أعقل المجانين بهلول
السؤال: بهلول المجنون واعظ هارون العباسيّ، هل كان شخصية حقيقية؟
الجواب:
نعم هو شخصيةٌ حقيقيةٌ، وقد توفي حدود سنة 190هـ، وقد ذكره العامّة والخاصّة:
فمن العامّة:
الجاحظ [ت255هـ]، فإنّه قال: (ومن مجانين الكوفة: بهلول، وكان يتشيّع، قال له إسحاق بن الصباح: أكثر اللّه في الشيعة مثلك، قال: بل أكثر اللّه في المرجئة مثلي، وأكثر في الشيعة مثلك) [البيان والتبيين ج2 ص159].
وقال ابن قتيبة [ت276هـ]: (كان بهلول المجنون يتغنّى بقيراط، ولا يسكت إلا بدانق) [عيون الأخبار ج2 ص61].
وقال الجنيد البغداديّ [ت298هـ]: (وحكي أنّ بهلول المجنون دخل يوماً بيت اللّه الحرام ساكناً مبهوتاً مدهوشاً، فقال له رجل: سل منّي حاجتك؟ فإنّك في بيت اللّه تعالى. فقال: ليس من مروءة الرجل أنْ يسأل في بيت اللّه غير اللّه) [رسائل الجنيد ص85].
وقال الذهبيُّ: (بهلول المجنون: هو البهلول بن عمرو، أبو وهيب الصّيرفيّ الكوفيّ. وسوس في عقله، وما أظنّه اختلط، أو قد كان يصحو في وقت. فهو معدودٌ في عقلاء المجانين، له كلامٌ حسنٌ وحكايات، وقد حدّث عن: عمرو بن دينار، وعاصم بن بهدلة، وأيمن بن نابل. وما تعرّضوا له بجرحٍ ولا تعديل. ولا كتب عنه الطلبة. كان حيًّا في دولة الرشيد. طوّل ترجمته ابن النجّار) [تاريخ الإسلام ج12 ص90].
وقال ابن كثير: (وفيها توفي بهلول المجنون، كان يأوي إلى مقابر الكوفة، وكان يتكلّم بكلماتٍ حسنةٍ، وقد وعظ الرشيد وغيره كما تقدّم) [البداية والنهاية ج10 ص226].
وقال ابن حجر: (بهلول بن عمر الصيرفيّ المعروف بالمجنون. حدّث عنه أبو حنيفة: أنّه لقيه يأكل في السوق، فقال له: تجالس مثل جعفر الصادق وتأكل وأنت تمشي؟ فقال له بهلول: حدّثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): «مطلُ الغني ظلم»، ولقيني الجوع وغذائي في كمّي، فلم يمكني أنْ أمطله) [تعجيل المنفعة ج1 ص357].
وذكره ابن عبد ربَّه، والبيهقيّ، وابن الجوزيّ، وغيرهم كثيرون [ينظر: العقد الفريد ج7 ص166، شعب الإيمان ج1 ص373، المنتظم ج9 ص155].
ومن الإماميّة:
السيّد التستريّ، فإنّه قال: (الشيخ الفاضل الواصل، بهلول بن عمرو العاقل، روّح الله روحه، واسمه: وهب بن عمرو، من عقلاء المجانين، ويعدّه مَن لا معرفة له ولا علم به مجنوناً، مولده في الكوفة... نقل عن هارون أنّه أراد الفتك بالإمام العظيم واجب التعظيم لحفظ ملكه العقيم، فكان يجري وراء العلل والمعاذير لقتل الإمام (ع)، ولا راحة باله من وجوده إلى أن اتّهم الإمام بأنّه يريد الخروج عليه، فاستفتى علماء زمانه في إباحة دم الإمام المعصوم، فأفتوه بذلك إلّا بهلول، فإنّه قصد الإمام (ع) وأخبره بما يخبئ له الخليفة، ورجاه أن يدلّه على طريق الخلاص من هذه الورطة، فأمره الإمام بالتظاهر بالجنون، فعمل بما أوصاه الإمام وطاعته واجبة، فنجى من أوامر هارون) [مجالس المؤمنين ج2 ص413].
وقال السيّد الخوانساريّ: (العالم العارف الكامل، الكاشف عن لطائف أسرار الفنون، بهلول بن عمرو، العاقل العادل الكوفيّ الصوفيّ، المشتهر بالمجنون، اسمه وهب، وكان من خواصّ تلامذة مولانا الصادق (ع)، كاملاً في فنون الحكم والمعارف والآداب، بل ومن جملة المفتين على طريقة أهل الحقّ في زمانه، مقبولاً عند العامّة أيضاً، ويقال: إنّ أباه عمراً كان عمّ الرشيد كما في تاريخ المستوفي) [روضات الجنات ج2 ص145].
وقال الشيخ المامقانيّ: (بهلول المعروف بالمجنون، الترجمة: قد تصدّى الحائريّ لترجمة حاله إجمالاً، فقال: يظهر من كتب السير وغيرها فضله وجلالته وعلو رتبته، وذكر في مجالس المؤمنين شطراً من مقاماته مع المخالفين، ومناظرته مع أعداء الدين) [تنقيح المقال ج13 ص121].
وقال الشيخ النمازيّ: (بهلول المجنون: من خواصّ أصحاب الصادق (ع)، كان كاملاً في فنون الحكم والمعارف والآداب، وكان ابن عمّ الرشيد، تجنّن في أعينهم صيانةً لنفسه ودينه. بقي إلى أيّام المتوكل، وله قضايا ظريفةٌ، وحكمٌ طريفةٌ مذكورةٌ في الروضات وغيره) [مستدركات علم الرجال ج2 ص69].
ومن حكاياته وطرائفه:
1ـ أنّ جماعة من الظرفاء يعرفون عقيدة بهلول، قالوا له: ورد في الأخبار: «أنه لو وُزن إيمان الشيخين بإيمان جميع الأمّة لرجح إيمانهما على إيمان جميع الأمّة»، فقال بهلول على البديهة: إنْ كان هذا الخبر صحيحاً فلابدّ أن يكون الميزان غير مضبوط [مجالس المؤمنين ج2 ص420].
2ـ أنّ بهلولاً حضر مجلس جماعة يتذاكرون الحديث، فرووا في أثناء ذلك عن أمّ المؤمنين أنّها قالت: «لو أدركتُ ليلة القدر ما سألتُ ربّي إلّا العفو والعافية»، فقال بهلول: تركتم نصف الدعاء، قالوا: وما هو؟ قال: «والظفر بعليّ بن أبي طالب» [المصدر السابق].
3ـ أنّ بهلولاً مرّ بهارون الرشيد وقد بنى قصراً جديداً، فقال لبهلول: اكتب شيئاً على هذا القصر، فأخذ بهلول قطعةً من الفحم وكتب: «رفعتَ الطين ووضعتَ الدين، ورفعتَ الجصّ ووضعتَ النصّ، فإنْ كان من مالك فقد أسرفتَ والله لا يحبّ المسرفين، وإنْ كان من مال غيرك فقد ظلمتَ والله لا يحبّ الظالمين» [المصدر السابق ص421].
4ـ أنّ البهلول كان مارّاً يوماً في بعض أزقّة البصرة، فرأى جماعة يسرعون في المشي أمامه، فقال لرجلٍ منهم: هؤلاء البهائم الشاردون بلا راعٍٍ إلى أين يذهبون؟ فقال الرجل من باب المزاح: يطلبون الماء والكلأ، فقال البهلول: كيف ذلك مع قلّة الحمى والمنع الشديد، والله لقد كان العلف كثيراً رخيصاً ولكنّهم أحرقوه بالنار، ثمّ أنشد هذه الأبيات:
برئت إلي اللّه من ظالمٍ * لسبط النبيّ أبي القاسم
ودِنْتُ إلهي بحبّ الوصيّ * وحبّ النبيّ أبي فاطم
وذلك حرز من النائبات * ومن كلّ متّهم غاشم
بهم أرتجي الفوز يوم المعاد * وأمن من نقمة الحاكم [المصدر السابق ص415].
اترك تعليق