النفسيّة والسلوكيّة، من دون أن يستلزم ذلك تبدّل العلم أو حصول الشّكّ فيه.

وعلى هذا الأساس، يتبيّن أنّ أصل الإشكال قائمٌ على الخلط بين أمرين مختلفين: بين العلم بالحقيقة أو بالعاقبة من جهة، وبين الانفعال البشريّ الطّبيعيّ عند مباشرة الحادثة ومواجهتها من جهةٍ أخرى.

ومن هنا نقول: بأنّ لهم (عليهم السلام) جهتين لا تنافي بينهما:

الأولى: الجهة المتّصلة بالله تعالى، التي يترتّب عليها ما يثبت لهم من العلم اللّدنيّ أو العلم بالغيب بإذن الله تعالى، وتلقي الوحي وغيرها من الأمور الغيبيّة المختصّة بأولياء الله.

والثانية: الجهة البشريّة، التي يعيشون من خلالها مقتضيات الحياة الإنسانيّة الطّبيعيّة، من الخوف والحزن والفرح والشّفقة، ويتعاملون مع الوقائع الخارجيّة وفق أسبابها وظروفها الطّبيعيّة، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110].

وعليه، فلا تعارض بين الجهتين؛ فكون النبيّ أو الإمام عالماً بإذن الله تعالى بما سيقع لا يعني أنّه يفقد مشاعره الإنسانيّة، ولا أنّ عليه أن يتعامل مع الوقائع الخارجيّة وكأنّه منفصلٌ عن عالم الأسباب والمسببات، كما أنّ خوفه لا يعني خوف الجبان الذي يشكّ في وعد الله أو يفرّ من أداء وظيفته، بل يكون خوفاً ناشئاً عن إدراك الخطر أو الشّفقة على الآخرين أو ملاحظة مقتضيات الموقف البشريّ.

ومن هنا يظهر: أنّ الإشكال قد افترض أنّ القول بالنّصّ على الإمامة أو ثبوت العلم بالمستقبل يستلزم سلب العواطف البشريّة، أو إلغاء التكاليف الظّاهريّة، أو تعطيل جريان الأمور وفق الأسباب الطّبيعيّة، ولا سيما في موارد الخطر والقتال.

وهذا الافتراض غير لازم؛ فإنّ التصور الإماميّ للإمامة لا يقوم على أنّ الإمام كائنٌ منزّهٌ عن الطبيعة البشريّة، وإنّما يقوم على ثبوت مقامٍ خاصٍّ له.

وعليه، فإنّ بناء الإشكال على الملازمة بين العلم السابق وانتفاء الخوف أو الحزن أو القلق إنّما هو بناءٌ على مقدمةٍ غير مسلّمةٍ، ثم ترتيب النتيجة عليها؛ ومن ثمّ فهو أقرب إلى أن يكون مصادرةً على المطلوب، بل يمكن إدراجه ضمن مغالطة رجل القشّ، إذ جرى أوّلاً تصوير عقيدة الإماميّة بصورةٍ مبسّطةٍ ومصطنعةٍ، ثم توجيه الإشكال إلى هذه الصورة، لا إلى حقيقة المبنى الذي تتبنّاه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

ولتقريب الفكرة، يمكن أن نضرب مثلاً عرفيّاً: لو كان طبيبٌ يعلم بناءً على علمه وخبرته أنّ دواءً معيّناً سينجح في علاج مريضه، فلا يلزم من ذلك أن لا يقلق على المريض أثناء فترة العلاج، أو أن لا يخشى من حصول مضاعفات، أو أن لا يتأثّر عند مشاهدة معاناته؛ فقلقه لا يكشف عن عدم اعتقاده بنجاح العلاج، وإنّما هو انفعالٌ طبيعيٌّ ناشئٌ عن مباشرته لحالة المريض وملاحظته لظروفها. هذا أوّلاً.

وثانياً: أنّ قلق النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) واحتياطه الأوّليّ في إرسال عليٍّ (عليه السلام) إلى الميدان يمكن أن يكون أيضاً طريقاً هدائيّاً وتربويّاً للمسلمين؛ وذلك من خلال إظهار حقيقة مواقف الآخرين، وإبراز عظمة المهمة التي كان عليٌّ (عليه السلام) مقبلاً عليها وإظهار فضله على الآخرين.

فمن جهة، كان في ذلك إظهارٌ لخوف الآخرين؛ إذ إنّ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) دعا ثلاث مرّاتٍ، ولم يقم أحدٌ إلا عليٌّ (عليه السلام)، فكان هذا التّكرار كاشفاً عن سكوت الآخرين وخوفهم وتردّدهم، في مقابل استعداد عليٍّ (عليه السلام) للنهوض.

ومن جهة أخرى، كان في ذلك تعظيمٌ لعظمة ما يقوم به الإمام (عليه السلام)؛ فعندما وضع النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) عمامته على رأس عليٍّ (عليه السلام) وقال: «برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه»، كان في هذا التّصرّف، مع إظهار القلق والاحتياط، بيانٌ للأمّة بأنّ خليفة النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) يتحمّل عبئاً عظيماً، وأنّ الإيمان الإسلاميّ مدينٌ لعليٍّ (عليه السلام) في مثل هذه المواقف.

وكذلك الحال في قضيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) ودعائه للحسنين (عليهما السلام) وخوفه عليهما؛ فقد ذكر أنّه في واقعة البصرة يوم الجمل منع الحسنين (عليهما السلام) من الخوض في نار الحرب، وكان يقول لأصحابه: «املكوا عنّي هذين الغلامين، فإنّ في قتلهما ذهاب سلسلة النّبوّة»، إظهاراً لمكانتهم، وأنّهم بقيّة النّبوّة.

ففي هذا الاستدلال مغالطةٌ؛ إذ جرى الخلط بين الأمر بالخوف على عليٍّ (عليه السلام)، وبالمحافظة على الحسنين (عليهما السلام) حفظاً لذرّيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) واستمراراً للإمامة، وبين عدم الاعتقاد بمقامهم أو بمستقبلهم والنصّ بإمامتهم؛ فإنّ خوف النّبيّ (صلى الله عليه وآله) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تنقطع بهم ذرّيّة رسول الله» يدلّ على غايةٍ عقلائيّةٍ ودينيّةٍ، وهي حفظ نسل النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) وصيانة خطّ الإمامة، فالخوف على حياتهم ليس ناقضاً للنّصّ أو منافياً للاعتقاد بمستقبلهم، بل هو شرطٌ ومقدمة لتحقّق ذلك النّصّ واستمرار الإمامة. ومثاله أن يقال: إذا كان القائد يعلم أنّ جيشه سينتصر في المعركة، فلماذا يأمر جنوده بارتداء الدروع؟ فهل يدلّ أمره لهم بالاحتياط على عدم اعتقاده بالنصر؟ ومن الواضح أنّ الجواب بالنفي؛ لأنّ اتخاذ أسباب الحفظ لا ينافي العلم بالنتيجة، بل قد يكون جزءاً من طريق تحقّقها.

وثالثاً: يمكن الردّ والنقض على هذا الإشكال باستقراء السيرة العمليّة للنّبيّ (صلى الله عليه وآله) في مواطن عديدةٍ؛ إذ لم نعهد منه هذا القلق والإشفاق عند إرسال عليٍّ في سائر المواقع والمغازي المشهودة كيوم بدرٍ وغيرها، ولا عند ندبه للعهود والمهام العظام في المناطق والبلدان النّائية، وكذا الحال في سيرة أمير المؤمنين في وقائع صفّين، فكان يأمر الحسنين بمباشرة نار الحرب، ويعقد لهما الجيوش، ويقدّمهما على العساكر، كما قدّم مالك الأشتر وعمّار بن ياسر (رضي الله عنهما)، وهذا يؤكّد أنّ الاحتياط في موارد خاصّة إنّما كان لدواعٍ تربويّةٍ ومصالح إلهيّةٍ طارئة.