الدلائل القُرآنيَّة على عصمة الأئمة (ع)

السؤال: ما الأدلّة على عصمة أئمة أهل البيت (ع) من القرآن الكريم؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الدلائل القُرآنيَّة على عصمة الأئمة (ع)

السؤال:

ما الأدلّة على عصمة أئمة أهل البيت (ع) من القرآن الكريم؟

والجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم –أيدك الله– أنَّ علمائنا الأبرار قد اتفقوا على عصمة الأئمة الاثني عشر (ع) ، وقد استندوا في ذلك إلى العديد من الأدلة العقليَّة والنقليَّة، ومنها ما ورد في القرآن الكريم من آياتٍ ننتخب منها خمسةً نقوم بتوضيح الاستدلال تباعاً بكلٍ منها:

الأوّلى: آية الإطاعة:

وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59].

روى الصدوقان بالإسناد: عن أبي جعفر (ع)، في قول الله (عزَّ وجلَّ): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}. قال: «الأئمة من ولد عليٍّ وفاطمة (ع) إلى أنْ تقوم الساعة» [الإمامة والتبصرة ص134، عيون أخبار الرضا ج2 ص139].

تقرير الاستدلال:

بعد أنْ ثبت المراد من (أولي الأمر) في الآية هم أئمتنا الاثنا عشر (ع) الذين أوجب الله تعالى علينا طاعتهم بشكلٍ مطلقٍ كطاعة الرسول تماماً؛ فهما متساويتان في جميع الأوامر والنواهي، ووجوب الطاعة بشكلٍ مطلقٍ يستلزم العصمة؛ إذ لو لم يكن الإمام معصوماً عن الخطأ؛ لكان إقدامه على الأمر بالخطأ يؤدّي إلى اجتماع الضدّين وهما: الأمر بطاعته، والنهي عن فعل الخطأ في الوقت نفسه؛ لذا وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ.

قال الشيخ المظفر: (فإنّه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر على الإطلاق كطاعته وطاعة الرسول، وهو لا يتمّ إلَّا بعصمة أولي الأمر، فإنّ غير المعصوم قد يأمر بمعصية وتحرم طاعته فيها، فلو وجبت أيضا اجتمع الضدّان، وجوب طاعته وحرمتها..) [دلائل الصدق ج4 ص221].

والثانية: آية الولاية:

وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [الأحزاب: 55].

روى الكلينيُّ بسنده: عن أبي عبد الله (ع) في قول الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} قال: «إنَّما يعني أولى بكم أيْ: أحقّ بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم، الله ورسوله والذين آمنوا يعني عليا وأولاده الأئمة (ع) إلى يوم القيامة، ثم وصفهم الله عز وجل فقال: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} .. فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة، يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون ..» [الكافي ج1 ص289] .

تقرير الاستدلال:

بعد أنْ ثبت المراد من {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} في الآية هم أئمتنا الاثنا عشر (ع) فإنَّ الآية الشريفة تدلّ على عصمتهم (ع)؛ إذ إنَّ ولاية الله والرسول مطلقةٌ فتفيد العموم، فكذا ولاية الأئمة المقرونة بها التي تفيد الاتحاد الشاملة للتشريع والتكوين، ولا يعقل أنْ تعطى مثل هذه الولاية المطلقة لغير المعصوم.

والثالثة: آية التطهير:

وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33].

روى الكلينيُّ بسنده: عن أبي عبد الله (ع) في قوله (عزَّ وجلَّ): .. {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} قال: «يعني الأئمة (ع)..» [الكافي ج1 ص423].

تقرير الاستدلال:

بعد أنْ ثبت المراد من (أهل البيت) في الآية هم أئمتنا الاثنا عشر (ع) فالآية تدلّ على عصمتهم، حيث إنَّ الآية قد نَفَتِ (الرجس) بنحوٍ مطلقٍٍ؛ حيث إنَّ المنفيَّ في الآية هو عموم الرجس، وليس نوعه أو صنفه، ومن المعلوم أنَّ نفي الجنس يلازم نفي الطبيعة مطلقًا أي: بعامّة مراتبها؛ لذلك، لم يكتفِ سبحانه بقوله: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ}، بل عزَّز ذلك بقوله: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، مما يدلُّ على العصمة ويثبت المطلوب. [ينظر: تفسير التبيان ج8 ص340].

والرابعة: آية الكون مع الصادقين:

وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

روى الصفَّار والكلينيُّ بالإسناد: عن أبي جعفر (ع) عن قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} قال «إيَّانا عنى» [بصائر الدرجات ج1 ص51، الكافي ج1 ص208].

تقرير الاستدلال:

بعد أنْ ثبت المراد من (الصادقين) في الآية هم أئمتنا الاثني عشر (ع) الذين أوجب الله أنْ نتبعهم مطلقا في الاعتقاد والأقوال والأفعال، يتضح أنَّ الأمر بالكون معهم يستلزم أنْ يكونوا معصومين؛ وإلَّا للزم اتباع من لا يؤمن عليه الأمر بالقبيح وهذا ينقض الغاية من نصب الإمام فتجب عصمته [ينظر: المناقب ج1 ص213].

وأيضاً إذا لم يكونوا معصومين، فإنَّ المأمور بالكون مع الصادقين جائزُ الخطأ، فلابد له أنْ يكون مقتدياً بمن لا يجوز عليه الخطأ حتى يكون مانعاً لجائز الخطأ عن الخطأ [ينظر: مفاتيح الغيب ج16 ص167].

والخامسة: آية الإشهاد:

وهي قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب} [الرعد: 43].

روى الصفَّار والكلينيُّ بالإسناد عن أبي جعفر (ع) في قوله: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب}؟ قال: «إيانا عنى..» [بصائر الدرجات ج1 ص236، الكافي ج1 ص229].

تقرير الاستدلال:

بعد أنْ ثبت المراد من (وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب) في الآية هم أئمتنا الاثنا عشر (ع) فإنَّ الله تعالى قرن النبي والأئمة بنفسه في الإشهاد على نحو الإطلاق، وهذا يقتضي صدقهم مطلقاً فتلزم عصمتهم.

قال السيد البحرانيُّ: (ووجه الدلالة على عصمتهم في الآية ظاهرٌ بيِّن؛ لأنّ الله سبحانه قرنهم بنفسه في الشهادة، وجعل شهادتهم كشهادته في الكفاية ، وهو تعالى صادقٌ على الإطلاق ، فيجب أن يكون مَن عنده علم الكتاب كذلك في مؤدّي الشهادة، وغير المعصوم ليسَ صادقاً على الإطلاق فيجب أنْ يكون الأئمة صادقين على الإطلاق) [عمدة النظر ص22].

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخراً