آراء ابن تيمية التي ردَّ عليها علماء أهل السنَّة
السؤال: ما هي المسائل العقائديَّة والفقهيَّة التي خالف فيها ابن تيمية جمهور أهل السنَّة والجماعة والتي ردَّ عليه العلماء؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم –أيدك الله– أنَّ المسائل العقديَّة والفقهيَّة التي أثارت كثيراً من الجدل بين أوساط أهل العلم، وشذَّ فيها ابن تيمية عن أهل السنَّة والجماعة والتي أدَّت إلى سجنه وردَّ العلماء فيها عليه ما يأتي:
أوّلاً: اعتقاده بتجسيم الذات المقدَّسة:
أذْ صرح بالتجسيم في المسألة المسمّاة بالحمويّة [انظر: العقيدة الحمويَّة الكبرى ج1ص1]. وقد ذكر ابن كثيّر: في حوادث سنة 698 أنّه قام عليه جماعةٌ من الفقهاء وأردوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدّين الحنفيّ فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة الّتي كان قد سأله عنها أهل حماة [البداية والنهاية ج14 ص 26].
وذكر ابن أبي الفداء: في حوادث سنة 705 استدعي أحمد بن تيميّة من دمشق إلى مصر وعقد له مجلسٌ وأُمسك وأودع الاعتقال بسبب عقيدته فإنّه كان يقول بالتّجسيم [انظر: تاريخ أبي الفداء ج 3 ص 132].
وقد انبرى جماعةٌ من العلماء في الرّدّ عليه نذكر منهم:
1ـ معاصره الشّيخ أحمد بن يحيى الكلابيّ الحلبيّ المعروف بابن جهبل [ت: 733 هـ] في كتاب: [رسالة في نفي الجهة].
2ـ الشيخ أبو بكر تقي الدّين محمّد بن عبد اللّه الحصنيّ [ت: 829 هـ]. في كتاب سمّاه: [دفع شُبَه مَن شبَّهَ وتمرّد].
وثانياً: نهيه عن زيارة قبر النبيّ والصالحين:
قال اليافعيُّ: (له مسائل غريبةٌ أنكر عليها، وحُبس بسببها، مُباينَةٌ لمذهب أهل السّنّة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة النّبيّ) [مرآة الجنان ج 4 ص 277].
وقال الحافظ ابن حجر: (قاموا عليه في شعبان سنة 726 بسبب مسألة الزّيارة واعتقل بالقلعة فلم يزل بها إلى أنّ مات) [الدرر الكامنة ج1 ص174].
وقد انبرى جماعةٌ من العلماء في الرّدّ عليه نذكر منهم:
1ـ الفقيه الشيخ محمّد بن علي بن عمر المازنيّ الدّمشقيّ [ت: 721 هـ] في [رسالة في الرّدّ على ابن تيميّة في مسألة الزّيارة].
2ـ الحافظ الشيخ تقي الدّين علي بن عبد الكافيّ السّبكيّ [ت: 756 هـ]. في كتاب سمّاه: [شفاء السّقام في زيارة خير الأنام].
3ـ القاضي الشيخ كمال الدّين محمّد بن علي الزّملكاني [ت: 727 هـ]. صنّف [رسالة في الرّدّ على ابن تيميّة في الزّيارة].
4ـ الشّيخ عمر بن أبي اليمن اللّخميّ الفاكهيّ [ت: 734 هـ]. في كتاب سمّاه: [التّحفة المختارة في الرّدّ على منكر الزّيارة].
5ـ الشيخ محمّد الأخنائيّ [ت: 750 هـ] برسالة سمّاها: [المقالة المرضيّة في الرّدّ على من ينكر الزّيارة المحمّديّة].
6ـ الشّيخ أحمد بن محمّد بن حجر الهيتميّ [ت: 974 هـ] في كتاب سمّاه: [الجوهر المنظّم في زيارة القبر المعظّم].
وثالثاً: مذهبه في مسألة الطلاق الثّلاثة لا يلزم منه إلّا طلقة واحدة:
قال ابن حجر: (قاموا عليه في شهر رمضان سنة 719 بسبب مسألة الطّلاق، وأُكّد عليه المنع من الفتيا، ثمّ عقد له مجلسٌ آخر في رجب سنة عشرين ثمّ حبس بالقلعة ثمّ أخرج في عاشوراء سنة: 721 [الدرر الكامنة ج1 ص174]
وقد انبرى جماعةٌ من العلماء في الرّدّ عليه نذكر منهم:
1ـ الحافظ الشيخ تقي الدّين علي السّبكيّ [ت: 756 هـ]، في كتاب سمّاه: [رفع الشّقاق عن مسألة الطّلاق].
2ـ القاضي الشيخ كمال الدّين محمّد بن علي الزّملكانيّ [ت: 727 هـ]. صنّف [رسالة في الرّدّ على ابن تيميّة في الطّلاق].
3ـ الفقيه الشيخ محمّد بن علي بن عمر المازنيّ الدّمشقيّ [ت: 721 هـ] في: [رسالة في الرّدّ على ابن تيميّة في مسألة الطّلاق].
4ـ الشيخ عيسى الزّواويّ المالكيّ [ت: 743 هـ] في كتاب سمّاه: [رسالة في الطّلاق].
5ـ الحافظ الشيخ ابن رجب الحنبليّ [ت: 795 هـ]. في كتاب: [بيان مشكّل الأحاديث الواردة في أنّ الطّلاق الثّلاث واحدة].
ورابعاً: انحرافه عن أمير المؤمنين وأهل بيته:
تجد ذلك صريحاً في كلماته التي حواها كتابه: [منهاج السنَّة] كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر عند ترجمته في كتابه: [الدرر الكامنة] قال: (منهم من ينسبُه إلى النفاق لقوله في عليٍّ إنه كان مخذولا حيث ما توجَّه، وأنَّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنما قاتل للرياسة لا للديانة، وإنه كان يحبُّ الرياسة، وأنه أسلم صبيَّاً، والصبي لا يصحُّ إسلامه على قول، وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل .. فإنه شنع في ذلك، فألزموه بالنفاق..) [الدرر الكامنة ج1 ص181].
وقال في: [لسان الميزان] قال: (طالعتُ الردَّ المذكور فوجدتُه كما قال السبكيُّ في الاستيفاء، لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهر، وإن كان معظم ذلك من الواهيات والموضوعات، لكنَّه رد في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد.. ولزم من مبالغته لتوهين كلام الرافضيّ الإفضاء أحياناً إلى تنقيص عليّ) [لسان الميزان ج8ص551].
أقول: قد حاول بعض أتباعه الاعتذار له أنَّه كان يقابل ابن المطهر بفعل عليٍّ (عليه السلام)، فكلما أتى الرافضيُّ بطعنٍ على أبي بكر أو عمر .. أتى له ابن تيمية بما يقابله بنفس الشبهة على علي (عليه السلام)
ومثاله قوله في: "منهاج السنة": (فإن جاز للرافضي أنْ يقول إنَّ أبا بكرٍ كان طالباً للمال والرياسة، أمكن الناصبيُّ أنْ يقول كان عليٌّ ظالماً طالباً للمال والرياسة قاتل على الولاية)
ومثل قوله: (الرافضيُّ إذا قدح في معاوية بأنه كان باغياً ظالماً، قال لـه الناصبيُّ: وعليٌّ أيضاً كان باغياً ظالماً لما قاتل المسلمين على إمارته وبدأهم بالقتال، وصال عليهم وسفك دماء الأمة بغير فائدة لا في دينهم).
أقول: وهذا تبريرٌ لا يعذر به إذ إنَّه مخالفٌ لأصول مخالفينا في عدم التعرض للصحابة بالطعن، وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من سادة الصحابة الكبار، حيث سَأل عبد الله بن أحمد بن حنبل أباه قائلاً: من أفضل الناس بعد رسول الله؟ قال: (أبو بكر.
قلت: يا أبتِ! ثم من؟ قال: عمر، قلتُ: يا أبت ثم من؟ قال: عثمان، قلت: يا أبت فعليٌّ؟! قال: يا بني عليٌّ من أهل بيت لا يقاس بهم أحد) [الروايتين والوجهين لأبي يعلى ج2 ص93].
نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولا وآخراً
اترك تعليق