شبهة تعارض أحاديث عدم قبول الأعمال بغير الولاية مع القرآن

السؤال: آيةٌ بيّنةٌ وقاطعةٌ في كتاب الله.. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هل نُسخت هذه الآية؟ وكيف نحلُّ تعارضها مع أحاديث عدم قبول الأعمال بغير الولاية!

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يريد السائل الآية 62 من سورة البقرة، وقد تكرّر مضمونها في سورة المائدة عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: 69]، وفي كلا الموردين فإنّه لا نسخ للآية الشريفة، كما لا تقاطع ولا تنافي بينها وبين أحاديث عدم قبول الأعمال إلّا مع الولاية لأهل البيت (عليهم السلام)، وإنّما هنالك التباسٌ حاصلٌ لدى السائل في المعنى المراد بالآيتين المذكورتين، ويتّضح جميع ذلك من خلال بيان مسألتين:

الأولى: في عدم قابلية الآية للنسخ:

إنّ كلّ من أحاط بما حكاه القرآن الكريم عن أهل الكتاب يظهر له بوضوح اعتمادهم على بعض الأسباب الزائفة، واتخاذهم إيّاها معايير للتقيّيم عند الله يوم القيامة، ووسائلَ لتحصيل النجاة من النار والفوز بالكرامة الإلهيّة، وقد تعّرض القرآن الكريم لذلك كلّه وقام بتفنيده.

فمن ذلك: تفاخرهم وتصنّعهم بطمأنينة الفوز يوم القيامة عبر ادّعاء القرابة من الله جلّ شأنه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18].

ومنه: احتكارهم الجنّة لمجرّد كونهم يهوداً أو نصارى كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].

ومنه أيضاً: حصرهم الهداية في خصوص الديانتين اليهوديّة والنصرانيّة كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135].

من هنا جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ليوضّح أنّ القانون الإلهيّ الذي يتعامل الله تعالى به مع خلقه هو عبارة عن الاتّصاف بصفتي: (الإيمان الحقيقيّ والعمل الصالح)، وبذلك تنتفي معياريّة أي شيءٍ آخر ممّا عوّل واعتمد عليه أهل الكتاب. [ينظر ما ذكره السيّد الطباطبائيّ عند تفسير الآية 62 من سورة البقرة في تفسير الميزان ج1 ص192، وكذلك ما ذكره الشيخ الشيرازيّ في تفسير الأمثل ج1 ص249 في تفسير الآية 69 من سورة المائدة].

وبذلك يظهر لك استحالة نسخ الحكم الوارد في الآية؛ لأنّ الله تعالى قد جعل يوم القيامة ظرفاً للفصل بين العباد، وإقامةً للعدل الإلهي،ّ وتقريراً للحكمة، وصيانةً لخلقة الإنسان وتكليفه من العبثيّة؛ ولكي يميز الخبيث من الطيّب، والمؤمن من الكافر، والصالح من الطالح، فيُثاب المحسن بإحسانه ويُجازى المسيء بإساءته. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحجّ: 17]، فلو قلنا بالنسخ للزم نفي العدل والحكمة عن الله (عزّ وجلّ) وإثبات العبثيّة له وكلّ ذلك محال عليه تعالى.

المسالة الثانية: توهم التعارض بين الآية وأحاديث الولاية:

لقد أخطأ السائل حينما اعتقد وجود تعارض بين الآية محلّ البحث وبين الروايات التي تنص على أنّ الأعمال لا تقبل من دون الولاية؛ وذلك لأنّ المستفاد من مجموع الأدلّة، ومنها الآية ونظائرها أنّ أتباع هذه الديانات السماويّة على ثلاثة أصناف:

الصنف الأوّل: هم المسلمون، وهؤلاء لا شكّ في أنّ صدق إيمانهم وقبول أعمالهم منوطان باعتقادهم بإمامة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام).

الصنف الثاني: هم أتباع الديانات السماويّة السابقة على الإسلام، فلا ريب في أنّ كلّ واحد من تلك الديانات كان حجّةً على معاصريه في عصره، وبالتالي فإنّ كلّ من آمن منهم بذلك الدين وعمل وفقاً لشريعته فإنّ عمله لن يذهب سدىً وسيكون من الناجين يوم القيامة بلا إشكال.

قال في الأمثل: (الآية المذكورة نزلت لتقول: إنّ كلَّ أمّة عملت في عصرها بما جاء به نبيُّها من تعاليم السماء وعملت صالحاً فإنّها ناجية، ولا خوف على أفراد تلك الأمّة ولا هم يحزنون. فاليهود المؤمنون العاملون ناجون قبل ظهور المسيح، والمسيحيّون المؤمنون العاملون ناجون قبل ظهور نبيِّ الإسلام) [تفسير الأمثل ج1 ص251]

الصنف الثالث والأخير: المعاصرون لظهور الإسلام من أصحاب تلك الديانات، وهؤلاء لا شكّ في وجوب إيمانهم بالإسلام وانتقالهم إلى العمل بشريعته؛ لأنّ شرائعهم أصبحت منسوخةً به، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 19]، وقال جلّ شأنه أيضاً: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

وإذا ما نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 62] فلو إنّهم أقاموا التوراة الإنجيل لآمنوا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) واعتنقوا رسالته؛ لأنّ نبوّته ممّا بشّرت به كتبهم ودعتهم إلى اتباعه وحدّدت له العلامات التي من خلالها يمكنهم معرفته كمعرفتهم لأبنائهم؛ لذا كان اللازم عليهم امتثال ما أُمروا به في تلك الكتب. [ينظر: تفسير الميزان ج7 ص40، الأمثل ج1 ص250].

وبذلك يظهر عدم وجود تعارض بين الآية محل البحث وبين أحاديث عدم قبول الأعمال بلا ولاية، والحمد لله ربّ العالمين.