عدم استحقاق الطلقاء للخلافة

السؤال: من هم الطلقاء؟ وما علاقة بني أميّة بهم؟ وهل تصح الخلافة لأحد منهم؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الطلقاء: جمع طليق، وهو الأسير إذا أُطلِق وأُخلِيَ سبيله تفضّلاً ومَنَّاً عليه [ينظر: مجمع البحرين ج5 ص208]. ولا خلاف بين المسلمين في أنّ (الطلقاء) يراد به مسلمة الفتح، وهم جماعةٌ من قريش كانوا كفّاراً ومحاربين للنبيّ (ص) والإسلام، فلمّا فتح الله على رسوله ودخل مكّة عَنوةً جيء بهم أسرى فمثلوا بين يديّه (ص)، فتفضّل عليهم بإطلاق سراحهم لكرم أخلاقه العظيمة، فتظاهروا عند ذلك بدخول الإسلام، ومن هنا جاءت التسمية بالطلقاء كنوعٍ من التنقيص وإظهاراً للمنّ عليهم.

ويقسّم الباحث حسن فرحان المالكيّ الطلقاء إلى ثلاث فئات:

الأولى: هم الذين وثق النبيّ (ص) بصحة إسلامهم وصِدق إيمانهم فلم يعطهم شيئاً من المال، منهم: عكرمة بن أبي جهل، وعتّاب بن أسيد، وجُبير بن مطعم.

والثانية: وهم دون الأولى في الفضل، ومنهم: الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام.

والثالثة: وهي شرّ الفئات حتّى أنّ النبيّ (ص) كان يتألّف قلوبهم بالأموال ولم يطمئن لإسلامهم ولا يأمن ارتدادهم وغدرهم، وفي طليعة هؤلاء يقف بنو أميّة وهم: أبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان، والحكم بن العاص والد مروان، ثمّ صفوان بن أمية، ومطيع بن الأسود، وسهيل بن عمرو، وحُوَيطب بن عبد العزّى، ومطيع بن الأسود وغيرهم. [ينظر: الصحبة والصحابة ص157]. ولابن تيمية كلام حول الفئتين الأخيرتين يستحسن مراجعته [ينظر: مجموع الفتاوى ج28 ص975].

وقد ورد عن أهل البيت (ع) وجمعٍ من الصحابة والتابعين عدم صلاحيّة الطلقاء للخلافة، والنصوص في ذلك كثيرةٌ، نذكر منها:

1ـ أمير المؤمنين (ع):

كتب (ع) كتاباً إلى معاوية، جاء فيه: «واعلم - يا معاوية - أنّك من الطلقاء، الذين لا تحلُّ لهم الخلافة، ولا تُعقد معهم الإمامة، ولا تُعرض فيهم الشورى» [الإمامة والسياسة ج1 ص85، تاريخ دمشق ج59 ص128].

2ـ الإمام الحسن (ع):

جاء في خطبةٍ له (ع) لـمّا صالح معاوية: «وأُقسم بالله، لو أنّ الناسَ بايعوا أَبي حين فارقهم رسول الله (ص) لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، وما طمعت فيها يا معاوية، فلمّا خرجتْ من معدنها تنازعتها قريشٌ بينها، فطمعت فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء أنت وأصحابك» [الأمالي للطوسيّ ص559].

3ـ عمر بن الخطّاب:

ورد أنّ عمر بن الخطّاب قال: «إنّ هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما طمع يزيد بن أبي سفيان ومعاوية أن استعملهما على الشام» [أنساب الأشراف ج10 ص435].

وقال: «هذا الأمر في أهل بدرٍ ما بقي منهم أحد، ثمّ في أهل أُحُدٍ ما بقي منهم أَحَدٌ... وليس فيها لطليقٍ، ولا لولد طليقٍ، ولا لمسلمة الفتح شيء» [الطبقات الكبرى ج3 ص317، تاريخ دمشق ج59 ص145].

4ـ عائشة بنت أبي بكر:

ورد أنّه لَمّا قدم معاوية المدينة وأراد أخذ البيعة لابنه يزيد قسراً بلغ ذلك عائشة فأقبلت مغضبةً عليه وقالت: «يا معاوية، ما كفاك أنَّك قتلت أخي محمد بن أبي بكر، وأحرقته بالنار حتى قدمت المدينة وأخذت بالوقيعة في أبناء الصحابة، وأنت من الطلقاء الذين لا تحلُّ لهم الخلافة وكان أبوك من الأحزاب؟!» [الفتوح ج4 ص337].

5ـ عبد الله بن العبّاس:

إذ إنّه كتب إلى معاوية: «ما أنت وذكر الخلافة؟ وإنّما أنت طليقٌ ابن طليقٍ، والخلافة للمهاجرين الأوّلين، وليس الطلقاء منها في شيء» [شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص195].

وورد أنّه قال لأبي موسى الأشعريّ لمّا جاء للتحكيم: «وليس في معاوية خلّةٌ يستحق بها الخلافة، فإن تقذف بحقِّك على باطله تُدرك حاجتك منه، وإنْ يطمع باطله في حقّك يُدرك حاجته منك، وأعلم يا أبا موسى أنّ معاوية طليق الاسلام، وأنّ أباه رأس الأحزاب، وأنّه يدّعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة» [ينابيع المودّة ج2 ص22].

6ـ المسوَّر بن مخرمة:

فإنّه كتب إلى معاوية: «إنّك أخطأت خطأً عظيماً، وأخطأت مواضع النصرة، وتناولتها من مكانٍ بعيدٍ، وما أنت والخلافة يا معاوية، وأنت طليقٌ وأبوك من الأحزاب؟ فكفّ عنّا، فليس لك قبلنا وليٌّ ولا نصير» [الإمامة والسياسة ج1 ص75].

7- سُعية بن العريض:

فإنّه قال لمعاوية: «إنّك ميّت الحقّ في الجاهليَّة وميّته في الإسلام: أما في الجاهليَّة فقاتلت النبيّ (ص) والوحي حتّى جعل الله كيدك المردود، وأما في الإسلام فمنعت ولد رسول الله (ص) الخلافة، وما أنت وهي؟ وأنت طليقٌ ابن طليق» [الوافي بالوفيات ج16 ص92].

8- عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ:

فإنّه عاتب أبا هريرة وأبا الدرداء، فكان من جملة كلامه: «عجباّ منكما... وأيُّ مدخلٍ لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة؟! وهو وأبوه من رؤوس الأحزاب؟! [الاستيعاب ج ٢ ص٤٠٢، أسد الغابة ج٣ ص٣١٨].

9- صعصعة بن صوحان العبديّ:

فإنّه خاطب معاوية وهو في سجنه، فممّا قاله: «ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير مِمَّن أجلب على رسول الله (ص)، وإنّما أنت طليقٌ ابن طليق، أطلقكما رسول الله (ص) فأنّى تصحُّ الخلافة لطليق؟!» [مروج الذهب ج1 ص78].

10- أبو نوح الحميريّ:

فإنّه قال في مناظرته لذي الكلاع: «إنّ معاوية بن أبي سفيان أخطأ وأخطأتم معه في خصالٍ كثيرةٍ لِخطأة واحدة، أنّه من الطلقاء الذين لا تحلُّ لهم الخلافة، فأخطأ بادعائه إيّاها وأخطأتم باتباعه» [الفتوح ج3 ص72].

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.