هل أغاث الحسنان عثمان يوم الدار؟
السؤال: هل ثبت في الروايات أنَّ الإمام عليَّاً أرسل ولديه الحسنين (عليهم السلام) لإغاثة عثمان ساعة حصاره ومقتله؟
الجواب:
ذكرت بعض المصادر التاريخيّة أنّ أمير المؤمنين عليَّاً (عليه السلام) قد أرسل الحسن والحسين (عليهما السلام) للدفاع عن عثمان حينما كان محاصراً، غير أنّ هذه الرواية عند التمحيص تُعدّ ضعيفةً من حيث السند، متهافتةً من حيث الدلالة، وتخالف ما ثبت من السيرة القطعية لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومواقفه الثابتة في تلك المرحلة.
فأقدم مصدرٍ معروفٍ لهذه الرواية هو كتاب "تاريخ المدينة" لابن شبه النميريّ [ت262هـ]، وقد نقلها عنه البلاذريّ [ت279هـ] في "أنساب الأشراف"، كما رواها ابن عبد ربّه [ت328هـ] في "العقد الفريد".
وقد تبعهم في النقل من جاء بعدهم. [ينظر: تاريخ المدينة المنورّة ج2 ص 301، أنساب الأشراف ص559، العقد الفريد ج5 ص42].
و يقع الكلام في هذه الرواية على أمور:
الأمر الأول: ضعف سند الرواية:
أما سند الرواية فهو كما هنا:
(حدّثنا محمد بن يوسف بن سليمان، وأحمد بن منصور الرماديّ، قالا: حدّثنا هشام بن عمار بن نصير، قال: حدّثنا محمد بن عيسى بن سميع القرشيّ، قال: حدّثني ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب...).
وقد عقب النميريّ على هذه الرواية قائلاً: (وهذا حديثٌ كثير التخلّيط، منكر الإسناد، لا يُعرف صاحبه الذي رواه عن ابن أبي ذئب، وأما ابن أبي ذئب ومن فوقه فأقوياء).[تاريخ المدينة ج2 ص301].
و أمّا من جهة علم الرجال، فقد أشار جملةٌ من كبار علماء الحديث من أهل السنة إلى أنّ (محمّد بن عيسى بن سميع) من المدلّسين، بل صرّحوا بأنّه لم يسمع هذه الرواية من ابن أبي ذئبٍ مباشرةً، وإنّما رواها عن راوٍ ضعيفٍ ونسبها كذباً إلى ابن أبي ذئب.
فقد قال ابن حبَّان في ترجمته: (فأمّا خبره الذي روى عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب؛ في مقتل عثمان، لم يسمعه من ابن أبي ذئب، سمعه من إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي، عن ابن أبي ذئب، فدلس عنه، وإسماعيل واهٍ) [الثقات ج9 ص43]. وقال البخاريّ: (محمّد بن عيسى بن القاسم بن سميع، شاميّ. عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن سعيد؛ في مقتل عثمان. سمع منه هشام بن عمّار. ويقال: أنّه لم يسمع من ابن أبي ذئبٍ هذا الحديث) [التاريخ الكبير ج1 ص546]. سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فأجابه: (قال أبي: سألت محمود بن عيسى بن سميع عن هذا الحديث، فحدَّثني، وقال: في كتاب ابن سميع: حدَّثني رجلٌ من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب) [العلل ج6 ص584]. و غيرهم من كبار نقّاد الحديث.[ينظر تاريخ دمشق ج55 ص67-68، الكامل في التاريخ ج6 ص246]
وبناءً على ذلك، يتبيّن أنّ محمّد بن عيسى بن سميع – وهو أحد رواة هذا الحديث – مدلّسٌ، وقد أخفى ضعف روايته بإسنادها زوراً إلى ابن أبي ذئب، لتبدو الرواية صحيحةً ظاهراً وهي في الحقيقة ساقطةٌ سنداً.
الأمر الثاني: ضعف متن الرواية:
إنّ متن الرواية – فوق ضعف سندها – يعاني من تهافتٍ واضحٍ، وتناقضٍ بيّنٍ، ومضامين تَصطدمُ اصطدامًا مباشِرًا مع العقائد القطعيَّة لدى الإمامية، بل ومع أصول عقيدة أهل السنَّة أنفسهم في عدالة الصحابة، فضلًا عن كونها مخالفةً لما استقرّت عليه المسلّمات التاريخيَّة المتواترة، ومن ثمّ، فإنّ هذه الرواية من حيث المتن كما ترى، فلنذكر بعض هذه المتهافتات:
أولاً: مضمون الرواية ومخالفتها لمباني الإماميّة و أهل السنَّة أنفسهم:
فقد وردت في الرواية مضامين غير قابلةٍ للقبول حتى على مباني أهل السنَّة أنفسهم، بل إنّ بعضها لا يُطرح في كتبهم أصلاً، وبعضها الآخر ظاهر الكذب والاختلاق.
ومن أبرز ما جاء فيها:
إنَّ علياً (عليه السلام) قال لابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام): «كيف قُتل وأنتم على الباب؟»، ثمّ لطم الحسن وضرب الحسين، وشتَم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج مغضباً يرى أنَّ طلحة قد شارك في قتل عثمان، فلقيه طلحة، وقال له: «ما لك يا أبا الحسن، ضربت الحسن والحسين؟»، فقال: «عليك لعنة الله، ألا يسوؤني ذلك؟ يُقتل أمير المؤمنين؟».
وهذه المضامين، لو أُخذت بظاهرها، تنافي الأصول المسلَّمة عند الشيعة والسنة:
أمّا عند الشيعة، فهي تنافي عصمة الأئمة (عليهم السلام)؛ وذلك لأن توبيخ الإمام على الحسنين (عليهم السلام) وضربهما ينافي العصمة.
وأمّا عند السنة فهي تنافي عدالة الصحابة التي يتبناها جمهور أهل السنة؛ إذ يُفهم منها أنّ علياً عليه السلام قد لعن عبد الله بن الزبير وطلحة، وهما من الصحابة المعروفين، فكيف يُجمع أهل السنة على تعظيمهم والدفاع عنهم بعد هذه الرواية؟
بل تفيد الرواية أيضاً أنّ علياً (عليه السلام) كان يعتقد أنَّ طلحة قد شارك في قتل عثمان، فهل يُعقل بعد ذلك أنْ يُعدّ طلحة من العدول؟ وكيف يُعطى لمثل هذا الشخص منزلة التوثيق والتقديس مع لصوق التهمة به؟
وعليه، فإنَّ هذه الرواية ساقطةٌ سنداً بسبب وجود مدلّسٍ أخفى ضعيفاً في الإسناد، ومنافية لما عليه معتقد أهل السنة من عدالة جميع الصحابة دون استثناء.
ثانيًا: ذكر شواهد و قرائن كذب الرواية، وتبيّنُ أنّها مخالفةٌ لغيرها من الروايات الثابتة و المسلّمات التاريخيّة التي تدلّ على الموقف القطعيّ للإمام تجاه عثمان:
سنورد عدداً من القرائن و الشواهد و الروايات والوثائق التاريخيّة المأخوذة من سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام)، التي تتعارض بوضوحٍ مع هذه الرواية وتتنافى مع مضمونها:
شهادة موقف الإمام علي (عليه السلام) نفسه تجاه عثمان:
قد صرّح الإمام عليه السلام بعدم مسؤوليته عن قتل عثمان، فقال: «لو أمرتُ به لكنتُ قاتلاً، أو نهيتُ عنه لكنتُ ناصراً، غير أنَّ من نصره لا يستطيع أنْ يقول خذله من أنا خيرٌ منه، ومن خذله لا يستطيع أنْ يقول نصره من هو خيرٌ مني. وأنا جامعٌ لكم أمره: استأثر، فأساء الأثرة، وجزعتم، فأسأتم الجزع، ولله حكمٌ واقعٌ في المستأثر والجازع» [نهج البلاغة ج1 ص75]
قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الموضع: (قوله: «غير أنَّ من نصره»؛ معناه أن خاذليه كانوا خيراً من ناصريه، لأنَّ الذين ناصروه كان أكثرهم من الفسّاق، كمروان بن الحكم وأمثاله، بينما خذله المهاجرون والأنصار) [شرح نهج البلاغة ج1 ص158]
حلف الإمام ألّا يعينه أبدًا:
توجد في مصادر أهل السنة روايات تثبت أنّ عثمان اتّهم الإمام علياً (عليه السلام) بأنّه كان كاتب الكتاب الذي أُرسل إلى والي مصر، فلمّا واجهه الإمام بتلك التهمة، أقسم ألّا يعينه بعد ذلك أبداً حتّى يختصم هو وإيّاه عند ربّ العالمين.
فقد روى ابن شبة النميريُّ في تاريخ المدينة روايتين تؤكّدان ذلك: «لمّا كان من أمر عثمان ما كان، قدم قومٌ من مصر معهم صحيفةٌ صغيرة الطي، فأتوا عليَّاً (رضي الله عنه) فقالوا: إنَّ هذا الرجل قد غيّر وبدّل، ولم يسِرْ مسيرة صاحبيه، وكتب هذا الكتاب إلى عامله بمصر: أنْ خذ مال فلان واقتل فلانا وسيّر فلاناً، فأخذ عليٌّ الصحيفة فأدخلها على عثمان، فقال: أتعرف هذا الكتاب؟ فقال: إنّي لأعرف الخاتم. فقال: اكسرها، فكسرها. فلمّا قرأها، قال: لعن الله من كتبه ومن أملاه!
فقال له عليٌّ (رضي الله عنه): أتتهم أحداً من أهل بيتك؟ قال: نعم. قال: من تتهم؟ قال: أنت أول من أتهم. فغضب عليّ (رضي الله عنه)، فقام وقال: والله لا أعينك ولا أعين عليك حتى ألتقي أنا وأنت ربّ العالمين». [تاريخ المدينة ج2 ص212]
وفي روايةٍ أخرى: «رجع أهل مصر إلى المدينة قبل أنْ يصلوا إلى بلادهم، ونزلوا ذا المروة في آخر شوال، وبعثوا إلى عليٍّ (رضي الله عنه) أنَّ عثمان كان قد أرضانا ثم كتب يأمر بقتلنا، وبعثوا بالكتاب إليه، فدخل عليٌّ (رضي الله عنه) على عثمان (رضي الله عنه) بالكتاب فقال: ما هذا يا عثمان؟ فقال: الخطّ خطّ كاتبي، والخاتم خاتمي، ولا والله ما أمرتُ ولا علمتُ.
قال: فمن تتّهم؟ قال: أتّهمك وكاتبي! فغضب عليّ (رضي الله عنه) وقال: والله لا أردّ عنك أحدا أبدا» [تاريخ المدينة ج2 ص212]
شهادة سعيد بن المسيب: إذْ روى عبد الرزاق الصنعانيّ في الأمالي روايةً أخرى عن سعيد بن المسيّب، قال: «شهدت علياً وعثمان وقد تبادلا سباباً لم أسمع أحداً يسبُّ بمثله قط، ولو كنت محدّثاً به أحداً لحدّثتُك به، ثم نظرت إليهما يوماً آخر فرأيتهما جالسين في المسجد، يضحك أحدهما إلى الآخر». [الأمالي في آثار الصحابة ج1 ص70].
تصريح الإمام لابن عباس بموقفه من عثمان:
وقد ورد عن الإمام (عليه السلام) قوله لابن عباس، عندما جاءه برسالةٍ من عثمان وهو محصورٌ يسأله فيها أنْ يخرج إلى ماله بينبع:«يا ابن عباس، ما يريد عثمان إلّا أنْ يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب، أُقبل وأُدبر. بعث إليّ أنْ أخرج، ثم بعث إليّ أنْ أقدم، ثم هو الآن يبعث إليّ أنْ أخرج! والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أنْ أكون آثماً». [نهج البلاغة ج2 ص233]
كلام الإمام عليّ بعد مقتل عثمان:
إذْ روى البلاذريّ من طريق عمّار بن ياسر، قال: «رأيت علياً على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قُتل عثمان وهو يقول: ما أحببتُ قتله ولا كرهته، ولا أمرتُ به ولا نهيت عنه» [أنساب الأشراف ج5 ص595]
اتهام بني أمية لعليّ بعد مقتل عثمان:
إذْ ورد في روايةٍ أخرى أنّ الإمام دخل على عثمان وهو مغمىً عليه، وكانت بنو أمية حوله، فقال له: ما بك يا أمير المؤمنين؟ فصاحت بنو أمية بمنطق واحد:«يا عليُّ، أهلكتنا، وصنعتَ هذا الصنيع بأمير المؤمنين! أما والله لئن بلغتَ ما تريد لتمرنّ عليك الدنيا! فقام عليٌّ مغضباً» [تاريخ الطبريّ ج4 ص365، الكامل في التاريخ ج3 ص161].
تناقض الرواية مع مصالح أعداء الإمام:
لو صحّت الرواية القائلة بأنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) أرسل ولديه الحسن والحسين للدفاع عن عثمان، لما كان لمعاوية وأمثاله من أعداء الإمام أنْ يجدوا مبرّراً لاتهامه بقتل عثمان؛ لأنَّ الناس حينها لم يكونوا مصدّقين مثل هذا الاتهام، لظهور بطلانه ووضوح تضادّه مع هذا الموقف.
موقف عثمان المسيء تجاه الإمام:
إنّ السلوك السيّئ الذي بدر من عثمان تجاه الإمام عليّ وأبنائه يجعل من غير المعقول أنْ يقدم الإمام على خطوةٍ كهذه، إلى جانب ذلك، فإنّ علياً وأبناءه لم يكونوا ليتخلّفوا عن جماعة المهاجرين والأنصار وخلّص أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولا أنْ يخالفوهم في مثل هذا الحدث المصيري. [تحليل سياسي لحياة الإمام الحسن المجتبى (ع) ص202].
فإنّ هذه الروايات و القرائن الكثيرة والصريحة- و غيرها الذي لم نذكرها- في المصادر السنيَّة والشيعيَّة، والتي تثبت غضب الإمام على عثمان ورفضه الدفاع عنه، بل واتهام عثمان له صراحةً بأنّه المتهم الأوّل، كلّها تخالف بوضوح الرواية التي تدعي أنّ الإمام أرسل الحسن والحسين للدفاع عن عثمان، ممّا يدلُّ على أنَّ الرواية مكذوبةٌ ومختلقة.
ومن هنا صرّح العلّامة الأمينيّ (رحمه الله) في كتابه الغدير ـ بعد ذكر هذه القصة ـ بأنّ رواية دعم الإمام عليٍّ (عليه السلام) لعثمان، وإرساله أبناءه لحراسة بيته، من الروايات الموضوعة والمكذوبة، وهي تخالف الروايات المتواترة والمتينة التي تنقل انتقاد الإمام عليٍّ (عليه السلام وبعض صحابة النبي الأكرم (صلى الله عليه
وآله) لسلوك عثمان وأعماله، فلم يرسلوا أبناءهم للدفاع عنه، بل كانوا دائماً في صفّ المعارضين له، ولم يهدأ لهم بالٌ في السعي لتقويم انحرافاته، وإرجاع نظام الحكم إلى نهج القرآن الكريم وسنّة النبي صلى الله عليه وآله. [الغدیر ج9 ص331].
الأمر الثالث: توجيه متن الرواية:
ثمّ حتّى مع التسليم بصحّة الرواية، فإنّها قابلةٌ للتوجيه من عدَّة جهاتٍ ترفع عنها ما يُتوهم من الإشكال:
أولاً: من أين يُعلم أنَّ تدخل الإمام عليّ (عليه السلام) أو إرساله الحسن والحسين (عليهما السلام) كان من أجل الدفاع عن شخص عثمان وتوفير الماء له؟
من المقطوع به أنَّ في دار عثمان آنذاك نساءً وأطفالاً وعبيداً لا دخل لهم في سياساته وتصرفاته، وكانوا معرّضين للهلاك من العطش أو الخوف، دون ذنبٍ اقترفوه، وعليه، فإنَّ تدخل أمير المؤمنين عليه السلام إنما كان بدافعٍ إنسانيٍّ نبيل؛ لحماية هؤلاء الأبرياء ومنع الإضرار بهم، لا حبَّاً بعثمان ولا دفاعاً عن مواقفه السياسيَّة.
وقد ورد في مصادر أهل السنة ما يدعم هذا التوجيه، فقد ذكر النميريُّ روايةً صحيحة السند تثبت أنَّ أمَّ المؤمنين أم حبيبة - زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) -، لما حوصر عثمان، جاءت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) «وقالت له: أجِرْ لي مَن في الدار، فقال (عليه السلام): نعم، إلّا نعثلاً وشقيّاً.
فقالت: ما حاجتي إلَّا عثمان وسعيد بن العاص، قال: ما إليهما سبيل، فقالت: ملكتَ - يا ابن أبي طالب - فأسجِحْ، قال: أما والله ما أمركِ اللهُ ولا رسولُه»[تاريخ المدينة ج2 ص219].
فالرواية تدلّ بوضوح على أنَّ الإمام عليّ (عليه السلام) لم يكن معنياً بإنقاذ عثمان بقدر ما كان يسعى إلى تجنيب الأبرياء الأذى.
ثانياً: دفاع الإمام عليّ (عليه السلام) لا يعني بالضرورة تأييد حكم عثمان أو رضاه عن سلوكياته السياسيَّة.
كما أشار الشهيد المطهريّ (رحمه الله)، فإن الإمام (عليه السلام) كان يعارض سياسات عثمان، ولكنّه في ذات الوقت لم يرضَ بفتح باب قتل الخلفاء، لما يترتَّب على ذلك من فتنٍ لا تُحمد عقباها. يقول المطهريُّ: (إنّ علياً (عليه السلام) كان مخالفاً لطريقة حكم عثمان، وفي الوقت نفسه لم يكن موافقاً على فتح باب قتل الخلفاء؛ لأنَّه لا يريد أنْ يُقتل الخليفة فتُفتح بذلك أبواب الفتنة في وجه المسلمين.) [مجموعه آثار ج16 ص595]
ثالثاً: الإمام (عليه السلام) كان يسعى لمنع الفتنة الكبرى التي قد تعصف بالأمة بعد مقتل عثمان.
كان الإمام علي (عليه السلام) ذا بصيرةٍ ثاقبةٍ يدرك أنَّ قتل عثمان سيتحول إلى ذريعةٍ بيد بعض الأطراف، وعلى رأسهم معاوية، لتهييج الرأي العام، وافتعال الفتن الطاحنة التي ستُراق فيها الدماء وتُشق فيها عصا المسلمين، وهذا ما حصل فعلاً في معارك الجمل وصفين والنهروان، التي كانت كلّها من توابع مقتل عثمان.
وقد أشار الشهيد مطهري إلى هذه الحقيقة المؤلمة، فقال: (إنّ مقتل عثمان كان شرارة الفتن التي امتدّت آثارها قروناً في تاريخ الإسلام، ولا تزال تبعاتها باقيةً إلى اليوم) [سيرى در نهج البلاغة ص170].
وهناك جهاتٌ أخرى يمكن التطرّق إليها في توجيه الرواية.
وبالنتيجة: تبيّن من خلال التحقيق في أسانيد الرواية ودلالاتها أنّ خبر إرسال الإمام عليّ (عليه السلام) ولديه الحسنين (عليهما السلام) للدفاع عن عثمان وقت حصاره لا يصحّ سنداً لما فيه من تدليسٍ وضعف، ولا دلالةً لما يتضمّنه من مضامين مخالفةٍ للسيرة الثابتة للإمام (عليه السلام)، ومناقضةٍ لما ثبت في المصادر المعتبرة من موقفه تجاه عثمان.
وعليه، فإنَّ هذه الرواية ساقطةٌ لا حجّة فيها، ولا يمكن الاعتماد عليها في رسم موقف الإمام من تلك الحادثة.
ثم حتى لو سلَّمنا صحتها، فإنّ موقف الإمام عليّ (عليه السلام) لم يكن انحيازاً لعثمان، بل كان موقفاً مبدئياً نابعاً من مسؤوليته بصفته إماماً للمسلمين، وحريصاً على وحدة الأمة وسلامتها، كما كان حريصاً في السابق على المصلحة العليا للإسلام حين التزم الصمت و ساهم في بعض أعمال الخلفاء السابقين حفظاً للكيان الإسلاميّ.
اترك تعليق