مشهد رأس الحسين (ع) في الجامع الأمويّ

السؤال: كيف وضع رأس الحسين (ع) في الجامع الأمويّ وقد كان كنيسةً للنصارى؟ وما قصة الجامع؟ وما هي تفاصيل الحادثة؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

لا يخفى أنّ جيش الأمويّين بعد ارتكابهم مجزرة كربلاء طافوا برأس سيد الشهداء (ع) البلدان؛ في العراق وسوريا وغيرهما؛ كما فصَّل ذلك أرباب التاريخ والسير والمقاتل؛ ولذلك نجد أنّ للرأس الشريف مقاماتٍ ومشاهد كثيرةً في البلدان المختلفة، إذ أصبح كلُّ مكانٍ وموضعٍ وضع فيه رأس سيد الشهداء (ع) مقاماً ومشهداً شاهداً على تلك الرزية التي ما بعدها رزية.

ومن جملة تلك المشاهد التي في سوريا - بحسب تتبع بعض أرباب التحقيق -: «مشهد بالس، مشهد حلب، مشهد حماة، مشهد الرقة، مشهد معرة النعمان، مشهد حمص، ومشهد دمشق؛ وهو المشهد المعروف الآن داخل الجامع الأمويّ» [ينظر: تاريخ المراقد ج6 ص74].

إذا عرفت ذلك، فيقع الكلام فيما يرتبط بالسؤال في ثلاث أمور:

الأمر الأول: نبذة تاريخيَّة عن الجامع الأمويّ:

كانت دمشق حاضرةً نصرانيَّةً تحت حكم الدولة الرومانيَّة بعد أن كانت حاضرةً وثنيَّة، وكان الجامع الأمويّ سابقاً كنيسةً للنصارى، تسمى كنيسة (مار يوحنا المعمدان)، وبعد فتح المسلمين بلاد الشام سنة (14 هـ) حولوا نصف الكنيسة الشرقيّ إلى مسجد، وبقي نصفها الآخر الغربيّ كنيسة يتعبّد فيها النصارى إلى أنْ تمكَّن الوليد بن عبد الملك من تحويل كامل الكنيسة إلى مسجدٍ في سنة (86 هـ).

يقول ابن جبير: (والوليد هذا هو الذي أخذ نصف الكنيسة الباقية منه في أيدي النصارى وأدخلها فيه ـ المسجد ـ؛ لأنَّه كان فيه قسمان: قسمٌ للمسلمين وهو الشرقيّ، وقسمٌ للنصارى وهو الغربيّ؛ لأن أبا عبيدة الجراح دخل البلد من الجهة الغربيَّة فانتهى إلى نصف الكنيسة، وقد وقع الصلح بينه وبين النصارى، ودخل خالد بن الوليد عنوةً من الجانب الشرقيّ وانتهى إلى النصف الثاني وهو الشرقيّ، فاجتازه المسلمون وصيَّروه مسجداً، وبقي النصف المصالح عليه وهو الغربيّ كنيسة بأيدي النصارى، إلى أنْ عوّضهم منه الوليد فأبوا ذلك، فانتزعه منهم قهراً..) [رحلة ابن جبير ص212، وينظر: دمشق الشام في نصوص الرحالين والجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين ج1 ص84].

الأمر الثاني: حادثة المجيء بالرأس الشريف إلى الجامع الأمويّ:

أجمع المؤرخون على أنّ الرأس الشريف قد حمل إلى دمشق حيث مقر الدولة الأمويَّة؛ ليعرض على الخبيث يزيد، وقد ذكروا: أنَّه بعد ذلك تمّ وضع الرأس الشريف في مواضع عدة؛ والتي منها المشهد المعروف الآن داخل الجامع الأمويّ في القسم الإسلاميّ منه آنذاك؛ أي: الجانب الشرقيّ من الجامع.

يقول المحقق الكرباسيُّ واصفاً الحادثة: (لقد استقبل يزيد بن معاوية موكب الأسر الحسينيّ بعد ظهر يوم الجمعة الثاني من شهر صفر عام 61 هـ، ويقول بعض المؤرخين: وقبل أنْ يدخلوهم إلى مجلس يزيد أتوهم بحبالٍ فربطوهم بها، فكان الحبل في عنق الإمام زين العابدين إلى السيدة زينب (ع) وباقي بنات رسول الله (ص). ويبدو - والله العالم - أنَّ استقباله لهم كان بعد صلاة الجمعة أمام حشود المصلين، وجرى بينه وبين آل رسول الله (ص) سجالاتٌ أوردناها في باب السيرة، وفي هذا المسجد استأذن الإمام زين العابدين (ع) أنْ يرتقي المنبر وفي أثناء خطابه المحرج ليزيد وأتباعه أمر يزيد المؤذن بأنْ يؤذّن لصلاة العصر...إذن فالموقع كان في المسجد الأمويّ في القسم الإسلامي منه). [تاريخ المراقد ج6 ص53].

الأمر الثالث: موضع الرأس الشريف داخل الجامع الأمويّ ووصفه:

يقع مشهد الرأس الشريف في الجانب الشرقيّ للجامع الأمويّ، وتحديداً في إحدى غرف قصر يزيد ـ آنذاك ـ والذي أصبح فيما بعد جزءاً من المسجد الجامع.

يقول لبيب بيضون - في وصفه للمقام -: (يتألف هذا المقام من ثلاثة مشاهد، يدخل الزائر إلى الغرفة الأولى وهي الكبرى، وتدعى مشهد الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وفي صدرها محرابٌ لطيف، وتمتاز هذه الغرفة بسقفها العالي، وفيها قفصٌ حديديٌّ معلَّقٌ بالسقف على شكل ثريا.

ثم ندخل إلى الغرفة الثانية، وهي أصغر من الأولى، وهي مشهد الإمام زين العابدين (ع)، ولها محرابٌ خاصٌّ. ويجد الزائر في الجدار الشرقيّ لهذه الغرفة المكان الّذي كان يصلي فيه الإمام زين العابدين (ع) في الفترة الأخيرة من إقامته في دمشق حين قرّبه يزيد ونقله مع السبايا من الخربة إلى قصره؛ خوفا من نقمة الناس عليه، ليوهم الجمهور أنَّه يحبُّ أهل البيت (ع)، وأنَّه بريءٌ من قتل الحسين (ع). وفي هذا المكان قفصٌ زجاجيٌّ فيه محرابٌ صغيرٌ، وعلى جدرانه لوحاتٌ قرآنيَّةٌ.

وبجوار هذا القفص في الحائط كوَّةٌ عميقةٌ عُطِّرت بالمسك والعنبر وكُسِيَت بالقاشانيّ، تؤدي إلى الموضع الّذي تشرف بوضع الرأس المطهر فيه، وذلك بناءً على الحقيقة المنقولة بأنَّ رأس الحسين (ع) كان يتضوع عطراً في كلّ مكانٍ وضع فيه. ويتسابق الزوار لإدخال رؤوسهم في هذه الكوة، ليقبّلوها ويتنسّموا منها عبق الجنة) [موسوعة كربلاء ج2 ص612ـ614].