العلّة في أن يُؤمَر المعصوم (ع) ويُنهى
السؤال: بالعود إلى القرآن الكريم نجد الكثير من آياته حافلةً بالأوامر أو النواهي الموجّهة للأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)، والسؤال: ما الذي تعنيه تلك الأوامر والنواهي؟ وكيف تنسجم مع ما نعتقده من عصمتهم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اجتذب السؤال المطروح اهتمام علماء التفسير، فطرحوا أجوبةً متعدّدةً نذكر أهمّها:
أوّلاً: أنّ الأوامر والنواهيّ ابتدائيّة حقيقيّة:
إنّ توجّه الأمر والنهي للمعصومين (ع) له مبرّراته، فمنها:
1ـ إنّ مجرّد كون الأنبياء والمرسلين (ع) معصومين لا يعني تساويهم، فإنّ العصمة مفهومٌ مشكّكٌ ذو مراتب متفاوتة، ومرجعه إلى تفاوتهم في درجات المعرفة؛ ولذا قال تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]. والشاهد على ذلك: ما في قصّة موسى والخضر (ع)، فمع كونهما من المعصومين إلّا أنّ كلّ واحدٍ منهما لا يحيط بما عند الآخر من العلم، ففي الوقت الذي كان فيه موسى (ع) أعلم من الخضر بالتشريع، فإنّه لم يطّلع على ما لدى الخضر (ع) من أسرار التكوين؛ ولذا قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66].
2ـ إنّ تقديم المعصوم (ع) للناس بوصفه واحداً منهم ومشمولاً بتكاليفهم الشرعيّة أدعى لهم في تلقّي النبوّات بالتصديق والقبول، فيكون شأن الأنبياء في ذلك شأن رجل الأمن الذي يعمل على حفظ النظام، ونجده أوّل من يجب عليه احترام ذلك وتطبيقه على نفسه، وإلّا لم تبقَ في نفوس الناس هيبةٌ للقانون ولا ثقةٌ بالقائمين عليه، وهكذا بالنسبة لحامل الشريعة ومبلّغها فإنّه لو لم يكن مشتركاً مع الناس في تكاليفهم لا يمكنه أنْ يحرز ثقة الناس به ولا تصديقهم بدعوته الإصلاحيّة؛ ولذا قال تعالى حكايةً عن النبيّ شعيب (ع): {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88].
3ـ إنّ العصمة لا تمنع من توجّه التكاليف إليهم؛ وذلك من جهة أنّهم قادرون على ارتكاب الذنوب، وإن استحال وقوعها الفعليُّ منهم، فالمعصية من حيث الإمكان ممكنة منهم، ولكنّها تستحيل من حيث الوقوع والصدور الفعليّ؛ لوجود المانع وهو العصمة. وبعبارة أوضح: العصمة لا تعني سلب اختيار المعصوم (ع)، وإنّما هي قوّةٌ نفسانيّةٌ تجعل صاحبها تاركاً للمعصية بمحض إرادته واختياره مع قدرته على ارتكابها. [ينظر: تفسير التبيان للطوسيّ ج4 ص124].
وذكر السيّد الطباطبائيّ - عند تفسير قوله تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 213] -: (خطاب للنبيّ (ص) ينهاه عن الشرك بالله... وكونه (ص) معصوماً بعصمةٍ إلهيَّةٍ يستحيل معها صدور المعصية منه لا ينافي نهيه عن الشرك؛ فإنّ العصمة لا توجب بطلان تعلق الأمر والنهي بالمعصوم وارتفاع التكليف عنه بما إنّه بشرٌ مختارٌ في الفعل والترك، متصوّرٌ في حقّه الطاعة والمعصية بالنظر إلى نفسه) [تفسير الميزان ج18 ص328].
ثانياً: المراد هو المداومة على الاستقامة:
يذهب بعض المفسّرين إلى القول بأنّ الأوامر والنواهي الصادرة في حقّ الأنبياء (ع) يُراد من ورائها طلب الاستمرار والمداومة على ما هم عليه من حال الاستقامة بأداء الواجبات واجتناب المحرّمات، فيكون ذلك من قبيل دعاء المؤمن الصالح في صلاته بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيْم}، وقوله: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}، فإنّه وإن كانت الهداية حاصلةً له فعلاً من الله تعالى، ولم يُزغ قلبه عنها، إلّا أنّه يطلب دوام تلكما النعمتين عليه وعدم انقطاعهما.
فكذا الحال في المقام فإنّ المعصومين (ع) وإن كانوا عاملين بتكاليفهم ومؤدّين لواجباتهم ومنتهين عمّا لا يحلّ لهم ولا يليق بهم، لكنْ يمكن أمرهم ونهيُهم بهذا المعنى، ويكون ذلك بمنزلة التثبيت لهم على نهج الحقّ الذي هم عليه؛ فإنّ الأوامر والنواهي ذات تأثيرٍ إيجابيّ على نفوسهم، كما لو رأيت أحد المجاهدين يقاتل الأعداء فقلت له: (قاتلهم ولا تخشاهم)، فإنّ قولك هذا يشحذ فيه الهمّة ويبعث في نفسه النشاط، ويقوّي من عزيمته وإصراره وإرادته كما لا يخفى، بل تراه يأنس بكلامك هذا، فكذا الحال في الأنبياء (ع). قال الشيخ مغنية: (ثمّ ما يدرينا أنّ الأنبياء كانوا يحبّون هذه النواهي من اللَّه سبحانه، بل ويطلبونها، كما يطلب المؤمن الصالح من الأعلم الأكمل أنْ يعظه، ويذكّره باللَّه) [تفسير الكاشف ج2 ص75].
ثالثاً: المقصود أُمم الأنبياء (ع):
إنّ الظهور البدويّ للخطابات وإنْ كانت متوجّهة للأنبياء (ع)، إلّا أنّ المقصود بها حقيقة هو أُممهم وأتباعهم، بهدف تربيتهم وإعدادهم على أحسن ما يكون، وإنّما يُوجّه الخطاب إلى الأنبياء (ع) ليكون ذلك أبلغ في ترك أتباعهم للمنهيّ عنه. وهذا هو ما يُعرف في أوساط المفسّرين بلغة: (إيّاك أعني واسمعي يا جارة)، وله أمثالٌ كثيرةٌ في الذكر الحكيم، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]. [ينظر مجمع البيان ج6 ص252].
ويؤيّده: ما أخرجه الصدوق بإسناده عن الصادق (ع) في كلامٍ طويلٍ قال: «وفي العادة أيضاً أن يُخاطَب الأقرب ويعاتب على ما يأتيه البعيد؛ ليكون ذلك أزجر للبعيد عن اتيان ما يُوجب العتاب. وقد قال الله عزّ وجلّ لخير خلقه وأقربهم منه (ص): {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقد عَلِم (عزّ وجلّ) أنّ نبيَّه (ص) لا يشرك به أبداً، وإنّما خاطبه بذلك وأراد به أمّته. وهكذا موسى عاتب أخاه هارون وأراد بذلك أمّته؛ اقتداءً بالله تعالى ذكره واستعمالاً لعادات الصالحين قبله وفي وقته» [علل الشرائع ج1 ص69]. والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق