هل يصح الأخذ من الصوفيَّة؟
السؤال: يقول البعض من الشيعة بأنهم يأخذون من التصوُّف ما وافق المرويَّ عن أهل البيت (عليهم السلام) ويعرضون عن المخالف للمرويِّ عنهم، فهل يجوز هذا التبعيض في المسألة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنَّ الصوفيَّة من الفرق المنحرفة عن خطِّ أهل البيت (عليهم السلام)؛ ولذلك نشاهد العديد من الروايات الذامَّة لهم، نذكر طرفاً منها:
1ـ ما روي عن كتاب حديقة الشيعة، وفيه: (نقل الشيخ المفيد محمَّد بن محمَّد بن النعمان (رضي الله عنه) عن محمَّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب أنه قال: كنتُ مع الهادي علي بن محمَّد (عليهما السلام) في مسجد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فأتاه جماعةٌ من أصحابه، منهم أبو هاشم الجعفريّ- وكان رجلاً بليغاً- وكانت له منزلةٌ عنده (عليه السلام). ثمَّ دخل المسجد جماعة من الصوفيَّة وجلسوا في ناحيةٍ مستديراً وأخذوا بالتهليل، فقال (عليه السلام): لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخدَّاعين، فإنهم خلفاء الشيطان، ومخرِّبوا قواعد الدين، يتزهَّدون لراحة الأجسام، ويتهجَّدون لصيد الأنعام ... أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنُّم والتغنية، فلا يتَّبعهم إلَّا السفهاء، ولا يعتقدهم إلَّا الحمقى، فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حياً وميتاً فكأنما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومن أعان أحداً منهم فكأنما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان. فقال له رجلٌ من أصحابه: وإنْ كان مُعترفاً بحقوقكم؟ قال: فنظر إليه شبه المغضب وقال: دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا، أما تدري أنهم أخس طوائف الصوفيَّة، والصوفيَّة كلُّهم مخالفونا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإنْ هم إلَّا نصارى أو مجوس هذه الأمَّة، أولئك الذين يجهدون في إطفاء نور الله بأفواههم والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون) [رسالة الاثني عشريَّة ص28].
2ـ وما روي فيه أيضاً، وفيه: (قال رجلٌ للصادق (عليه السلام) قد خرج في هذا الزمان قومٌ يقال لهم الصوفيَّة، فما تقول فيهم؟ فقال (عليه السلام): إنهم أعداؤنا فمن مال إليهم فهو منهم ويحشر معهم، وسيكون أقوامٌ يدَّعون حبَّنا ويميلون إليهم، ويتشبَّهون بهم، ويلقِّبون أنفسهم بلقبهم، ويؤولون أقوالهم، ألا فمن مال إليهم فليس منا وإنا منه براء، ومن أنكرهم وردَّ عليهم كان كمن جاهد الكفَّار مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)) [رسالة الاثني عشريَّة ص32].
3ـ وما روي فيه أيضاً، وفيه: (نقل السيِّد المرتضى، عن الشيخ المفيد، عن أحمد بن محمَّد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمَّد بن عبد الجبار، عن العسكريّ (عليه السلام) أنه كلَّم أبا هاشم الجعفريّ فقال: يا أبا هاشم، سيأتي على الناس زمانٌ وجوههم ضاحكةٌ مستبشرة، وقلوبهم مظلمةٌ منكدرةٌ، السنَّة فيهم بدعة والبدعة فيهم سنَّة، المؤمن بينهم محقَّر والفاسق بينهم موقَّر، أمراؤهم جاهلون جائرون، وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون، أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء، وأصاغرهم يتقدَّمون على الكبراء، كلُّ جاهلٍ عندهم خبير، وكلُّ محيلٍ عندهم فقير، لا يميِّزون بين المخلص والمرتاب، ولا يعرفون الضأن من الذئاب، علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض، لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوُّف، وأيم الله، إنَّهم من أهل العدول والتحرف، يبالغون في حبِّ مخالفينا، ويضلُّون شيعتنا وموالينا، وإنْ نالوا منصباً لم يشبعوا من الرشا، وإنْ خُذلوا عبدوا الله على الريا؛ لأنَّهم قطَّاع طريق المؤمنين، والدعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركهم فليحذرهم، وليصن دينه وإيمانه.
ثمَّ قال: يا أبا هاشم، بهذا حدَّثني أبي عن آبائه عن جعفر بن محمَّد (عليهما السلام)، وهو من أسرارنا فاكتمه إلَّا عن أهله) [رسالة الاثني عشريَّة ص33]. إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الذامَّة لهم ولمن يتشبَّه بهم أو يميل إلى نهجهم وطريقتهم، أعرضنا عن ذكرها خشية التطويل والملل.
إذا تبيَّن هذا واتَّضح، فإننا نقول: إنَّ الأخذ من الصوفيَّة مرفوضٌ رفضاً قاطعاً، سواء كان ما ينقلونه موافقاً لما رُوي عن أهل البيت (عليهم السلام) أم مخالفاً له، أمَّا إذا كان مخالفاً، فالأمر بيِّنٌ؛ إذْ لا يُؤخذ بكلام من لم يُنصبه الله تعالى مرجعاً في الدين.
وأمَّا ما يوافق روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ الأخذ به من طريق الصوفيَّة يُعدُّ ترويجاً لمدارسهم المنحرفة ورموزهم المضلَّة، ويؤدِّي إلى تضليل ضعفاء الشيعة وإيهامهم بجواز الرجوع إلى غير العترة الطاهرة، ومن خلال هذا الباب، يتسرَّب الكثير من الباطل والزيف الذي امتلأ به تراثهم، حتَّى تختلط الأمور وتضيع معالم الهُدى التي بُذل من أجلها الكثير، كما هو واضح.
على أنَّ الأحرى بالمؤمن العارف بحقِّ أهل البيت (عليهم السلام) أنْ لا يأخذ دينه ومعارفه إلَّا من النبع الصافي الذي لا يشوبه شك أو شبهة، ألا وهو تراث العترة الطاهرة الذين أمرنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالتمسُّك بهم في الحديث المتواتر المعروف: «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسَّكتم بهما لن تضلُّوا بعدي، فإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض» [يُنظر: كتاب سُليم بن قيس ص201، مصنَّف ابن أبي شيبة ج7 ص176]، وغيرهما.
والنتيجة المتحصَّلة من ذلك، أنه على كِلا التقديرين لا يصحُّ الأخذ عنهم إمَّا لبطلانه في حدِّ نفسه ـ وهو المخالف للعترة الطاهرة ـ أو لكونه سبباً في الترويج لأهل البدع والضلالات كما بيَّنا .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق