لِمَن يعود الضمير في «اهدِ له» في دعاءِ الطواف؟
السؤال: ورد في أدعيةِ الطواف حول الكعبة، وأخصُّ الشوطَ الخامس: «الحمدُ للهِ الذي شرّفك وعظَّمك، الحمدُ للهِ الذي بعثَ محمّدًا نبيًّا، وجعل عليًّا إمامًا» في إشارةٍ إلى البيت الحرام، إلى أنْ يقولَ في الدعاء: «اللهمّ اهدِ له خيارَ خلقك، وجنّبْهُ شرارَ خلقك» فمَن المقصودُ في قوله: «اهدِ له»؟ هل البيتُ العتيق؟ أم المقصودُ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله)؟ أو الإمام عليّ (عليه السلام)؟
الجواب:
إذا نظرنا إلى الضميرِ في «اهدِ له خيارَ خلقك، وجنّبْهُ شرارَ خلقك»، نجدُ أنّ أقربَ مرجعٍ نحويٍّ للضمير «له» هو البيتُ العتيق، حيثُ سبقت هذه العبارة جملة:
«الحمدُ للهِ الذي شرّفك وعظَّمك»،
والمخاطبُ هنا هو الكعبة المشرّفة، ممّا يجعلُ الإحالة إليها هي الأقوى، وفقًا لقواعد الإحالة اللغويّة في العربيّة.
كما أنّ هذا المعنى يتناسبُ تمامًا مع طبيعة البيت العتيق؛ لأنّه محلُّ تجمّعِ العباد، وهو مقصدُ المؤمنين في حجِّهم وعُمرتهم، فالدعاء بأنْ يهدي اللهُ إليه خيارَ الخلق، يعني أنْ يكونَ زُوّاره وأهلُه من الصالحين، وأنْ يُحفَظَ من الفاسدين والمنافقين، كما ورد في القرآن الكريم:
{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28].
والذي يُؤكّد أنّ المقصود هو الكعبة المشرّفة: ما جاء في الحديث عن الإمام أبي الحسن (عليه السلام):
«إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طافَ بالكعبة، حتّى إذا بلغَ إلى الركن اليمانيّ، رفع رأسَه إلى الكعبة، ثمّ قال:
الحمدُ للهِ الذي شرّفكِ وعظَّمكِ، والحمدُ للهِ الذي بعثني نبيًّا، وجعل عليًّا إمامًا، اللهمّ اهدِ له خيارَ خلقك، وجنّبْهُ شرارَ خلقك»
[الكافي ج4، ص40؛ التهذيب ج5، ص107].
وبما أنّ الدعاء صادرٌ عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو يخاطب الكعبة المشرّفة، فهذا يُؤكّد أنّ الضمير يعود إليها؛ لأنّ المتكلّم لا يقصد نفسه بالدعاء، وإنّما يخاطب بيتَ الله الحرام.
أمّا إذا كان الضميرُ عائدًا إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، أو الإمام عليٍّ (عليه السلام) باعتبار أنّ الدعاء قد أشار لهما، فيكون المعنى:
اللهمّ اجعل خيارَ خلقك هُداةً متّبعينَ لهما، وأبعِدْ عنهما الأشرارَ والمنافقين.
أو يمكن أنْ يُقال: إنّ جميعَ الاحتمالات الثلاثة تُعبّر عن حقيقةٍ واحدةٍ وهي:
الهدايةُ إلى الله تعالى؛ لأنّ الهدايةَ إلى البيت، والهدايةَ إلى النبيّ، والهدايةَ إلى الإمام، كلّها تصبّ في معنىً واحدٍ هو:
الهدايةُ إلى الله تعالى.
وفي المُحصّلة، فإنّ أقرب تفسيرٍ لغويٍّ للدعاء هو أنّ الضمير يعودُ إلى البيت العتيق، وقد يكون المعنى الأعمق يشير إلى الهدايةِ إلى الله من خلال رموزه في الأرض، سواء الكعبة، أو النبيّ، أو الإمام؛ لأنّهم جميعًا يُمثّلون سُبُل الوصول إلى الله، كما قال تعالى:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153].
اترك تعليق