هل الدين حقاً مصدر للاستبداد والتخلف؟

السؤال: ‏يطالب البعض بإلغاء الموروث الدينيّ من المراجع التعليميَّة والمؤسسات الحكوميَّة والقانونيَّة، ومن المنابر والقنوات الاعلاميَّة؛ لأنه بسبب ذلك سنظلُّ ننتج عقولاً مستبدةً لانعكاس الدين على شخصيتها، وشخوصاً متوحشةً بسبب العنف الموجود في الدين تجاه الآخر، ومستقبلاً مليئاً بالإخفاق؛ لأنَّ الدين لم يؤسّس أيَّة حضارةٍ في تاريخه.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

لقد تعرَّضنا لمثل هذه الإشكالات مراراً في أجوبةٍ سابقةٍ، سواءٌ تلك التي تبنَّتها التيارات اللّادينيَّة، أو التيارات العلمانيَّة المتطرّفة، والتي لا تكتفي بالمطالبة بإبعاد الدين عن المؤسسات، بل تسعى لإقصائه عن مجمل الحياة الثقافية والاجتماعية، بزعم أنه يشكّل عائقاً أمام تطور الإنسان وانعتاقه من التخلف والعنف والاستبداد. ومن الطبيعيّ أن تتبنى هذه التيارات مثل هذه الرؤية؛ لأنها تنطلق من منظومةٍ فكريَّةٍ مغلقةٍ على تصورٍ أحاديٍّ للحرية والمعرفة، ترى في الدين خصماً لا شريكاً، ومصدراً للهيمنة لا مورداً للقيم والمعنى.

وحين يُقال إن بقاء الموروث الدينيّ في المؤسسات التعليميَّة أو القانونيَّة سيؤدي إلى إنتاجٍ عقولٍ مستبدةٍ، وذواتٍ متوحشة، فإن هذا يقتضي أولاً أنْ نعرف: ما هو الاستبداد؟ فإنْ كان الاستبداد هو إقصاء الآخر ومنعه من الظهور والتعبير عن رأيه، فإن هذا المطلب ذاته – الذي ينادي بإلغاء الدين من الوجود العام – يمثل قمة الاستبداد الفكريّ؛ لأنه لا يطلب مراجعة الدين أو نقد بعض مظاهره، بل يطالب بإلغاء وجوده تماماً من الفضاء العام.

ومثل هذا الطرح لا يختلف عن أيَّة ممارسةٍ سلطويَّةٍ تستهدف تصفية المختلف، إلَّا أنَّ الأدوات هنا قد تكون ناعمةً أو مغلّفةً بالحديث عن التقدم والعقل.

ثم إنَّ التجربة التاريخيَّة تكشف بوضوحٍ أنَّ الدين لم يكن هو سبب الاستبداد أو العنف في العالم، بل إنَّ أعتى المجازر والاستبداديات ارتكبتها أيديولوجيَّاتٌ لا دينيَّة: النازيَّة كانت قوميَّة، الستالينيَّة إلحاديَّة، والإمبرياليَّة لم تكن ترفع شعاراتٍ دينيَّةً، بل استخدمت مفاهيم "الحضارة" و"العقل" لتبرير استعمارها للشعوب وقتل الملايين.

ولسنا هنا في مقام تبرئة المتدينين من كلّ خطأ، لكن من الإنصاف أنْ نقرّ بأنَّ الإنسان يمكن أنْ يستبدّ باسم أيَّة عقيدةٍ أو مذهبٍ إنْ غابت عنه رقابة الضمير، والدين الحق هو الذي يغرس هذا الضمير، ويربطه بمصدرٍ أعلى من المصلحة الذاتيَّة أو ضغط الجماعة.

فالدين – في جوهره الأصيل – ليس مجرد طقوسٍ وممارساتٍ تقليديَّة، بل هو منظومةٌ متكاملةٌ من القيم والمعايير والمعاني التي تهذب الوجدان الإنسانيَّ، وتمنحه رؤيةً كونيَّةً متماسكةً.

من أين يمكن للإنسان أن يستمد شعوره العميق بالمسؤولية الأخلاقية إن لم يكن مؤمناً بأنَّ أفعاله مرصودةٌ من قبل خالقٍ عليم؟ وما الذي يردع الإنسان في غياب سلطة القانون إنْ لم يكن هناك ضميرٌ متصلٌ بالمقدّس؟

إنَّ الذين يطالبون بإلغاء الدين من الحياة العامة غالباً ما يقترحون بدائل فلسفيَّةً أو تربويَّةً تُوهم بأنَّها قادرةٌ على تحقيق ما يحققه الدين من تهذيبٍ للإنسان، وتنظيمٍ للمجتمع، لكنهم يصطدمون بحقيقةٍ لا يمكن تجاوزها: الدين لا يقدّم جملة أخلاقيَّاتٍ نظريَّةٍ معزولةٍ، بل يوفّر إطاراً شاملاً يربط الإنسان بمعنى وجوده، ويحدّد له غايته، ويحمّله مسؤوليَّةً عميقةً أمام نفسه وأمام من حوله.

فالقانون مهما بلغ من الدقة، لا يستطيع أنْ يصنع إنساناً نزيهاً إذا كان ذلك الإنسان لا يؤمن بشيءٍ يتجاوز العقوبة، والتعليم مهما ترقّى لا يغرس الصدق والرحمة في النفس ما لم يكن هناك شعورٌ داخليٌّ بأن للحياة ميزاناً أعلى من النجاح واللَّذة.

وحده الدين هو الذي يربط السلوك اليوميَّ بمعايير ثابتةٍ لا تخضع لتقلّب المزاج أو منطق السوق أو تقلّبات المصلحة، بل تستمد قوتها من شعور الإنسان بالرقابة الإلهيَّة والانتماء إلى منظومةٍ قيميَّةٍ لا تزول بزوال الظروف.

وحتى على المستوى النفسيّ والروحيّ، فإن التجارب المتراكمة تثبت أنَّ الإنسان الذي يعيش بلا دينٍ غالباً ما يفتقد الطمأنينة العميقة، ويواجه قلقاً وجودياً لا يستطيع أنْ يفرّ منه مهما حاول أن يملأ حياته بالترفيه أو الإنجاز.

أما الدين، فهو يقدّم للإنسان خطاباً موجهاً للروح والعقل معاً، يواسيه في ضعفه، ويحمّله مسؤوليته في آنٍ واحد، ويهديه إلى توازنٍ بين الغرائز والواجبات، بين اللذة والضمير، بين الحرية والانضباط.

باختصار، إن الدين لا ينبغي أنْ يُفهم على أنَّه عقبةٌ أمام العقل، بل هو أحد أعمدة التوازن الإنسانيّ، وإذا كان البعض قد استغله لتبرير العنف أو التسلط، فإن الحل ليس بإزالته، بل بإعادته إلى موقعه الصحيح كمصدرٍ للقيم، وليس كأداةٍ للهيمنة.

والمجتمع الذي يُقصي الدين لن يكون مجتمعاً حراً، بل مجرد ساحة صراعٍ لقوىً أخرى ستملأ الفراغ، وقد تكون أشدَّ عنفاً وسطوة.