هل الإمام المهدي (عج) يحكم بحكم داود؟

السؤال: هل جاء في الأخبار أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إذا ظهر يحكم بشريعة داود (عليه السلام)؟ وما هو معنى ذلك ودلالته؟ ولماذا لم يكن للأئمّة (عليهم السلام) مثله؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يتضح الجواب عن السؤال ببيان عدّة أمور:

الأول: الأخبار الدالَّة على حكم الإمام (عج) بحكم داود (ع):

وردت أخبارٌ كثيرةٌ تدلُّ على ذلك، نذكر منها:

1ـ روى الكلينيّ بسندٍ صحيحٍ عن أبان قال: «سمعتُ أبا عبد الله (ع) يقول: لا تذهب الدنيا حتّى يخرج رجلٌ منّي يحكم بحكومة آل داود، ولا يسأل بينة، يعطي كلّ نفس حقّها» [الكافي ج1 ص397].

2ـ روى الصفّار والكلينيّ بسندٍ معتبرٍ عن عمّار الساباطيّ قال: «قلت لأبي عبد الله (ع): فبما تحكمون إذا حكمتم؟ قال: بحكم الله وحكم داود وحكم محمد (ص) فإذا ورد علينا الشيء الذي ليس عندنا، تلقّانا به روح القدس» [بصائر الدرجات ص472، الكافي ج1 ص398].

3ـ روى الكلينيّ مكاتبة الحسن بن طريف مع الإمام العسكريّ (ع)، فكان جوابه: «سألتَ عن القائم، فإذا قام يقضي بين الناس بعلمه كقضاء داود (ع) لا يسأل البينة» [الكافي ج1 ص509].

الثاني: معنى الحكم بحكم داود (ع):

ذهب مشهور المسلمين إلى جواز حكم القاضي بعلمه في الجملة، قال العينيّ: (قال الشافعيّ: يجوز للقاضي ذلك في حقوق الناس سواءٌ علم ذلك قبل القضاء أو بعده، وبه قال أبو ثور.

وقال أبو حنيفة: ما علمه قبل القضاء من حقوق الناس لا يحكم فيه بعلمه، ويحكم فيما إذا عَلِمَهُ بعد القضاء. وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم فيما عَلِمَه قبل القضاء...) [عمدة القاري ج24 ص235].

وقد صرّحت بعض الأخبار أنّ الحكم الذي كان يحكم به داود (ع) هو ما أراه الله تعالى له وأعلمه به من الواقع، وليس لداود ولا غيره من الأنبياء (ع) شرائع وأحكامٌ مستقلةٌ عنه تعالى، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57] فإنّه يفيد الحصر، والمعنى: (ليس الحكم إلّا لله وحده دونما أحد سواه) [ينظر: تفسير الميزان ج7 ص114، تفسير الرازي ج13 ص7]، وقد كان الأنبياء يحكمون بحسب ظواهر الأحوال استناداً إلى البيّنة أو الإقرار أو اليمين، فاستثنى الله تعالى داود (ع) من بينهم وجعل له الحكم بما يريه الله تعالى من علم الواقع، فكذا الحال في الإمام المهديّ (ع) فإنّ الله يسدّده فيريه الواقع؛ ليحكم طبقاً له، وفقاً لشريعة الإسلام دون غيرها من الشرائع.

من هنا يتّضح أنّ الربط بين حكم الإمام (عج) وحكم داود (ع) إنّما هو من جهة التشبيه فقط؛ ولذا جاء في موثقة عمّار: «بحكم الله وحكم داود وحكم محمّد (ص)».

قال العلّامة المجلسيُّ في شرحها: («وبحكم محمّد»: إنّما نُسب إليه (ص) لئلّا يُتوهَّم أنّهم يعملون بشريعة داود، بل إنّما يحكمون بالواقع بحكم محمد (ص)، والنسبة إلى داود على التشبيه) [مرآة العقول ج4 ص304]، ومكاتبة العسكريّ (ع) صريحةٌ في التشبيه إذ ورد فيها: «يقضي بين الناس بعلمه كقضاء داود»، وعليه فالمشابهة بينهما من هذه الجهة فقط.

الثالث: لماذا لم يكن الأئمة (ع) مثله؟

ذكر العامّة أنّ النبيّ (ص) حكم بعلمه في عدّة مواضع، منها: حكمه في ابتياعه فرساً من أعرابيّ [ينظر: معالم السنن ج4 ص173، كشف المشكل ج1 ص38]، ومنها: ما ذكره البخاريّ في صحيحه بقوله: (باب: مَن رأى للقاضي أنْ يحكم بعلمه في أمر الناس، إذا لم يخف الظنون والتهمة؛ كما قال النبيّ (ص) لهند: «‌خذي ‌ما ‌يكفيك ‌وولدك بالمعروف») [صحيح البخاريّ ج9 ص182].

وقال العلّامة المجلسيّ: (واعلم أنّ الظاهر من هذه الأخبار أنّ القائم (ع) إذا ظهر يحكم بما يعلم في الواقعة لا بالبيّنة، وأمّا مَن تقدّمه من الأئمّة (ع) فقد كانوا يحكمون بالظاهر، وقد كانوا يُظهِرون ما كانوا يعلمون من باطن الأمر بالحِيَل، كما كان أمير المؤمنين (ع) يفعله في كثير من الموارد) [مرآة العقول ج4 ص301].

نعم، لا يُنكر أنّ ذلك لم يكن شائعاً بشكلٍ واسعٍ منهم (ع)، والمانع من شيوع حكمهم (ع) إنّما كان من قِبَل الناس وبسببهم، وإلّا فإنّهم (عليهم السلام) كانوا على أتّم الاستعداد لفعل ذلك، كما يدلّ عليه بعض الأخبار، كموثقة عمّار الساباطيّ المتقدّمة: «قلت لأبي عبد الله (ع): فبما تحكمون إذا حكمتم؟ قال: بحكم الله وحكم داود وحكم محمد (ص)»، فإنّ السؤال ليس خاصّاً عن حكم المهدي (عج) بل عامّ لجميع الأئمّة (ع).

الرابع: ماذا يعني حكم الإمام (ع) طبقاً لعلمه؟

اعلم أنّه لَمّا كانت الغاية من النهضة المهدوية هي إقامة العدل الإلهيّ بشكله الواقعيّ في الأرض، كان لابدّ من أن تكون الأحكام واقعيّة؛ إذ لو حكم الإمام بغير ذلك لأقام العدل الظاهريّ، ولم تفرق حكومته حينئذٍ عن حكومة مَن سبقه من الأنبياء والأوصياء (ع) المبنيّة على الحكم الظاهريّ، فقد ورد عن النبيّ (ص): «إنّما أقضي بينكم بالبينات والأَيمان، وبعضكم أَلحنُ بحجّته من بعض، فأيّما رجلٍ قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعةً من النار» [تهذيب الأحكام ج6 ص269]، فيُضمَن للمظلوم فرصة التمتّع بالتعويض يوم القيامة والاقتصاص له ممّن ظلمه.

وأمّا في عصر الظهور فلا يبقى لصاحب الحقّ حاجة لانتظار فرصة التعويض يوم القيامة، وإنّما يؤخذ له حقّه بشكلٍ فوريٍّ، كما لا تؤخّر معاقبة الجاني والظالم إلى الآخرة بل ينال جزاءه العادل عاجلاً في الدنيا، ويكون مجموع ذلك من أوضح مصاديق ملئه (ع) للأرض قسطاً وعدلاً.

وننبّه على أنّ الموضوع المذكور لا يعني تفضيل السماء للإمام المهديّ (عج) على مثل النبيّ (ص)، وإنّما هي خصوصيّةٌ خاصّةٌ به تتناسب مع مرحلته وعصره، كما خصّ الله تعالى داود (ع) بمثلها مع أنه ليس أفضل من أولي العزم (ع).

والحمد لله ربّ العالمين.