شبهة خروج الحسين (ع) على الشرعيّة

السؤال: يقول بعض المشايخ الوهابيّين إنّ خلافة يزيد بن معاوية شرعيَّة؛ لبيعة الصحابة له، وإنّ خروج الحسين (عليه السلام) كان خروجاً على الشرعيّة لكنّه متأوّلٌ مخطئٌ فيه، فما جوابكم عن ذلك؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أثار هذه الشبهة أبو بكر ابن العربيّ المالكيُّ (ت543هـ) إذ قال: (وما خَرَجَ إليه [أي لقتال الحسين] أحدٌ إلّا بتأويل، ولا قاتلوه إلّا بما سمعوه من جدّه المهيمن على الرسل، المُخبِر بفساد الحال، المحذِّر عن الدخول في الفتن، وأقواله في ذلك كثيرة، منها: ما روى مسلم عن زياد بن علاقة، عن عرفجة بن شريح، قوله (ص): «إنّه ستكون هناتٌ وهناتٌ، فمَن أراد أن يُفرِّق أَمْر هذه الأُمّة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً مَن كان») [العواصم من القواصم ص245].

فحسب كلام ابن العربيّ يكون الحسين (ع) خارجيّاً قُتل بفتوىً من جدّه المصطفى (ص)، وأنّ تنفيذ هذه الفتوى قد تمّ على يد يزيد بن معاوية بوصفه خليفة الأمّة الشرعيّ.

ويتّضح بطلان هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأوّل: بطلان شرعية خلافة يزيد:

لقد اشتملت الشبهة على مصادرتين واضحتين حيث عدّ ابن العربيّ ومَن تابعه سلطة يزيد على الأمّة خلافة، ثمّ نسبوها إلى الشريعة، وذلك باطل من جهتين:

الأولى: بطلان كونها خلافة:

فإنّ حكومة يزيد مصنّفة عند علماء السنّة ملوكيّةٌ دنيويّةٌ جاءت عبر توليته أمر الأمّة بالقهر والغلبة والإكراه والخديعة، فإنّ معاوية غالب كبار المسلمين وأكرههم على البيعة ليزيد وسلّط عليهم السيوف، ثمّ استغفل عامّتهم وخدعهم [ينظر: الإمامة والسياسة ج1 ص210، تاريخ خليفة بن خيّاط ص216، تاريخ الإسلام ج4 ص150، العواصم من القواصم ص225، وغيرها].

وبذلك يظهر لك أنّ دعوى بيعة الصحابة ليزيد بن معاوية لا تصلح دليلاً على مشروعيّة خلافته؛ فإنّهم ما بين مغلوبٌ مكرهٌ، ومخدوعٌ مستغفل.

الثانية: عدم شرعيّتها حتّى لو كانت خلافة:

إنّ تولّي يزيد لشؤون الأمّة باطلٌ حتّى على فرض كونه خلافةً لا ملوكيّة، وذلك باعتبار أنّ الملعون الفاجر هو أحد أبناء الطلقاء، وقد حفلت مصادر الفريقين بروايات حرمة الخلافة على الطلقاء وأبنائهم، كما فصّلنا الكلام عن ذلك في جوابٍ سابقٍ بعنوان: (بطلان خلافة الطلقاء).

الوجه الثاني: فقدان يزيد لشروط الخلافة عندهم:

لقد أجمع علماء السنّة على اشتراط العدالة والورع والتقوى فيمن يُنصَّب خليفة على المسلمين، قال ابن تيمية: (الأئمّة متّفقون على أنّه لابدّ في المتولي - للخلافة - من أنْ يكون عدلاً أهلاً للشهادة) [السياسة الشرعيّة ص36]، ويلاحظ ما ذكره ابن عبد البرّ وإمام الحرمين الجوينيّ والقرطبيّ وابن عبد الهادي الحنبليّ [الاستذكار ج5 ص16، غياث الأمم ص88، تفسير القرطبيّ ج1 ص270، إيضاح طرق الاستقامة ص60].

فإذا اتّضح ذلك فلك أن تسأل ابن العربيّ عن أحوال يزيد بن معاوية، وهل هناك شخصٌ واحدٌ من جُهّال المسلمين فضلاً عن علمائهم يتجرّأ فيدعي ثبوت عدالته واستقامته وتقواه وورعه؟! كيف وقد ارتكب في ثلاث سنوات ثلاث جرائم لا مثيل لها حيث قتل الحسين (ع) في السنة الأولى من خلافته، ثمّ أحرق الكعبة في السنة الثانية منها، ثمّ استباح مدينة رسول الله (ص) ثلاثة أيام ففعل الأعاجيب فيها في الوقعة المعروفة بوقعة الحرّة؛ ولذا صرّح لفيفٌ من علماء السنّة بجواز لعنه بل بكفره [ينظر: المسائل العقديّة ص93، الصواعق المحرقة ج2 ص635، نيل الأوطار ج7 ص147، روح المعاني ج13 ص228].

وقد ردّ ابن خلدون على ابن العربيّ فقال: (وقد ‌غلط ‌القاضي ‌أبو ‌بكر بن العربيّ المالكيّ في هذا فقال في كتابه الّذي سمّاه بالعواصم والقواصم ما معناه: "إنّ الحسين قتل بشرع جدّه"، وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته)؟ [تاريخ ابن خلدون ج1 ص271].

الوجه الثالث: وجوب الجهاد ضدّ بني أميّة لكفرهم:

إنّ مصادر المسلمين المعتبرة حافلةٌ بالنصوص الصريحة في كفر بني أميّة ووجوب جهادهم، وإليك بعضاً منها:

1ـ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: 28-29].

فقد أخرج الحاكم وغيره عن عليّ (عليه السلام) قال: «هما ‌الأفجران من قريش: بنو أُميّة وبنو المغيرة، فأمّا بنو المغيرة فقد قطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أميّة فمُتّعوا إلى حين»، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه) ووافقه الذهبيّ [المستدرك ج2 ص383، تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص2247].

وأخرج مثله الطبريّ والبخاريّ وغيرهما عن عمر بن الخطّاب قال: «هما ‌الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أُميّة، فأمّا بنو المغيرة فكُفيتموهم يوم بدر، وأمّا بنو أُميّة فمتِّعوا إلى حين» [تفسير الطبريّ ج16 ص5، التاريخ الكبير ج8 ص373، تفسير الثعلبيّ ج15 ص393].

2- قوله تعالى: ﴿‌وَجَاهِدُوا ‌فِي ‌اللَّهِ ‌حَقَّ ‌جِهَادِهِ﴾ [الحجّ: 78].

فقد أخرج ابن وهب والطبريّ وغيرهما عن عبد الله بن عبّاس أنّ عمر بن الخطاب سأله فقال له: «...فمَن أُمِرْنا بالجهاد؟ قال: قبيلتان من قريش: مخزوم، وعبد شمس، فقال عمر: صدقت». وفي لفظ الطحاويّ: «فقال عمر: مَن أمرنا الله أنْ نجاهده؟» [تفسير القرآن من الجامع ج2 ص46، تفسير الطبري ج20 ص262، شرح مشكل الآثار ج12 ص8]. وعبد شمس هذا هو جدّ بني أميّة، والآية كاشفة عن وجوب الجهاد ضدّهم، فيكون الإمام الحسين (ع) قد عمل بموجبها من بين جميع المسلمين.

هذا غيضٌ من فيضٍ يتّضح من خلاله مشروعيّة النهضة الحسينيّة من جهة، وبطلان تولّي يزيد بن معاوية لشؤون الأمّة من الجهة الأخرى، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.