لماذا لا يُمارس المراجع اللطم على الحسين (ع)؟
السؤال: لماذا لا نرى المراجع يلطمون على الحسين كما يفعل أتباعهم في عاشوراء، فإنْ كان حقاً فلماذا لم يفعلوه، وإنْ كان باطلاً فلماذا لم يمنعوه؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لا بأس أنْ يعلم السائل بأنَّ (اللطم) في عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) أمرٌ مشروع بل ومستحب، كما دلَّت عليه النصوص والفتاوى، منها:
1ـ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ولا شك في كون الشعائر الحسينيَّة ـ ومنها اللطم ـ من مصاديق الآية المباركة، كما صرَّح به غير واحدٍ من الأعلام.
قال الميرزا التبريزي (طاب ثراه): (لا إشكال ولا ريب ولا خلاف بين الشيعة الإمامية في أنَّ اللطم ولبس السواد من شعائر أهل البيت (عليهم السلام)، ومن المصاديق الجلَّية للآية ﴿ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، كما أنَّها من مظاهر الجزع الذي دلَّت النصوص الكثيرة على رجحانه في مصائب أهل البيت (عليهم السلام) ومآتمهم، ومن يحاول تضعيف هذه الشعائر أو التقليل من أهميتها بين شباب الشيعة فهو من الآثمين في حقِّ أهل البيت (عليهم السلام) ومن المسؤولين يوم القيامة عمَّا اقترفه في تضليل الناس من جهة مظالم الأئمَّة (عليهم السلام)) [الأنوار الإلهية ص152].
2ـ وما رواه الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) بسنده عن خالد بن سدير ـ أخي حنان بن سدير ـ قال: «سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلٍ شقَّ ثوبه على أبيه، أو على أمه، أو على أخيه، أو على قريبٍ له؟ فقال: لا بأس بشقِّ الجيوب. قد شقَّ موسى بن عمران على أخيه هارون - إلى قوله (عليه السلام) - وقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطمياتُ على الحسين بن علي (عليهما السلام)، وعلى مثله تلطم الخدود وتشقُّ الجيوب» [تهذيب الأحكام ج٨ ص325].
3ـ وما قاله الميرزا النائينيُّ (طاب ثراه)، ونصُّه: (لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدَّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوى جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحدِّ المذكور، بل وإنْ أدَّى كلٌّ من اللطم والضرب إلى خروج دمٍ يسيرٍ على الأقوى...) [رسائل الشعائر الحسينيَّة ج2 ص312].
إذا بان هذا واتَّضح، فلنعقد الكلام في مقامين اثنين:
المقام الأوَّل: إنَّ عدم مشاهدة المراجع يمارسون (اللطم) لا يعني عدم وجود ذلك، إذْ عدم الوجدان لا يدلُّ على عدم الوجود، فممارسة الشعائر الحسينيَّة لا تخضع للتصوير دائماً، كما هو واضح.
هذا، وقد نُقل ـ أو شُوهد ـ في حياة بعض المراجع العِظام أنَّهم كانوا يشاركون الجموع الحسينيَّة في شعيرة اللطم على الحسين (عليه السلام)، منهم:
1ـ السيِّد بحر العلوم (طاب ثراه)، فإنه كان (ينزع قميصه وينخرط في صفوف الموالين في مواكب عزاء سيِّد الشهداء (عليه السلام) مشاركاً في اللطم، وعندما يُسأل عن سبب ذلك يقول: رأيتُ صاحب الأمر (عليه السلام) بينهم، فلم يكن لي مما فعلت بدٌّ) [ينظر: بحث حول رؤية المهدي للكورانيّ ص71].
2ـ وكذلك ما نُقل من أنَّ المرجع الدينيّ الكبير (آية الله الحائريّ ـ مؤسِّس الحوزة العلميَّة في قُم ـ كان يقود مواكب اللطم في عاشوراء، وهو يلطم) [بحث حول رؤية المهدي ص71].
3ـ هناك بعض الفيديوهات المصوَّرة لبعض المراجع الكبار كانوا يمارسون اللطم بأنفسهم، أمثال المرجع الدينيّ الراحل السيِّد تقي القمِّيّ (طاب ثراه)؛ وبذلك فلا تصح دعواكم بعدم ممارسة اللطم من قبل المراجع أنفسهم.
المقام الثاني: إنَّ اللطم وما أشبه من أفراد المباحات أو المستحبَّات؛ ولذلك فلا يلزم على الجميع تطبيقها. وعليه، فلا ملازمة بين قولكم (إنْ كان حقاً فلماذا لم يفعلوه، وإنْ كان باطلاً، فلماذا لم يمنعوه)، إذِ المستحب وإنْ كان حقاً ومطلوباً شرعاً إلَّا أنَّ تركه من قبل البعض لا يعني بطلانه في حدِّ نفسه، كما أنه فعله ليس دليلاً على أحقيته.
فصلاة الليل ـ مثلاً ـ من المستحبَّات المؤكَّدة، فهل تركنا لفعلها يعني بطلانها في حدِّ نفسها، وهل فعلنا لها يدلُّ على شرعيتها؟ وكذلك الحال في (اللطم)، فلو لم يفعله المراجع أو غيرهم لا يعني بطلانه في حدِّ نفسه، كما هو واضحٌ وبيِّنٌ.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك أنَّ السؤال المذكور أوهنُ من بيت العنكبوت في الميزان العلميّ، كما صار واضحاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق